مؤتمر “النهضة الاغترابية الثانية – لإبداع من أجل الحضارة والإنسان”مشروع الأديب د. جميل الدويهي أفكار اغترابية للأدب الراقي/ الورقة 10: الأديبة رانية مرعي – لبنان: “رؤية لنهضة اغترابية”
انطلق مؤتمر “النهضة الاغترابية الثانية – لإبداع من أجل الحضارة والإنسان” الذي ينظمه مشروع أفكار اغترابية للأدب الراقي-سيدني ، منتدى لقاء – لبنان، بستان الإبداع – سيدني. يصدر عن المؤتمر كتاب من جزءين او ثلاثة، يضم جميع الأوراق المشاركة، وترسل نسخ منه إلى المشاركين والمكتبات والكبرى. يعقد المؤتمر حضوريا في جلسة واحدة، فور انتهاء الأزمة الصحية، وتقرأ مختصرات الأوراق بالنيابة عن المشاركين المقيمين خارج أستراليا.
في ما يلي الورقة العاشرة: الأديبة رانية مرعي – لبنان: “رؤية لنهضة اغترابية”.
شهد مطلع القرن العشرين حركة هجرة من العالم العربي نحو الأميركيتين لأسباب متعددة ، تحديدًا من طبقة المثقفين الذين ضاقت عليهم الحياة في بلادهم. فمن لم تنل منه الأوضاع الاقتصادية بات فريسة الأجهزة الأمنية التي راقبت الكلمة الحرة وقيّدتها، لا سيّما الاحتلال العثماني الذي ناصب المثقفين العداء، فدفع بعضهم حياتهم ثمن مواقفهم، التي جاهروا بها رفضاً للقمع، ومطالبة بحرية العيش الكريم.
هاجرت الأقلام العربية مثقلة بأعباء الحياة في مواطنها الأصليّة… الأفكار المسجونة في حبر الممنوعات تفجّرت في بلاد الاغتراب حنينًا ومناجاة لتلك الأرض البعيدة بالمسافات، القريبة إلى حد التوحّد مع الروح.
مغامرة خاضتها اللغة العربية مع مجموعة من الأسماء اللامعة حيث شكلوا من حيث يعلمون أو لا يعلمون وطنّا صغيرّا أينما حلّوا، ونشروا ثقافتهم وعلمهم وعاداتهم وأفكارهم… وكانوا خير سفراء لبلادهم، إذ عبروا عنها وعن إرثها الفكري وجمعوا حولهم أبناء الجالية العربية، وكانت اللّبنة الأولى للأدب المهجري… الرابطة القلمية، العصبة الأندلسيّة (المدرسة المهجريّة)، وروابط ونوادٍ أدبيّة ضمّت أسماء كبيرة انتشرت أعمالهم التي اتسمت بالحنين للوطن، ممزوجة بالقيم الإنسانية والوطنية والإصلاحية. هم الذين خرجوا من بلادهم لا رفاهية ولا بطرًا، بل رغبةً في إيجاد مساحة آمنة يستطيعون من خلالها تأسيس خلية عمل هدفها الأسمى الحفاظ على الفكر والثقافة والتمسك باللغة.
وبالفعل استطاعوا من خلال ما قدموه استقطاب القراء من داخل الوطن وخارجه، للاطلاع على الأعمال الأدبية التي حملت في طيّاتها بذور التغيير والتجديد والتحرّر.
والاطلاع على الأدب الغربي ترك أثره الواضح في الأدباء المهجريين الذين عاشوا تجربة “التلاقح الفكري”، فالحياة الجديدة عصفت بهم وبأفكارهم وسلطت الضوء على جوانب حياتية كانوا غافلين عنها ، ومن الطبيعي تأثر أدبهم بالحياة الجديدة وما تحمله من مستجدات لم يألفوها.
أخذوا من الأدب الغربي ومزجوه مع أفكارهم، فخرجوا بمنتج جمع حضارتين، فيه عصارة تجربة عاشوها وأخرى عاشتهم… وهذا ساعد على تغيير الكثير من المفاهيم وتصويبها، إذ انّ العدو الأول للفكر هو الانغلاق في شرنقة الموروثات التي إن كان بعضها على حق ، فالبعض الآخر منها هزيل ساهم في إطالة عصر الانحطاط.
