الحجّ إلى مُونيخ(8) عّمرة في سجون ما قبل الفيريس
*محمّد خريّف
من سُجُون الوقفات والهلوسات
نسيت وأنا أهمّ بالوقوف أمام تمثال ضريح الجندي المسْبُول في قبره أن أتْلُو تمثّلا سورة الفاتحة وسجن القبر مفتوح بتدبير بشريّ فلا ينتظر مني تلاوة أو ابتهال ليرحمه الله كما يرحم المدفونين في قبور مُغلقة لا يعلم ما يجري فيها إلا الكفن والدود والتراب وعلم الغيب لا يعقله إلا الله وللموت علينا حقّ لكن في هذه الحالة لامو ت ولا هم يحزنون فالوقوف في وجوم هنا الآن يفرضه عليّ مقام التأمّل في براعة النحت الفني لا الوقوف في خشوع لمصير محتوم يقدّره الله لعباده المتقين ونحن لمّا نحجّ بالفعل إلى بلاد الله الحرام .؟
هكذا كنت أهلوس وكدت أن أغفل عن القيام بطقوس عادة ما يأتيها الحجيج الميامين وهم يطوفون بالكعبة الشّريفة ولاشيء يملا القلب سوى العوذ من الشيطان الرّجيم ورجمه بالحجر الأسود-وإبليس ميّت حيّ لا تنفع فيه لعنة ولا رجم في بيت الله الحرام فكيف أقدرأنا الآن هنا في بيت الإنسان الحلال بافاريا أن أعوذ من شيطان ولا شيطان يحرّك فيّ الشهوة ولا يُميتها بنهي أو أمر، ولا شيء يزعجني هنا، ولا شيء يقلقني الآن غير أخبار الفيريس وأراجيفها أسمعها -وأسرتي قي مونيخ من تلفزات البلد والبركة في الويفي قد يمكنني بصفة متقطّعة من الاستماع إلى الإذاعات التونسية والأجنبية عند التهيّؤ للنوم أو عند الاستعداد للنهوض من النوم صباحا، فأتمكن من التقاط آخر أخبار الفيريس في العالم وفي فرنسا عن طريق راديو” فرانس أنفو”، حيث الدفء العائليّ يحول دون الشعور بالغربة أو القلق أحيانا، و حال الترقب والانتظار تكاد أن ألاتريحنا من أوهام الخوف والذعر من جرّاء غلق الحدود الجويّة والبرّية والبحريّة ولا سيّما بين مطارمونيخ بين مطار مونيخ ومطار تونس قرطاج وهل تفي شركة الخطوط الألمانية بالتزاماتها فتقوم باسترجاع معاليم العودة غالى تونس يوم 4 أفريل2020 ؟ هيهات فلا حياة لمن تنادي لا وكالات الاسفار تجيب ولا القنصلية التونسية في مونيخ تجيب؟
ولاشيء يريحني من هواجس العودة وسبل الغفلة عنها ممكنة سواء باكتشاف مواقع جديدة في مونيخ لم نرها من قبل أو الاستئناس بكتب ثلاثة تصلني في الوقت ودون تأخير أولها كتاب داروين ” كذبة التطور”* *للدكتور هانس جواهاشيم زيلمر ترجمه من الألمانية إلى الفرنسية مارك جيرو وثانيها كتاب” لايمانويل كانت “الحقّ في الكذب***” تأليف بنجمان كونستون” راجع ترجمته وحققه جول بارني وقدم له سيريل مورانا وثالثها لمارتان هيديقير بعنوان :” الوجود والزمن****” نقله الىالفرنسية فرنسوا فيزن.
أخترت هذه العناوين طمعا مني في العثور على ما يساعدني على التماد ي في تناول موضوع سميائية ” الكذب والسّرقة عند العرب” من خلال الاطلاع على مسألة الكذب عند غيرهم في بلاد بافاريا. ولعلي بهذا أختلف في مقصدي من الحجّ إلى مُونيخ عن مقاصد الحجّ في الشريعة الإسلاميّة ومنها البحث عن الحقيقة الربّانيّة ” وياويلي وطول ليلي من غضب الله في بلد الإنسان الكنود وهل أنا إلا في خسر ؟؟
سجن يوم الميعاد
ننتظر في شوق يوم العودة ويوافق الرّابع من أفريل 2020 وافّ من إشارة الأصابع الأربع ترفع عنوة هناك ورائي لاهنا أمامي ولا دخل للأرقام في ما يأتيه أحفاد العدويّة من سخط العداوة ؟ وأنا هنا الآن سجين جنّة خلد مؤنسة ولا خلود لمشاهد مؤلّهة ولا جنّات لعدن تجري من تحتها الأنهار بوحي المغارة في مونيخ غير جنات الأنهار والسواقي والمطر لا يحتاج إلى أنشودة لايتلو آياتها سوى بدر شاكر السّياب ولا كثيب لبني شجوه يتغزل منه عمر بحريم الخلق في الحجّ والأكاذيب حقائق في كتاب الأغاني ولا مطر في العراق ولا نفاق و حفيدي يعدو بخيالي إلى تخوم الطفولة في بير السّواني وهل أركب مركبا مُهرته من خيالي جانحا فوق الاخضرار في حدائق مدينة يمتدّ فيها البصر ولا يقف ولا جنّة أبدلنا بسدرتها على وجه المجاز والكوثر لاهو عذب ولا زقّوم له غير زقوم الحنين والغسلين من توابع الحنين إلى الأوطان وزوابعه لا أوطان لها إلاّ في أبيات ابن زيدون ولا ولاّدة لشعر تلد شعراء هنا لا يتبعهم غاوون ولا عود لهم على بدء إلاّ من باب الطّرب بسجع الكلام، والأندلس مفقود من زمان بالابتهال والدّعاء والمسؤولية يتحمّلها طوائف الملوك ولا فائدة في ذكر الغلمان والجواري ولا وجود منها في مونيخ إلا لما موجود في البال وسجن التذكّر لا قيام فيه لقاعد ولا قعود فيه لقائم فلا كرّ لصامد ولا فرّ لخامد “ومن خانها ذراعها قالت أنا مسحورة “.
(يتبع)
***
*كاتب من تونس
**Dr Hans –Joachim Zillmer : Darwin – Le mensonge de l’évolution, éditions Le jardin des livres Paris 2009
***Benjamin Constant : Emanuel Kant – Le droit de mentir , éditions Mille et une nuits ,2003
****Martin Heidegger : Être et Temps, éditons Gallimard, 1976
***
(*) الصورة الرئيسية: في القبر المفتوح للجندي المسبول