“أحمد حيدر عاصي: تسعون في كنف النهضة.. مذكرات”
زياد كاج
عملاق من الرعيل الأول هو المناضل أحمد حيدر عاصي . يستعيد مسيرة نضاله في الحزب السوري القومي الاجتماعي كأنه يشرب من إبريق مياه الهرمل الصافية ويغرف من ذاكرة غنية عميقة متنوعة ومتوقّدة لا تعرف النسيان والسهو. فالرجل، الممتلك إرادة فولاذية قولاً وفعلاً، رغم بلوغه الثلاثة والتسعين (نتمنى له العمر المديد)، لم يفقد إيمانه بعقيدة الحياة والنهضة والعز، مكرساً كل حياته للحزب في كافة محطات نضاله، دون نسيان عائلته التي كبرت على المبادئ والقيم نفسها.
بعد الانتهاء من قراءة الكتاب-المسيرة في أيام قليلة..سكنني الندم! لأنني حضرت مهرجان تكريمه في الشويفات ولم أتقرب منه أكثر أو أحاول التحدث اليه لكسر هوة العمر والتجربة. والفضل يعود لابنه حيدر أحمد عاصي الذي دعاني وحدثني مسبقاً عن مشروعه الحلم الذي أخذ منه مجهوداً جباراً خلال مرحلة الإعداد. لفتني حيدر في وقفته على المنبر أمام الحضور وهو يقدم ” الرفيق والأب والصديق والأخ” ارتجالاً.. لحظة صعبة تتطلب أعصابًا وسيطرة على الانفعال وتكثيف الذكريات في دقائق.
“أحمد حيدر عاصي: تسعون في كنف النهضة..” من إعداد حيدر أحمد عاصي، (الفرات للنشر والتوزيع، 2022، 216 صفحة). يتضمن صورًا ووثائق ورسائل شخصية نادرة. مكتوب بالعرق والدم وتعب السنين بعيداً عن التفلسف والتنظير والتحليل السياسي لتوعية وإرشاد الأجيال القادمة تحت شعار ” كونوا قوميين..المستقبل لكم”(الزعيم سعادة).
ينطلق بنا أحمد حيدر عاصي—هدّاراً من البداية كشلالات العاصي—من النشأة والطفولة القاسية والجميلة في “حي الضيعة” حيث وعى على أبيه يفتح داره للثوار الفلسطينيين بعد ثورة 1936 ومصيف “رأس المال” و”ساقية الريسة”. ويفخر بشقاوته يوم رمى بحصة على صلعة رئيس الجمهورية بشارة الخوري خلال مهرجان سنة 1943 بدعوة من صبري حمادة.
انتمى للحزب عن طريق ابن عمه عبد الرحمن عاصي ، وأتم قسم الانتماء سنة 1943 بحضور مدير مديرية عشتروت عبد الامير محفوظ والشاهدين محمد سعيد القبوط ومحمد مصطفى الشامي. شارك في مهرجان يوم فلسطين في صور سنة 1946 ومهرجان الفلاح في بعلبك ومهرجان يوم الإصلاح في ضهور الشوير (كان الأضخم) حيث شاهد نور الكهرباء لأول مرة في حياته!
ينزل أحمد حيدر عاصي لاحقاً للعيش والعمل في الضاحية الشرقية لبيروت وتحديداً في برج حمود لأن منطقة النبعة لم تكن مسكونة بعد. يستعيد ذكرى أليمة: استشهاد أخيه الرفيق هادي (كان يصغره بسبع سنوات) في 1 تموز سنة 1956 على يد عناصر تابعة للحزب الشيوعي. وهو أيضاً عايش اغتيال العميد غسان جديد الذي شكل خسارته ضربة قاسية للحزب. ثم تحل حركة الانشقاق الأولى سنة 1957 ويُطرد كل من جورج عبد المسيح، اسكندر شاوي، محمد يوسف حمود، ابراهيم يموت، يوسف قائد بيه ، حسن الطويل وغيرهم.