الأدب لغة جامعة لا تعترف بالحدود المصطنعة ، وهذا ما جسده الأدب المهجري الذي، في اعتقادي، كان المبتدع الأول لمصطلح “العولمة” الذي يهلل له الكثيرون من خلف شاشاتهم وهواتفهم الذكية.
في ذلك الزمن الذي كان فيه السفر رحلة إلى المجهول، استطاع أدباء المهجر أن يجمعوا بين الشرق والغرب. حملوا معهم زادهم الثقافي والمعرفي وحطوا في أرض غريبة احتضنت أحلامهم، وبدّدت مخاوفهم، وأخرجتهم من دوامة التقليد الذي كان يومًا هو المعيار الذي على أساسه تُقيّم الأعمال.
والفائدة الكبرى جناها أبناء الجالية العربية الذين انقطعت في مرحلة ما علاقتهم بلغتهم وثقافتهم، فعادت إليهم حيوية التواصل باللغة الأم واستذكار كل ما تركوه خلفهم عندما انقطعوا عن جذورهم.
الأدب المهجري صار صوت كل المهاجرين، يحمل أشواقهم وحنينهم ويكسر بُعد المسافات من خلال التواصل والتلاقي بين دفتي كتاب . وهذا ما يدفعني دائمًا إلى التمسك بمصطلع “العولمة” الذي بدأ منذ مطلع القرن العشرين، فجمع الشرق بالغرب ثقافيًا وفكريًا… وأسمح لنفسي القول من خلال متابعة السياق التاريخي إنّ الأدب المهجري حافظ على الكنوز الثقافية وأغناها، خاصة أننا نعيش في شرق سِمتُه الاحتراب، ويناصب المثقفين العداء عن سبق اصرار وترصّد… وهذه السياسة التدميرية هي التي حوّلت مجتمعاتنا إلى بيئات حاضنة للجهل والتعصب والإرهاب.
السجون العربيّة تعجّ بسجناء الرأي، وبالأدباء الذين فرضت عليهم السلطات حظر الكلمة ! وكثيرون تعرضوا للنفي القسري أو الاختياري، ولم يجدوا ملاذهم إلا في المهجر، حفاظًا على حياتهم وعلى رسالتهم التوعوية المقدّسة.
وهنا أسجّل إعجابًا بالأديب المهجري القديم الذي استطاع، إن صح التعبير، “بلحمه الحي” أن يكون صلة الوصل بين كل ناطق بالضاد وبين أصوله العربية في زمن اللاتكنولوجيا، وكان شعلة ما زالت تتنتقل بأنوارها من جيل إلى جيل… حيث يبدع كل خلف في تطوير ما بدأ به السلف.
فالأوائل حاكوا إبداعهم يدويًّا ونشروه بالبريد والمراسلات التي كانت رحلتها شاقّة ولكنها حقّقت مبتغاها.
وحركة الترجمة التي رافقت أعمالهم خير دليل على نجاحهم حيثما حلوا، وبعضهم خاض غمار الكتابة باللغة الانكليزية، فضلًا عما نقلوه إلى العربية، ما ساهم في عمليّة التثقيف وطرح أفكار جديدة شكلًا ومضمونًا .
وأتساءل : “أليس من حقي بعد كل ما تقدّم، أن أتمسك بنظرية “العولمة” المبكرة التي قادها الأدبالمهجري؟”
فأنا من المقتنعين بأن الأمور تتغيّر تسمياتها عبر العصور، ولكن المضمون ثابت. فلكلّ جيل مفردات تعنيه، ربما من باب التفرّد بميزة هذا الجديد. مع تسجيل أني لست ضد هذا المنحى، لكن دون إسقاط لما سبق، فالتاريخ شاهد حيّ وصادق على هذه المسيرة التي تخترق العصور وتطوّر نفسها حسب مقتضى الحال.
فطابور العولمة بدأ في مطلع القرن العشرين، وإن تعمقنا أكثر لوجدناه في كل زمان عاش فيه مثقف حر.
ولأنها مسيرة مستمرة ، نحن اليوم أمام إبداع مهجري جديد يؤكد أواصر العلاقة بين لبنان المقيم ولبنان الانتشار . أتحدّث عن مشروع د. جميل الدويهي “أفكار اغترابية للأدب الراقي” .
