الاقتصاد في الاعتقاد الاستهلاكيّ
أ.د. مشير باسيل عون
اقتبستُ جزءًا من العنوان من كتاب الإمام الغزالي (حوالى 1058-1111) لأنّي عاينتُ فيه تحفيزًا يدفع بالإنسان إلى النظر النقديّ في مسألة الحاجة الاستهلاكيّة. في ظنّي أنّ بنية الإنسان العميقة تضطرّه إلى الاستزادة من طلب الاقتناء والامتلاك والاستهلاك. ذلك بأنّ الإنسان كائنُ السعي المطّرد إلى الاكتمال المستحيل، ينعقد جوهرُه على الرغبة في أمرَين أساسيَّين، عنيتُ بهما الكمال والخلود. وكلاهما مستحيلان في قرائن الوجود التاريخيّ. لذلك نراه يضطرب ويتألّم ويشقى في الاستدلال على المكتسَب أو المقتنى أو الممتلَك الذي يظنّ فيه أنّه يضمن له الفوز بأعظم قسط من الكمال والخلود.
يميّز الفلاسفة الحاجة من الرغبة، فيعتبرون أنّ الحاجة ألصق بالطبيعة الجسمانيّة فيما الرغبة أقرب إلى الباطن النفسانيّ. قد تقتصر الحاجة على الأساسيّات من ضرورات الحياة، بينما الرغبة تتجاوز بقدرتها التخيّليّة شروط المحدوديّة التي تَسم الوجود الإنسانيّ وسمًا مبينًا. من مذاهب الحكمة الإغريقيّة مذهبُ الفيلسوف إبيقورُس (341-270 ق. م.) الذي كان يحثّ الإنسان على انتهاج سبيل السعادة الواقعيّة الممكنة عن طريق التمييز بين ثلاث مراتب من الحاجات. تشتمل المرتبة الأولى على الحاجات الطبيعيّة والضروريّة، كالمأكل والمشرب والملبس والمنام، وما شاكل ذلك. وتنطوي المرتبة الثانية على الحاجات الطبيعيّة غير الضروريّة وغير الملزِمة كالنشاط الجنسيّ على سبيل المثال. أمّا المرتبة الثالثة، فتحتوي على الحاجات غير الطبيعيّة وغير الضروريّة، كالغنى الفاحش والشهرة الذائعة والمجد الباطل.
إذا كان الأمر كذلك، فإنّ الحكمة تقتضي الاقتصاد في الحاجات حتّى يهنأ الإنسان بمعيشٍ خفيف الوطأة، هنيّ الوقع، سليم المسرى. غير أنّ المشكلة تنشأ من طبيعة الكائن الإنسانيّ المنفطر على استيلاد الرغائب. فالحاجة الإنسانيّة، حتّى في المرتبة الأولى من الحاجات، هي اعتقاديّةٌ على وجه الخصوص. فالإنسان مكلَّفٌ بصون جسده وتغذيته وتعزيز مناعته. ولكنّه يعتقد أنّ التفنّن في تلبية الحاجات الطبيعيّة الضروريّة سيمنحه السعادة التي يحلم بها من جرّاء النقص البنيويّ المنفظر عليه. هنا تختلط الرغبة بالحاجة لتصوّر لنا الواقع المنشود في هيئة بهيّة تجعلنا نترقّب السعادة من جرّاء حصولنا على مُشتهانا. الرغبة مقترنةٌ بالمخيّلة، فيما الحاجة تصدر من صميم ضرورات الوجود الجسديّ في جميع أبعاده التملّكيّة.
من مخاطر اقتران الرغبة بالمخيَّلة أنّ الإنسان يمكنه أن يبتكر بمخيّلته ضروبًا وهميّة من الترابط بين الوقائع والأحاسيس تجعل الإنسان يستبق السعادة المنشودة استباقًا اعتباطيًّا. فيظنّ أنّه بامتلاكه الواقع المنشود، وقد جمَّله بأبهى الصوَر والرسوم، سيُسَعد سعادةً لا نظير لها. من جرّاء اشتداد الرغبة، تتمكّن المخيّلة من إقصاء العقل الناظم، والاستعاضة عنه بسلسلة غامضة من الترابطات الذهنيّة التعسّفيّة التي تنتجها المخيّلة إنتاجًا يخالف أحكام الواقع.الرغبة أشبهُ بالقوّة العمياء تتسلّط على الإنسان، وتمنعه من صفاء التبصّر العقلانيّ الحصيف، وترمي به في لجّة التوهّمات السعيدة التي تُبهجه على قدر ما تزيّن له القدرة على الانعتاق من سلاسل محدوديّته التاريخيّة.
أصلُ الرغبة نقصٌ أونطولوجيّ بنيويّ باطنيّ ألبسته المخيَّلة كلَّ ألوان الزهو، ونسبتكلَّ طاقات الإبهاج إلى غرضها أو موضوعها أو مضمونها أو مادّتها أو مرماها أو مُبتغاها أو مُشتهاها. تنتعش الرغبة على قدر ابتعاد الغرض عن المنال، وتخبو حين يفوز الإنسان بالمبتغى. وقد يؤثِر بعضُهم إرجاء المنال حتّى تتعاظم مقاديرُ الابتهاج، حتّى لو تفاقمت آلامُ الانتظار في مجرى الزمان. فالزمان المنتظِر أغنى حمولةً من الزمان المنتصِر. ما من شيء أشدّ إزهاقًا للرغبة من حصول الإنسان على مُبتغاها، إذ إنّ تحقيق الرغبة إعدامٌ لها.
في الزمن الفاصل بين الرغبة ومنالها يبتهج الإنسان بما يتخيَّله من نشوة الفوز بها ابتهاجًا يفوق لحيظة الإمساك بغايتها القصوى. ذلك بأنّ الزمان يهب الراغب القدرة على الارتقاء بموضوع رغبته إلى أعلى مراتب المثاليّة، حتّى يصبح موضوعُ الرغبة أنبلَ الأهداف وأسمى المرامي. فإذا بالتناقض يعتصر وعي الراغب لأنّه يجد نفسه في حالٍ من التنازع المرير بين استطالة زمان الرغبة واستعجال الابتهاج بمنالها. فالاستطالة تُبهجه إبهاجًا قلقًا بالحمولات التخيّليّة التي تخلعها على مضمون الرغبة. والاستعجال يصدّه صدًّا مؤلمًا عن تجميل الواقع. وعليه، فإنّ تحقُّق الرغبة يُظهِر للإنسان الراغب أنّ الواقع يناقض البهاءات السامية التي تزيّنت بها رغبتُه. فالواقع محدودُ الطاقات، مشلولُ الإمكانات، فقيرُ الحال، سليبُ الغوى، أسيرُ المساومات، زهيدُ الإلهام، ضعيفُ الاستنهاض. ومن ثمّ، فإنّ المخيَّلة الراغبة تتفوّق عليه إبداعًا وزخرفةً. برهانُ ذلك كلِّه أنّ الإنسان، حين تتحقّق رغبتُه، يصطدم بالخواء المعنويّ والجماليّ الذي يشوب الواقعَ وينخر في أوصاله نخرًا. ما من اختبار أشدّ إفصاحًا عن مرارة الخيبة من إحساس الإفناء الذي يجتاح الإنسان حين يبلغ ذروة النشوة الجنسيّة، على ما تذهب إليه بعضُ مدارس التحليل النفسيّ التي تربط اللذّة (إِروس) بالموت (ثاناتوس)، في حين أنّ الهيجان الخياليّ الذي كان يهيّئ إهراءات البهجة كان يَعِد المغرومَين الولهانَين المتعانقَين بأقصى ضروب الاكتمال الكيانيّ.
الرغبة تنشأ في مخيّلة الإنسان الذي يتصوّر الواقع على غير ما ينعقد عليه في صميم قوامه، فيحسّنه ويجمّله ويُضفي عليه ألوان الزهو والألق والنضارة. ولكن الرغبة حين ينالها الإنسان، يصيبه منها بعضٌ من الاكتئات والخيبة والملل لأنّ الفوز بموضوع الرغبة ينزع كلّ التحسينات المثاليّة التي نسبتها المخيّلة إلى موضوع الرغبة. الراغبُ يبتهج بجمال رغبته ابتهاجًا يفوق مسرّته بنيلها. فالفوز بمشتهى الرغبة يُفقدها رونقها وسحرها ومثاليّتها وقدرتها على إخصاب المخيّلة. لذلك يترنّح الراغبُ بين مراتب رغبته. وما إنْ يفوز بواحدة من هذه المراتب حتّى ينتفض مخذولًا ويتطلّع إلى مرتبة أخرى.
مأساة الإنسان الراغب أنّ منال الرغبة يُرعبه لأنّه يُفقده معنى الانتظار المبهج. فإذا بالفوز ينقلب إلى امتعاض واكتئاب وخيبة. مع ذلك، يستميت الإنسانُ في شحذ رغائبه حتّى يظلّ على قيد الحياة. يشبّه الفيلسوف الإلمانيّ شوبِنهاوِر (1788-1860) تحقيق الرغبة بالصدَقة التي ترميها الحياة للمتسوّل لكي تبقيه حيًّا، ولكن من غير أن تُعتقه من بؤسه وتعسه. الرغبة للراغب كالصدَقة للمتسوّل تُطيل عمره الجسديّ، ولكنّها أيضًا تُطيل عمر معاناته المنبثقة من تدافع الرغائب في وعيه. لذلك كانت الرغبة هي الطاقة الحيّة العمياء التي تجيش جيشانًا في شرايين الكائن الإنسانيّ، تنقل إليه عدوى الحياة وتنفث فيه جرثومة المعاناة.
لا خلاص من مأساة الإنسان الراغب إلّا بإطفاء الرغبة. غير أنّ إطفاء الرغبة يجب أن يصاحبه تدبّرٌ رزينٌ حكيمٌ، وإدراكٌ صائبٌ مستقيمٌ لمعاني السعادة الحقّ في الوجود الإنسانيّ. أتى الكوفيد التاسع عشر يذكّرنا بضرورة الاقتصاد في تنويع رغائبنا والتفطّن في تجميل وقائعنا. حين يُفقدنا الكورونا القدرة على اقتناء ما يحلو لنا من بضائع غير ضروريّة، والقدرة على اقتناص ملذّات فائضة مصطنعة، والقدرة على اختراع عوالم ملكوتيّة وهميّة في جزر الرخاء الاستهلاكيّ، فإنّ الزمان يضحي مؤاتيًا للنظر النقديّ في اقتصاديّات الحاجة المفتعلة.
لستُ أقول بإعدام الرغبة في الإنسان، إذ إنّها مصدر الحياة فيه. فهل يمكن إبطال الرغبة إذا كانت على هذا الاقتران الوثيق بالحياة؟ وما مصير الحرّيّة الابتكاريّة التي انفطر عليها الكيانُ الإنسانيّ؟ الأقرب إلى الحكمة ضبطُ الرغبة، لا إبطالُها. والأجدرُ الاقتصادُ في الاعتقاد الاستهلاكيّ، لا تعطيل النشاط الإنسانيّ برمّته. لذلك ينبغي الاعتصام بثلاثة ضروب من الفطنة. فطنة التمييز بين مراتب الحاجات، وفطنة التمييز بين مضمون الحاجة الواقعيّ ومضمون الحاجة المتخيَّل، وفطنة التمييز بين الحاجة والرغبة.
على تعاقب الأجيال تَواجه في الفكر الفلسفيّ تيّاران قويّان. يذهب الأوّل إلى ضرورة ضبط الرغبة وسوقها في صراط العقل المستقيم، على ما يقول به إبيقورُس، ويميل الثاني إلى تحرير الرغبة من سلطة العقل لأنّها مخزنُ الطاقة الحيويّة التي تمنح الوجود الإنسانيّ رونقه وألقه وسحره. يعاين الفيلسوف الألمانيّ نيتشه (1844-1900) سحر الحياة في رغبة الاقتدار والتألّق والتفوّق والعزّة الذاتيّة، مناهضًا كلَّ ضروب الخنوع والعبوديّة. ذلك بأنّ الرغبة، في نظره، طاقةٌ إبداعيّةٌ بهيّةٌ تهب الإنسان لذّة التجرّؤ على اقتحام لجج المخاطر وتسلّق قمم الفنّ والرقيّ. أمّا الناس، فإنّهم يُصنّفون إمّا في مصفّ الارتقاء حين يثقون بهذه الطاقة الحيّة الراغبة التوّاقة، وإمّا في مصفّ الانحطاط حين يقهرون ذواتهم ويميتون الرغبة فيهم. هؤلاء البائسون يُهلكون فيهم الحياة، ويُبطلون كلّ مسعًى إبداعيّ لأنّهم يكرهون الحياة، ويسترهبون الجدّة، ويقاتلون غرائزهم مقاتلة شرسة خوفًا من افتضاح أسقامهم وعقَدهم وارتباكاتهم النفسيّة. ولم يتورّع نيتشه عن التنديد بمسلك بعض أهل الفلسفة المثاليّة ورجال الدِّين والنسّاك الروحانيّين الذين يحقدون على الوجود، ويُعدمون رغبة الحياة فيهم، طمعًا بملكوتٍ سماويّ مزيَّن بأشدّ لوحات الكمال تزييفًا وتضليلًا.وعليه، يرفض أن يُصدّ الإنسانُ عن رغبته القويّة في الحياة، وعن رغبته الشديدة في الاقتدار. فينتقد الأخلاقيّات الدِّينيّة والأفلاطونيّة والرواقيّة والإبّيقوريّة التي تُخضع الإنسان لعلاجيّاتٍ في الرغبة تجرّده من محبّة الحياة ومن زهو الوجود.
