فرغت القرى وامتلأت المقابر

Views: 574

 يوسف طراد

  سبعةٌ وثلاثون فصلًا، إنها مراحل آلام وطنٍ خلال حرب (الأربعتعش) في روايةٍ بعنوان “الناجون” لرمزي توفيق سلامة، نقلها إلى العربية الروائي الفلسفي الأستاذ ميشال أبو راشد والأستاذ أنطوان سعد مدير عام دار سائر المشرق للنشر، وصدرت عن الدار المذكور.

 فاح من الوطن بكاء السنين، ألم مستمرٌ من فوهات الزمن لا تزال آثاره تكابد باستمرار لوعة الماضي إلى نهاية مجهولة، حيرة مجبولة بكفّ الآلام، ظهرت خلال السرد في المقاطع الأولى للكتاب، اِستقبال موظفي السفارة الفرنسية والأميركية في منزل التاجر بشارة والد المحامي بولس، جعلت السكان يتنفّسون أملًا، لكن رياح الوطن لم تجري بما تشتهيه سفن أساطيل الدول العظمى، الضامنة بروتوكول الحكم الذاتي لجبل لبنان.

 أصبح قرع طبول الحرب يُسمع من بعيد، ويقترب رويدًا رويدًا بالتزامن مع اقتراب موعد آلام اللبنانيين. شرارتان قبل الفصل الحادي عشر، الأولى أشعلت اللقاءات بالغرام بين بولس والفتاة الفقيرة سمر، والثانية أخمدت إلى حين عظمة الدولة العثمانية، فقد انكسر الجيش الغازي أمام كبرياء الجبل في اليوم الثاني والعشرين من تشرين الثاني من العام 1914. وبناءً على أمر جمال باشا ابتدأ الهجوم على لبنان، تجمَّد المهاجمون على أعتاب الظلام والصقيع في جبال لبنان الغربية، ومن نجا منهم من غضب الطبيعة الجبلية اِستقبل بحفاوة في بلدة بسكنتا والجوار، ثم انقلبوا على الأهالي ونكلوا بهم شر تنكيل. إنه القدر الذي جعل الهجوم بتاريخ استقلال الوطن لكن قبل سنوات، هل كان يعلم هذا الجبل الأشم أن هذا التاريخ سيصبح تاريخًا مجيدًا في مسيرة الوطن، التي لا نهاية لها نحو الحرّية، فانتفض في وجه الغزاة استعدادًا لاستقلال جاء بعد سنوات.

 أرهقوا أنفسهم بالابتسام غصبًا، لكن الكرامة لا تجيد الاختباء، أصبح رئيس أساقفة بيروت ينتظر الوهم، وتتسع أماكن الوطن لأحزان جديدة وخيبات كثيرة. أوجاع متتالية تتراكم، الوجع الكبير لا يلغي الصغير، فألم البطريرك على قدر مسؤليته، وكلّ قرار جديد صادر عن المحتلّ يبتر أجزاءً من حلم الاستقرار بشكلٍ مشوّه، لبنان يحترق دون تصاعد الدخان إنها نار الانتقام.

 نعم إنها نار الانتقام، تجلَّت واضحة من خلال تصرّف جمال باشا واستهتاره بالنظم والقوانين والمقامات، غير آبه بمصير شعب، فخلال اربعة فصول من الكتاب من الحادي عشر إلى الخامس عشر، سرقت الحروف مشاعرنا حيث مزّقت دفاتر الحياة، سطور تساءلت مع القارىء: كيف لشعب أن يجد طريقة يتوسّل فيها القدر، كي لا يضيع في صمت الزمان عند الأهوال؟ “لقد تجذَّرت سياسة الترهيب”. تزداد رهبة التنكيل اعتبارًا من الفصل الخامس عشر، مصير مجهول، سرقة أديرة وإحتلالها، قطع أشجار، إعدام رهبان وعمال. اجتماع 8 كانون الثاني انتهى إلى إرسال برقية من قبل البطريرك يطلب فيها الحصول على الفرمان لإثبات ولائه للسلطة العثمانية. 2 شباط، انتشر خبر هزيمة جمال باشا في قناة السويس، سرت فرحةٌ مجبولة بغصّةٍ في النفوس المقهورة، فرْحة بالهزيمة وخوف من الانتقام.

 في ظل الأحكام العرفية “ما من عدالة، وقد أصبحت مجرّد كلمة لا معنى لها”، وصف الطبيب حبيب لصديقه بولس أحوال سجن ومساجين المحكمة العرفية في عاليه: “تعذيب، فقدان وعي، استجواب عنيف، حقوق سجّان غير محدودة ولو أدّت تصرّفاته إلى فقدان ضحيته لحياتها… أحكام جائرة دون استثناء مهما كانت التهم”.