قبل السفر الى الكويت للعمل، يقابل السيدة فيروز بفضل مرافقته للسيدة نضال الأشقر في أنطلياس.
كان المناضل أحمد حيدر عاصي مشاركاً أساسياً وفعالاً في انقلاب 1 كانون الأول سنة 1961 ليلة رأس السنة. شهادته في هذا الموضوع تُقرأ مراراً وتحبس الأنفاس. يأخذنا برفقته سارداً كيف اعتقل المقدم فايز الراسي، آمر فوج المدفعية في صربا، ثم مدير الأمن العام المقدم توفيق الجلبوط… بقية القصة معروفة. يفند أسباب فشل محاولة الانقلاب دون مسايرة: الوقت الضائع والثغرات في التنفيذ، عدم وجود خطة طوارئ، فشل اعتقال رئيس الجمهورية فؤاد شهاب، وعدم احتلال وزارة الدفاع والدخول في التفاوض. عدا عن خيانة رياض درويش ، سائق رئيس الحزب عبد الله سعادة.
يُعتقل المناضل أحمد حيدر عاصي ورفاقه في فيطرون ثم يُنقلون الى ثكنة الفياضية حيث تم اعتقال اعداد غفيرة تعرضت لأقسى أنواع التعذيب والتنكيل. ثم كانت التحقيقات في مبنى الأونيسكو الملاصق لثكنة المير بشير. خلال التحقيقات، يقترب عسكري من آل المظلوم من بريتال من الضابط شوقي خير الله ويقول له بلؤم: ” زوجتك ولدت صبي وبدها تعرف شو بدك تسميه”، فقال له “علي”..!! صُدم العسكري وبقى يحاول التقرب من خير الله.
يستعيد تجارب وأحداثًا خلال مدة السجن: “عباية وشلحناها” عن الأمين إنعام رعد، شوارب الرفيق علي حمزة، المصرفي نقولا طراد، ودور الممثلة ليلى كرم ، عميلة المكتب التاني، في تعقب عناصر الحزب السوري القومي الاجتماعي بعد الانقلاب والتي كشفها ديب كردية. وقصيدة “بطحة العرق” التي نظمها الشاعر فؤاد ذبيان.
في سجن القبة في طرابلس تحسنت الأحوال. حوله القوميون الى مركز ثقافي ومدرسة وانموذجًا لتثقيف وتطوير النزلاء. العفو العام كان في زمن الرئيس شارل حلو. يُستقبل حيدر استقبال الأبطال في الهرمل ويعين منفذاً عاماً للهرمل.
يعيدنا المناضل أحمد حيدر عاصي الى ذكرى أليمة: جريمة “ساقية الجنزير” ، يوم إغتيال الأمين بشير عبيد والشاعر المناضل كمال خير بك وناهية بجاني على أثر مقتل مسؤول في تنظيم المرابطون، منير فتحة، (كنت مراهقاً يومها في رأس بيروت . وفي صباح اليوم التالي، نزلت قاصداً مدرستي الابتدائية فرأيت عناصر باللباس الأسود عليها شعار الزوبعة الحمراء. كانوا في كل زاوية، في قمة الانضباط…سقط مكتب المرابطون في المنطقة في معركة حاسمة خلال الليل).
يختم مذكراته بالشعور بالحزن على حزب قدره أن يعاني الانشقاق تلو الانشقاق…ويبدو أن هذه السلسلة مكتوب لها أن تستمر.
كتاب ” أحمد حيدر عاصي: تسعون في كنف النهضة.. مذكرات”.. مطلوب أن يقرأه كل قومي، وكل علماني، وكل صاحب فكر وطني.. ليتعلم من جيل المناضل حيدر معنى التضحية ونكران الذات وعيش العقيدة قولاً وفعلاً.
بين السطور أمور أعمق وأقسى يريد حيدر أن يقولها.. كتاب يصعب تركه على الرف.