“يوميات كامل الشناوي”… حياة الشعر و الصحافة و الحب و الأغاني
سليمان بختي
صدر في القاهرة “كتاب يوميات كامل الشناوي” عن دار الكرمة في 384 صفحة . وحررت الكتاب رحاب ضاهر وقد جمعتها من مختلف الجرائد والمجلات المصرية التي كتب فيها .
لم يكن كامل الشناوي صحفيّاً عادياً ولا شاعراً غنائياً عادياً بل كان مؤسسة ثقافية قائمة بذاتها، وله الدور والأثر والباع والموقف وقوة التعبير العذبة عن مختلف المواضيع التي تناولها. وكانت لديه شبكة اجتماعية جمعت السياسيين والرموز الثقافية والإعلامية والفنية في زمانه. وإذا كان الكتاب قد صدر بعد 55 سنة على وفاته ولكنه يحمل أسبابه وجدارته ولو طال الزمن .
ولد مصطفى كامل سيد سيد أحمد السشناوي في العام 1908 في نوسة البحرية في الدقهلية وهوشقيق الشاعر مأمون الشناوي، وعم الناقد طارق الشناوي . كان والده قاضياً شرعياً وسماه على اسم الزعيم مصطفى كامل . الحقه والده بالأزهر فبقي خمس سنوات وانسحب . ثم عمل بدار الكتب التي جعل منها جامعة خاصة به. وبلا دراسة وفي العشرين من عمره راح يراسل الصحف وينكب على القراءة في الشعر والادب. تأثّر بأبو نواس و كان بين مؤلفاته”اعترافات أبو نوّاس”.
بدأ كامل الشناوي مسيرته الصحفية في العام 1928 في جريدة “الوادي” ومن بعدها إلى مجلة “كوكب الشرق” التي كان طه حسين مديراً سياسياً لها ونقله محرراً بمكتبه . ثم انتقل إلى “روز اليوسف” عام 1935 وعمل مع الأديب عباس محمود العقاد الذي عهد إليه أن يكتب المقال القصير . وعهد إليه أيضاً بمراجعة مقالاته قبل دفعها إلى الطبع . عمل في “الأهرام” وكانت برئاسة انطون الجميل، وبهمته نشر بيرم التونسي أول قصيدة زجلية على الصفحة الأولى في “الأهرام” وحرر فيها باب “خواطر حرة”. كما كتب في “آخر ساعة ” و” المصور ” و”الاثنين” وترأس تحرير” آخر ساعة ” (1942) ، وانتخب عضواً في مجلس النواب 1945 ثم انتقل للعمل في “الأخبار ” ثم تركها ليترأس تحرير “الجريدة المسائية ” (1949) ثم عاد إلى “الأهرام ” رئيساً لقسم الأخبار . وفي العام 1955 أصبح رئيساً لتحرير ” الجمهورية” ثم رئيساً لتحرير “الأخبار” وبقي فيها حتى وفاته عام 1965 .

حاز الشناوي على شعبية ومقرونية واسعة في المجتمع المصري والعربي ويعود ذلك إلى رومانسيته العذبة التي تسيطر على تشاؤميته. أما الشعر في حياته فقد بدأ يكتبه وهو طالباً في الأزهر واكتشفه الشاعر الأبيض (محمد الأسمر ) الذي كان صديقاً لأحمد شوقي وقدّمه إليه.
وكان لقاءه لشوقي نقطة تحول في حياته فقد أعجب بإحدى قصائده وطلب إليه إلقاءها في إحدى الندوات الثقافية المعتبرة. كما أعجب شوقي بطريق القاء الشناوي وطلب إليه إلقاء قصائده في الندوات والاحتفاليالت. وقد تغنى بقصائده أشهر المطربات والمطربين في مصر. غنت له أم كلثوم “على باب مصر “و قال فيها:”أنا الشعب لا أعرف المستحيلا ولا أرتضي بالخلود بديلا ” وغنى له عبد الوهاب قصيدة “الخطايا” كما غنى له فريد الأطرش “لا وعينيك ” و”عدت يا يوم مولدي ” وغنى له عبد الحليم حافظ ” حبيبها”، “لست قلبي” والرائعة ” لا تكذبي “.قال لعبد الحليم بعد غنائه”حبيبها”:”لقد غنيتني.. بعضي يمزق بعضي”. كما غنتها نجاة الصغيرة أيضاً. وكتب أغنية عربية يقول فيها:”عرف الشعب طريقه/وحد الشعب بلاده / فإذا الحلم حقيقة و الأماني إرادة”. وكتب قصيدة تحيّة للمناضلة الجزائرية”جميلة بو حريد” بعنوان “جميلة”. حمل شعره الغنائي رقة عالية عالية فمن يكتب في ختام “لا تكذبي” “كوني كما تبغني لكن لن تكوني/فأنا صنعتك من هوايا ومن جنوني / ولقد برئت من الهوى ومن الجنون” هو شاعرٌ كبير. واللافت انه لم يجمع شعره إلا في السنة الاخيرة من عمره . وتوالت بعد وفاته جمع كتاباته ونشسرها ومنها : “لقاء معهم ” و”ساعات” و”بين الحياة والموت” و”زعماء وفنانون وادباء ” ، كما جمع له شقيقه مأمون عام 1973 قصائد بعنوان “لا تكذبي” مع مقدمة قال فيها:”لو أردنا أن نسجل حياة كامل الشناوي العاطفية بصدق و أمانة لما وجدنا إلا وسيلة واحدة هي أن نرتب قصائده زمنياً لنخرج من شعره في النهاية بأكثر من قصيدة حب”.
أما كامل الشناوي فقال في شعره:”حاولت أن أغني و أبكي وأرقص بصدق وموسيقى … كل ما أعرفه أني كنت صادقاً في غنائي و بكائي ورقصي “.ويتضمن الكتاب رثائية لأحمد شوقي و رثائية لعباس محمود العقاد. وفي كتابه “يوميات كامل الشناوي ” إشارة إلى وصية كتبها الششناوي إلى الكاتب الصحفي أحمد رجب في ” الأخبار ” عام 1962 ويقول فيها : “أنت يا صديقي أحمد تصغرني بعشرين سنة على الأقل وستعيش بعدي وعندما تحترق سيجارة عمري ويرشف القدر آخر نفس فيها فاهرع إلى بيتي وخذ ما تجده من اوراق وانشرها على الناس ، وما أقوله لك ليس مداعبة ولكن وصية أسجلها هنا علناً وعلى رؤوس الأشهاد”. ولكن أحمد رجب لم ينفذ الوصية لأسباب مختلفة .
وتظهر يومياته الحياة الأسطورية التي عاشها كامل الشناوي _ ارتدى الزي الأزهري ثم أصبح الأفندي المطربش _ مع أعلام عصره وعلى مدى 35 عاماً قضاها تقريباً في كل مؤسسات الصحافة في مصر الأربعينيات والخمسينيات والستينيات . وكتاباته تحمل من البوح والتواصل والحميمية الشيء الكثير فهو يكتب يومياته كمن يروي لصديق في لحظة تجل .
وفي إحدى يومياته يسأل :”هل ينتهي الكون؟ وماذا عن الشقي ؟ وماذا عن السعيد؟”
هذه اليوميات هي صورة لحياته وعلاقاته مع وجوه عصره مثل طه حسين والعقاد وشوقي وانطون الجميل ومحمد التابعي ومصطفى امين ومحمد حسني هيكل وإحسان عبد القدوس وكمال الملاح. وكذلك علاقاته وصداقاته القوية مع الفنانين ومنهم: عبد الوهاب وأم كلثوم وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة ( وقيل إن علاقة حب ربطتهما وروى بعض ملابساتها في “لا تكذبي ” و”حبيبها “).
عرف عن كامل الشناوي روحه المرحة الساخرة وبراعته في رواية النوادر و الحكايات وتدبير المقالب لأصدقائه . كما عرف برعايته للمواهب الشابة ودعمها وكان يردد “الفنان الجديد جمال جديد”.
وفي اليوميات صور من الطفولة في مشاهد سينمائية وظلال رومانسية . يكتب عن العزلة التي عاشها بسبب سمنته الزائدة وخوفاً من التنمر والسخرية. لكنه استطاع التغلب على عزلته بفضل روحه المرحة الساخرة وقدرته الشعرية الواثقة. لكنه ظل يسأل:”أينقضي العمر بين أهلي/ وأشتكي لوعة الغريب/ ويرتوي الورد من دموعي/ ليصبح الشوك من نصيبي”.
ومع انطلاقة ثورة 1952 أظهر البشناوي حماساً لها وعد من القريبين منها بسبب قصيدته ” كنت في صمتك مرغم” امتلك الشناوي نظرة تقدمية للمرأة ودورها في المجتمع ، وأهمية العدالة الاجتماعية ودور الفن في نهضة المجتمع . وكان مؤمناً بالجمال الإنساني والعمراني . وكان يكرر في يومياته رفضه المطلق للزواج وتمسكه بالحب.
وكتب :” إن الحياة مشكلة لم أستطع ان أحلها ولا ان أتجاهلها ، ولا أقوى على مواجهتها ولا أدري كيف أفر منها”. أكثر ما كان يشغله السهر والإنفاق ، وقد سكنه هاجس الموت الذي يأتي ليلاً فكان يقضي الليل ساهراً أو قاطعاً الرحلة من الهرم إلى مصر الجديدة حتى لا ينام ويباغته الموت ليلاً . ومن سخرية القدر أنه مات في عز الظهر وعن 56 عاماً.
ولكن كامل الشناوي عاشق الكلمة صار في آخر أيامه لديه مشكلة معها. يكتب ” الكلمة صارت مشكلتي ” مصوراً دخول المرض على الكلمة ونيله أحياناً من كمالها .ومشدداً على انه بدون المشاركة العاطفية والفكرية بين الكاتب والقارئ تصبح الكتابة صوتاً بلا صدى.
أخيراً، أهم ما في كتابه انه يظهر صورة حارة لصحفي كبير وشاعر مرهف وإنسان حقيقي بقلب من مياه عذبة وروح شفافة مرحة ووجدان وطني صادق.
عاش عصره حتى الثمالة في أبعد من يوميات. روح حرة تهوى الكلمة والجمال والحب.