هذا كلُّه قولٌ جميلٌ، على ما أحسب. ولكن ما علاقة المخيّلة بالرغبة في قرائن الدهاء الاقتصاديّ المعولم الذي يُتقن فنّ النفاذ إلى باطن الوعي الإنسانيّ المعاصر يخرّب فيه مباني الرغبة السليمة؟ أستعين هنا أيضًا بالفيلسوف الفرنسيّ بول ريكور (1913-2005) الذي يعتبر أنّ “اللذّة المتخيَّلة تُسمَّى رغبة”. في قولته هذه دليلٌ على تصاحب الرغبة والتخيّل والتلذّذ. إذا كان الأمر على هذا النحو، استطاعت مخطّطاتُ الاقتصاد الاستهلاكيّ أن تنسلّ إلى مباني الوعي الباطني لكيّ تنقضّ على مخيّلة الإنسان الراغب، فتزيّن له الواقع المشتهى بأبهى الصوَر والرسوم. فإنّي لا أستغرب على الإطلاق أن يتغذّى عصبُ الاقتصاد من جميع هذه الرغائب المفتعلة، وذلك من بعد أن يبدّل من طبائعها وخصائصها.
لا ريب عندي في أنّ الدهاء الاقتصاديّ يدرك كيف يصون في الإنسان تناسل الرغائب المتدافعة، لا بل يُمسك إمساك الخبير المتمرّس بطبائع الرغبة المتفلّتة في الوعي الإنسانيّ. فلا يني يستبق انطفاء الرغبة الاستهلاكيّة المنقضية، ليعالجها باختراعِ مُشتهًى استهلاكيّ يضاهي مادّة الرغبة المنطفئة رونقًا وسحرًا. فإذا بالاستهلاكيّات المعولمة تنجح في الهيمنة على آليّات استيلاد الرغائب في الباطن الإنسانيّ. من المشتهيات الوهميّة التي يُستفحش ذكرُها في هذا السياق أتخيّر ثلاثة أمثلة فاضحة معثِّرة. المثال الأوّل المنتوجات الزراعيّة المنتهَكة جينيًّا، والثاني الجيلُ الخامس من الهاتف الخَلويّ، والثالث إفناء الغابات التي تتنفّس الأرض بها والتي تحتضن الحيوانات الحاملة فيروسات العدوى القاتلة.
لستُ أظنّ أنّ بالناس حاجةً إلى ابتلاع ثمارٍ من الأرض المزروعة حُقنت بموادّ مستلّة من عضويّات أخرى أو جرى التلاعب بتركيبتها الجينيّة. ولستُ أظنّ أنّ التواصل الإنسانيّ يُسرّ بتكثيفٍ ضخم في التناقل المعلوماتيّ وبتسريعٍ هائل في الإبلاغ الهوائيّ يُفضيان كلاهما إلى موجات حارقة تخترق الأجساد، وتتلف الأعصاب، وتضرّ بالخلايا، وتُنزل الأمراض السرطانيّة بالهياكل الجسديّة التي سبق أن لوّثتها انبعاثاتُ المفاعل والمصانع والمحرّكات.ولستُ أظنّ أنّ الإنتاج الزراعيّ لا يكفي الناس حتّى يقتلعوا الغابات ويطردوا منها الحيوانات والحشرات التي منها تأتيهم جميعُ ضروب الفيروسات الفتّاكة، على ما أثبتته الاستقصاءاتُ العلميّة الأخيرة، في حين أنّ الفائض في بعض المنتوجات الزراعيّة يدفع بالجشع التجاريّ والصلف الاحتكاريّ إلى إتلاف فائض الإنتاج حتّى لا تهبط الأسعار هبوطًا يسهّل على فقراء الأرض أن يفيدوا من هذه المنتوجات بأثمان زهيدة وأن يغتذوا بها اغتذاءً سليمًا.