من سيدني – استراليا يطلّ علينا عمل جبّار يثبت بالحجة الدّامغة أنّ الأدباء المهجريين هم العين الساهرة على الأدب، مهما بعدت المسافات عن الأرض الأم ،فهم مهما “تفرْنجوا” ما زالت الضاد هويتهم، يجمعون بها الشمل في زمن التفتّت البغيض، ويفخرون بالهويّة في زمن اختلاط الأنساب.
النهضة الاغترابية الثانية يقودها د. جميل بحرص نكاد نفتقده بين أدباء الداخل اللبناني، الذين بات هم بعضهم الألقاب والمناصب والتكريمات الوهميّة التي يتحصلون عليها من جهات غير رسمية. فنراه يساعد الأدباء في تظهير أعمالهم من تصميم الغلاف إلى جمع النصوص وتصحيحها حتى الدّفع بها إلى المطبعة، ثم يرعى أمسياتهم ويرافقهم حتى يصلوا إلى الانتشار الذي يستحقونه. وهنا أشير جازمةً إلى حرصه على النوعية احترامًا للذائقة العامة.
فضلّا عن هذه “الثورة ” الأدبية التي يقودها الأديب المهجري وتساهم في إغناء المكتبات العربية والغربية فقد أُطلقت “جائزة الأديب د. جميل الدويهي – أفكار اغترابية” التي تُقدّم سنويًّا للعديد من الأدباء والمبدعين والأكاديميين، وقد أصبحت محطة سنوية تترافق مع المهرجانات والاحتفاليات الحاشدة التي تقام في سيدني وفي ملبورن.
وشروط الجائزة بسيطة , المهم أن يكون المتقدم إلى الجائزة مبدعًا وله دور في الحركة الأدبية أو الثقافية أو الأكاديمية . علمًا أن الجائزة غير مادية . هي معنوية وتعبير عن فعل محبة من أفكار اغترابية تجاه المبدعين في كل مكان.
وتأكيدًا على الدور الرائد الذي يقوم به الأدب المهجري في سبيل النهضة الاغترابية، نرى أن الكتاب والشعراء في استراليا يعتبرون “أفكار اغترابية” مدرسة يلتزمون بأسس الكتابة فيها ، فهم يعتمدون اللغة المهذبة والأدب الصادق المعبر عن الإنسان، فضلًا عن المزج بين النثر والشعر بروح صافية.
والمتابع لأعمال “أفكار اغترابية” يتأكد أنها واحة للإبداع، تدعم الجرأة المهذبة التي ترتكز على المفردات الرحبة والبعيدة عن الإسفاف، وتشجع على طرق كل المواضيع التي من شأنها أن تكون إضافة في الساحة الأدبية. والأهم من هذا وذاك أن المعيار الاساس في الانتساب إلى هذه المسيرة التثقيفية هو الموهبة والبصمة الفريدة التي يحملها صاحب القلم، مع إسقاط لكل ما يندرج تحت مسمى الوساطة أو القرابة أو كل ما قد يسيء إلى صورة الأدب.
في هذا السواد الذي يُغرق بلادنا ويهدّد دورنا الريادي، نستمدّ الأمل من شذرات النور التي تأتينا من هذه النهضة الاغترابية المباركة، حيث تحدث جهود جبارة من أدباء ومفكرين منعتهم ظروف البلد من العودة، وكيف ندعوهم للعودة ونحن غارقون في انقسامات ونزاعات أقل ما يُقال عنها إنها لاإنسانية ..!
ربما قدركم أن تبنوا لبنانكم حيث تقيمون، لبنان الثقافة والجمال… لبنان الحرف الخالد الذي يعانق الإبداع…
سِيروا نحو النور، حبًّا بوطن لا يقبل أن يذلّ ويستحق أن يبقى أرض الرسالات الفكرية والثقافية…
كنتم وتبقون العين الساهرة… وننتظر اللقاء في ربوع المحبة… لبنان !
كل الشكر والتقدير للأديب د. جميل الدويهي.
***
*غداً 20 -1- 2022 ورقة الشاعر حسن ابراهيم سمعون – سوريا