 الكاتب رمزي توفيق سلامة، روى إعدام الكاهن يوسف الحايك في الشام واصفًا بحزن شديد مشاعر بطل الرواية “وشاهد بولس روح أول شهيد لبناني تطير نحو خالقها لتخبره عن نظام الرعب الذي أقامه الشيطان ضد رجال الإرادة الطيبة متأثرًا بعمق”. يحضرك تساؤل خلال السرد “أيعقل لإنسانٍ متحضّرٍ أن يكتفي بالخبز فقط” نعم إنه هَم المجتمع المخملي البيروتي الذي شارك جمال باشا السفّاح الحفلات والصخب “وفيما صيحات الأبتهاج تعمّ هذه المجالس، كانت عنَات الأبرياء المسجونين تهزَ جدران السجون”.

 كيف اجتاح الجراد لبنان؟ درسنا في كتب التاريخ، وما زلنا نعيش آلام من سبقونا من خلال أخبار متناقلة عن الجدود، لكن طريقة وصف الكاتب لهذا الحدث المؤلم أتت دقيقة مذهلة، فقد عرض طرق بدائية استعملت لمكافحة هذه الآفة، الاستسلام رَسَخ أمام هزائم الأيام التي سارت على دروب الطغيان. كما وصف رمزي سلامة اجتياح الجراد كذلك وصف بدقة تصفية الشهداء شنقًا في ساحة البرج وقد عرض أسماءهم وجنسياتهم على لسان المير شكيب إرسلان عند اجتماعه بجمال باشا خلال طلب استرحام لهم بإعادة المحاكمات. يموت الرعب على خشبة الإعدام، أقوال الشهداء قبيل إدخال رؤوسهم حلقات المشانق، تنم عن شجاعة وقوّة، فقد نعتوا الطاغية بأبشع النعوت لبسه لقب السفّاح من خلال قولٍ منسوبٍ للشهيد صالح حيدر رئيس بلدية بعلبك قبل الاستشهاد.

 الانكسارات تغفو بين هزائم الأيام، هل يسافر الشهداء مع الأحياء على دروب مجهولة؟ حصار الأسطول الفرنسي للسواحل، كارثة الجراد، التنكيل والسخرة، القتل الجماعي، النفي إلى الأناضول، إكتظاظ السجون بالأبرياء والوطنيين، الحظر المفروض على استيراد المواد الغذائية كل هذه المآسي أطبقت على الوطن، الذي تجمّد على أعتاب الظلام. وَصفُ أول جنازة بسبب المجاعة أتى بشكلٍ دراماتكيٍّ، وقد انسحب هذا الوصف على دفن جماعات كثيرة دون جنازات أو توابيت، وكان الأحياء مجبرون على طمرهم لمنع انتشار الأوبئة.

 يرجى من الذين لا تحتمل قلوبهم المشاهد المرعبة، والذين هم أقل من الثامنة عشرة، عدم قراءة الفصل 25 من هذا الكتاب، عند القراءة تتراىء للقارىء المشاهد وكأنها تحصل الآن، مشاهد المجاعة، أكل الأحذية والجرذان، الموت الجماعي، والهياكل العظمية العاجزة عن السير والمتشبّثة بغريزة البقاء، انتقلت بصعوبة للتفتيش في القمامة عن ما يسّد رمقها. فرغت القرى وامتلأت المقابر وأصبحت الجثث البشرية وجبة فاخرة. لن ينتهي عبث الآلام فقد مزَّقت الوطن رياح الاستبداد والجوع القاهر.

 انتهت الحرب أُعيل الناجون التحق بولس بالرهبانية البلدية لكن الثابت في الرواية أقوال البطريرك الماروني عند وداعه جمال باشا: “السؤال اليوم وغدًا كيف ستحفظ الذاكرة الشعبية والتاريخ ذكراكم، هل يمكن أن تكون مرتبطة بالإعدامات والمجاعة التي كادت تبيد المسيحيين؟” هذا الكلام لم يؤثر بالطاغية لكنه أسس لتاريخ محفورٍ على صراطٍ انتمائي وطني، لاح من خلاله ابتسامة منديل غطّى وجه لبنان.

 لم يؤرّخ أحدٌ مأساة لبنان خلال الحرب الكونية الأولى، كما أرَّخها رمزي توفيق سلامة، فقد عاشها وكتبها لنا بأحاسيس حزينة، ووضعها في إطار كتاب، لننقلها إلى أحفاد أحفادنا في حال طُمس التاريخ، سائرًا بذلك على خطى الروائي العملاق الأديب توفيق يوسف عواد في روايته الشهيرة الرغيف.

 عند قراءة (الناجون) يحضرك كلام للأديبة ماري القصيفي في روايتها (للجبل عندنا خمسة فصول): “كلّ ما كتب عن الحرب يبقى ضحلًا أمام الحقائق التي لم تكتشف بعد”.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *