التطبيع المتدحرج والعدالة الغائبة

Views: 1177

العميد الركن صلاح جانبين

التطبيع يعني المشاركة في مشروع أو نشاط ما، إقليمياً كان أو دوليّاً، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وتعني إقامة علاقة أو تحسينها مع دولة أو كيان لا علاقة سابقة معه، بل علاقة متوتّرة مقطوعة بسبب الاضطهاد والتمييز العنصري، أو بسبب الاحتلال والانتهاك أو الاستبداد والظلم.

وهو الاستسلام والانهزام واليأس والمهانة أمام العدو، والرضوخ لمشيئته، بدلاً من فضحه ومواجهته، أو مجابهته ومقاومته.  والتطبيع مع العدو الإسرائيلي هو إقامة علاقات طبيعية مع أجهزته ومؤسَّساته وأفراده، كما العلاقات القائمة مع الدول الشقيقة والصديقة أو الحليفة، وتعاون تامّ لكافة النشاطات العلمية والثقافية والمهنية، كما الاقتصادية والاجتماعية أيضاً، وفكّ وكسر الحواجز النفسية والعملية التي كانت قائمة منذ أكثر من إثنين وسبعين سنة، وتجاهل حالة الحرب والصراع القائمة، كما التعتيم والإنهاء لكل الأعمال العدوانية والجرائم والانتهاكات التي ارتكبها العدو من حصارٍ وتجويع، وأسرٍ وقتلٍ وتدميرٍ وتهجيرٍ وتشريد، وكأننا نعيش كأمة عربية وضعاً عادياً من دون معاناة أو مشاكل، لا قضية لنا ولا صراع، وعفى الله عن كل ما مضى، وبالتالي شطب كل ما عاناه الشعب العربي من ويلات بشكل عام، والفلسطيني بشكل خاص من جبروت وظلم واضطهاد، ومحو كل التضحيات الجسام التي قدمّها شبابنا، كل ذلك وكأنَّ فلسطين قد عادت إلى شعبها ولم تعد مغتصبة، والشعب الفلسطيني والعربي يحتفل بانهاء الاحتلال وإقامة دولته المستقلّة على كامل التراب الفلسطيني.

فهل تمّ الاتفاق سرّاً مع العدو الإسرائيلي، وتحقَّق السلام المنشود، وأُعطي الشعب الفلسطيني حقَّه بالعيش بعزّة وكرامة في أرضه وفقاً للقانون الدولي على “مبدأ الأرض مقابل السلام”؟ وهل تحققّت العدالة وعاد الفلسطينيون من الشتات إلى أرضهم؟ وهل تمَّ التعويض على ما خسروه وفقدوه من ممتلكات، أو ما لحق بهم من أضرار وفقاً لمبادئ القانون الدولي والعدالة وطبقاً لقرار الأمم المتَّحدة رقم 194 تاريخ 11 كانون الأول 1948؟ أو أنَّ حقوقه المشروعة قد استُبيحت من جديد وضُرب بها عرض الحائط؟

أو إنه تطبيع، يقتصر على الإعلام والسياسة والاقتصاد بهدف طمس وإنهاء القضية الفلسطينية، تتويجاً لسياسة التخاذل والانبطاح أمام العدو، بهدف تطبيق ما سُمي بـ “صفقة القرن” على أرض الواقع، وعرض المنافع الاقتصادية التي يمكن أن يجلبها اتفاق الصفقة المزعوم، بخاصة في الضفة الغربية وقطاع غزّة والأردن ولبنان؟

فهل بالفعل قد شُطبت قضية الشعب الفلسطيني، وفُكِّكَت مكوِّناته، وانتهى وجوده في فلسطين التاريخية عام 1948، بإغراء الدول العربية المحيطة بفلسطين بالمال للتخلّي عن القضية من جهة، ومن جهة أخرى بتفعيل التطبيع الجزئي التدريجي المتدحرج، وصولاً إلى التطبيع الكلّي معها، والموافقة على ضمّ أجزاء من الضفة الغربية إلى الكيان المحتلّ لتكريس سلطة فلسطينية تحكم بصلاحيات محدودة ؟

أين الوعود والقرارات الدولية ذات العلاقة، لا سيَّما القرار 242 تاريخ 22 تشرين الثاني 1967القاضي بانسحاب “إسرائيل” من الأراضي العربية المحتلَّة؟

 أين نحن من نزع سيادة الشعب الفلسطيني عن أرضه ، وتكريس بناء المستوطنات وتشريعها خلافاً للقانون الدولي؟

متى تُطبّق القرارات الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، والتي ظلَّت حبراً على ورق منذ إصدارها، نتيجة التعنّت الإسرائيلي، وعدم القدرة على المحاسبة بغياب العدالة الدولية؟

فهل خسر شعبنا كل الحروب التي خيضت في الماضي، حتى تمَّ تطبيعه؟ أو أنه قاوم الاحتلال، والانتداب، ورفض الهيمنة والقهر على مرِّ التاريخ؟

 وهل صحيح، أنَّ تطبيع الأنظمة الحاكمة، يؤدّي إلى تطبيع الشعوب المقهورة، ضعيفة المقوّمات، ورفعها رايات الاستسلام، وخضوعها وخنوعها للاحتلال؟

هل نسي شعبنا قضيته المحورية، وما عاد يعمل من أجلها؟ أو أنه ما زال يجابه، يقاوم، يناضل بما لديه من إمكانات ومقوِّمات في مواجهة العدو؟

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *