جوزف صايغ يُحقّق نبوءته
سلمان زين الدين
في حوارٍ أجرته معه جريدة “الجريدة” الكويتية في 12 / 3 / 2008، إثر صدور أعماله الشعرية الكاملة عن دار النهار للنشر، وكتابيه “معيار وجنون” و”مجرّة الحروف” عن التعاونية اللبنانية للتأليف والنشر، تنبّأ جوزف صايغ بأنّ حياته ستنتهي في الغربة، وها هي النبوءة تتحقّق، مع الأسف، فيغادرنا أمس الخميس في 5 / 11 / 2020، ليضاعف إحساسنا بالغربة في هذا العالم.
حين زرته للمرّة الأخيرة، الخميس في 24 / 9 / 2020، في منزله في زحلة، لم يدر في خَلدي أنّها زيارتي الأخيرة، وأنّه على أهبة الرحيل، فقد أخبرني أن صحّته تحسّنت بمجرّد عودته إلى لبنان، وأهداني مجموعته الشعرية الأخيرة باللغة المحكية “شموع”، وغادرته على أمل اللقاء، غير أنّ لحقل القدر حسابات أخرى لا تطابق حسابات بيدر الإنسان.
تعود معرفتي بجوزف صايغ إلى ثلاثة عقود خلت، ففي العام 1989، أُتيح لي أن أشارك في ثلاثية تكريم الشاعر الزحلي، السوري الأصل، نقولا يواكيم ببحث حول المرأة في شعره، وأسهبت في تعداد الشعراء الذين ارتبطت أسماؤهم بنساء معيّنات، عبر التاريخ الأدبي، القديم والحديث، حتى إذا ما أغفلت ذكر جوزف صايغ وآن كولين سهوًا، وكان حاضرًا التكريم، جاء من يهمس لي أنّه أخذ على خاطره من هذا الإغفال، وكانت هذه الواقعة بداية علاقة طويلة بيننا، راحت تُفرِع وتُمرِع، على الزمن، وتؤتي أُكُلُها في كلّ حين. فكان أن استضفته في العام نفسه في حوار إذاعي في إذاعة محلية، أذكر أنّه أكّد فيه على قدرة بحور الشعر العربية على استيعاب التحوّلات الحداثية، وهو الذي لم يخرج عنها قطّ في مسيرته الشعرية الطويلة التي أربى حصادها على خمس عشرة مجموعة شعرية، وبقي مصرًّا على الالتزام بها رغم إقامته في باريس منذ العام 1954، وقد أثبت ذلك بالفعل حين استطاع في “القصيدة باريس” و”الديوان الغربي” التعبير عن الرؤى الغربية بواسطة هذه القوالب العربية. وقد رصدت هذه الاستطاعة في مقال لي حول المجموعتين نُشِر في جريدة النهار في حينه.

وإذا كانت المجموعتان المذكورتان تُجسّدان علاقة الشاعر مع الآخر الغربي، على المستوى الشعري، فيحتفي بباريس التي قدّمت له كل شيء ما عدا اللغة العربية، على حدّ تعبيره، ذات مقابلة، فإنّ كتابه “حوار مع الفكر الغربي” يجسّد هذه العلاقة على المستوى النثري / الحواري، وهو مجموعة حوارات مع مفكّرين وأدباء غربيّين، أجراها الشاعر في عامي 1977 و1978، ويطرح فيها أسئلة الحرب والسياسة والفكر والأدب والفن والفلسفة والتاريخ، وقد كانت لي فرصة الكلام على هذا الكتاب، غداة صدوره، في “دار الندوة”، في 15 حزيران 2013، بينما تحدّث ميشال معيكي عن كتابه الآخر الذي صدر في الوقت نفسه “الوطن المستحيل”، وأدار سليمان بختي الندوة. وهذا الكتاب الأخير هو “فشّة خلق” على حد تعبير صاحبه، يعبّر فيه عن خيباته الكثيرة التي دفعت به إلى الهجرة، ويقول استحالة الوطن، وهو ما نعيشه، مع الأسف، في هذه اللحظة التاريخية، التي يتجادل فيها أولو الأمر في جنس الملائكة بينما السفينة تغرق.