أعتقد اعتقادًا راسخًا أنّ حرّيّة الإبداع ينبغي أن تنتظم انتظامًا سويًّا حتّى تسلك مسلك صون المنفعة الإنسانيّة الأشمل والأرحب. فلا يجوز للإنسان أن يرغب في ما لا يُرغَب فيه من مضرّة، وحجّته في ذلك أنّه حريصٌ على مثل هذه الحرّيّة. لا حرّيّة قويمة تناقض مبدأ السلامة الكيانيّة، ولا رغبة سليمة تخالف منطق العيش الكونيّ الهنيّ.من محاسن الكورونا القليلة أنّه يساعدنا على الاقتصاد في الاقتصاد الإنتاجيّ والاستهلاكيّ، أي على الاقتصار على تلبية الرغائب الإنسانيّة الأساسيّة، وعلى مقاومة إستراتيجيات السوق في افتعال الرغائب الفائضةالمتوهَّمة المنحرفة. ومن ثمّ، ينبغي التفكير الرصين في فصل حرّيّة تطوّر العلوم والتكنولوجيا عن مسرى تشويه الرغائب الإنسانيّة الاستهلاكيّة. فهل الحاجة العلميّة هي حاجة استهلاكيّة أم حاجة تدبيريّة وقائيّة فِطنيّة؟ السؤال على قدر عظيم من الأهمّيّة، يستوجب من كلّ واحد منّا أن يستجلي عناصره ومضامينه وجزئيّاته الإشكاليّة.
ليس الإنسان بالتملّك، بل بالتكوّن؛ ولا هو بالاغتناء الرغائبيّ، بل بالاعتناء العلائقيّ؛ ولا هو بالبحبوحة الاستهلاكيّة، بل بالكينونة التأمّليّة. ومن ثمّ، فإنّ الاقتصاد الإنتاجيّ الاستهلاكيّ المعولم لا يكبحه ولا يضبطه ولا يُعقْلنه سوى تهذيب الرغبة الإنسانيّة وتشذيبها من هوس الاقتنائيّات المضاعفة، وهاجس الاستزادات المتراكمة، ووهم الاستشباع الأقصى. كان يحلو لشوبِنهاوِر أن يمتدح الرغبة التي تصاحبها لذّةٌ بريئةٌ صافيةٌ كرغبة تأمّل الجمال في الفنّ، والتنعّم بمباهج الارتقاء الإدراكيّ حيث السعادة منعتقةٌ من كلّ منفعة غير محبّة الجمال بذاته. ويقينه في ذلك أنّ في الإنسان رغائب أصيلة تؤهّله للاستمتاع بمباهج الحياة من غير الإسراف في انتهار الطبيعة وانتهاك الجسم الإنسانيّ. شرطُ ذلك أن ترقى الرغبة إلى مرتبة التحرّر من عقدة النقص وآلام المغالاة في الاستزادة. إنّها الآلام التي تحرم الإنسان من السعادة الحقّ كلّما تحقّقت له رغبةٌ كان يظنّ فيها منتهى رجائه.
يقيني أنّ العقل الاقتصاديّ الكونيّ المعولم مصابٌ بالتواء مفهوميّ يُجحف بالكرامة الإنسانيّة ويُنذر بأوخم العواقب. فاتَه أنّ الإنسان هو سيّدُ رغائبه، لا الرغائب المتفلّتة سيّدةُ الإنسان وحاكمتُه! ليس الاقتصاد الحقّ إسرافًا في اختلاق الحاجات النافلة وتسويغها بالرغائب الفائضة. الاقتصاد الحقّ هو الامتناع الطوعيّ عن الإسراف لأنّ الإنسان المقتصِد هو الذي يتدبّر رغائبه تدبّرًا حكيمًا، فلا يُقتّر فيها حتّى الإعدام، ولا يبذّر منها حتّى الإغراق. الاقتصاد الحكيم ضبطٌ للاعتقاد الرغائبيّ الاستهلاكيّ من أجل أن يفوز الإنسانُ بسعادة كيانه من غير أن يُبطل سلامة وجوده.