ومع هذا، لم يتنكّر جوزف صايغ لوطنه، وقد عبّر عن ذلك في تلك الندوة بالقول: “لا تزال الخيوط تشدّني إلى هذا البلد: زحلة، وقبر أمّي، وصبوات شبابي”. ودأب على الحجّ إليه، كلّ صيف، ودأبنا على انتظاره. ولعلّ خير شاهدٍ على تعلّقه بالوطن، على استحالته، هو أنه لم يتقدّم بطلب للحصول على الجنسية الفرنسية إلاّ في العام 2012، أي بعد حوالى ستة عقود على إقامته الفرنسية. هل تراه يئس من تمكين المستحيل؟
حين أصدرت مجموعتي الشعرية الثانية “أقواس قزح” في العام 2011، فاجأني جوزف صايغ برسالة، كتبها بخطّ يده من باريس، وأخجل تواضعي فيها بوضعي في مصافّ الكبار، وقال بالحرف: “منذ سعيد عقل وأنسي الحاج رحت أظنّ الشعر بالعربية لن يخرج من الإرث العربي العريق، والطاغي [….] ذاك أن الخروج من، وعلى فلك ثقافي أصيل لا يمكن إلاّ بالإتيان من فلك مغاير. تأصّل في الأصيل. تجديد في ثقافة بتطعيمها بالمختلف بعد استساغته، وتمثّله. هنا، باكورة سلمان زين الدين “أقواس قزح” تشعرنا باختلافها. ليس اختلافًا حاصلاً بما ذكرت، فهو لم يأتِ من ثقافة مغايرة، وإنّما من أصالة كامنة فيه عرف كيف يوقظها: هي أصالة الأرض. على تراثيّتها حملت نفحة ذات شميم آخر”، فشكّلت تلك الرسالة قوّة دفعٍ لي في مساري الشعري، وشهادةً من شاعرٍ كبير هي موضع فخرٍ واعتزاز.
إذا كان لقب الشاعر قد طغى على جوزف صايغ، فإنّ هذا اللقب، على جماله وكثرة الراغبين فيه، لم يكن ليستوعب الرجل. لذلك، لم يقتصر فعل وجوده على الشعر، وهو الذي برع فيه وحاذى كبار الشعراء، وعشق الجمال وصاغ أجمل المنحوتات الشعرية. بل تعدّى الشعر إلى النثر الفني، والنقد الأدبي، والذكريات، والانطباعات، والخواطر المرسلة، والحوار الفكري، والمقالة الصحافية، وسواها من الحقول المعرفية المتنوّعة التي خاض فيها خوض محترفٍ قدير، وعاد منها بما يبقى وينفع الناس، ولا يذهب جُفاءً كالزبد. وهو، فيها جميعًا، يتحرّك بين مجموعة من الثنائيات، ويحافظ على التوازن بينها ببراعة واقتدار. وفي هذه الثنائيات: الشرق / الغرب، لبنان / فرنسا، زحلة / باريس، الرؤى الغربية / القوالب العربية، الصور الحديثة / اللغة الأصيلة، الشكل / المضمون، وغيرها.
– في شعره الممتدّ على مساحة خمس عشرة مجموعة شعرية، يمارس جوزف صايغ الصناعة الشعرية، ويلتزم الأصول العربية في الوزن والقافية واللغة، وينفتح على آفاق عالمية في الصورة والرؤيا. وهو في شعره نحّاتٌ، وقصائده منحوتاتٌ شعرية، تضجّ بالجمال.
– في نثره الفنّي كما يتبدّى في “آن كولين” هو شاعرٌ بامتياز، يرتقي بالنثر إلى مصاف الشعر، ويتجاوزه في أحيانٍ كثيرة.
– في نقده الأدبي كما يتمظهر في “سعيد عقل وأشياء الجمال” ينحو منحًى إنسانيًّا جماليًّا، ويعيد إنتاج النصّ المنقود، على طريقته، وفي ضوء مقتضيات الفن والجمال.
– في خواطره المرسلة في “مجرّة الحروف” هو جامعٌ مانع، طارح أسئلة، ومنتج أفكار. وفي ذكرياته وانطباعاته في “معيار وجنون” هو باريسيٌّ بامتياز.
– في “حواره مع الفكر الغربي” هو محاور بارع، مثقّف، من موقع الندّ للندّ، لا يحول علوّ مقام الضيف دون مساجلته ومخالفته، إذا دعت الحاجة، دون انبهار به أو خوفٍ منه.
– في مقالاته في “الوطن المستحيل” هو مُساجلٌ، مُسايفٌ، شاتمٌ، غاضب.
– في يومياته الفكرية في “يوميات بلا أيام” تطلّ جوانب من سيرته الذاتية الفكرية، الغنية والمتنوّعة.
وقبل ذلك كلّه، جوزف صادق إنسانٌ كبير، لم تتمكّن الغربة من تغريبه عن أصدقائه. ولم تحل مكانته الأدبية دون الأخذ بأيدي الناهضين على طريق الأدب. وحسبي أنني واحدٌ منهم. تفيّأت ظلّه الوارف كلّ صيف، وقطفنا معًا قطوفًا دانية من شجرة الوقت. لذلك، برحيله المفاجئ، سيشغر في القلب مكانٌ كان وقفًا عليه، ويتكسّر نصلٌ جديد على النصال السابقة.
جوزف صايغ، وداعًا!