سنة على رحيل نوال السعداوي

Views: 18

د. فاطمة واياو*

 

في 21 آذار/ مارس سنة 2021 رحلت الكاتبة والمُناضلة والطبيبة نوال السعداوي، كأنّ القدر شاء لها أن تغيب في الشهر الذي يُصادف ذكرى الاحتفاء السنويّ بـ “اليوم العالَميّ للمرأة”. ومرّة أخرى تُثبت أنّه حتّى في موتها هي ملتزمة بقضايا المرأة وحقوق الإنسان بشكلٍ عامّ. وهل وُجب التذكير أيضاً بأنّ 21 آذار/ مارس هو عيد الأمّ في المنطقة العربيّة؟ فكانت بموتها إذن خسارة للمرأة ونضالاتها عبر العالَم، بخاصّة عالَم النساء ضحايا المُجتمعات الأبويّة المُجحفة في حقّهن أيّما إجحاف.

بدأت نوال السعداوي مسيرتها النضاليّة والفكريّة منذ أربعينيّات القرن الماضي، حيث كانت، ومن خلال عملها كطبيبة في الريف المصري، تقوم بالتوعية ودراسة الآفَات الاجتماعيّة والصحيّة التي كانت (وربّما لا تزال) تنتشر في العديد من القرى المصريّة. لم يكُن اشتغال السعداوي على ذلك الأمر نابعاً من تَرَفٍ معيّن، بل كان يُمثِّل عدم تنكُّرها لما شاهدته في طفولتها، بل وما عانت منه أيضاً. فهي كانت ضحيّة تقاليد وأفكار متخلّفة تُمارِس الحيف والظلم والتسلُّط على النساء منذ الطفولة. ولقد كان لعمليّة الختان التي أُجريت لها والتي تصفها بالتفاصيل في رواية “أوراقي…حياتي” وبالتحديد في الجزء الأوّل، حيث تحكي عن حادث الختان الذي أَفردت له فصلاً كاملاً، وهو ما يشي بأنّ الحادث لا يُنسى ولا يندمل ويظلّ مُسيطراً على تفكير ضحيّته إلى الأبد، كما تحكي نوال السعداوي في كلّ مناسبة أثيرت فيها هذه الآفَة الاجتماعيّة المُستندة إلى تقاليد أبويّة. فالكاتبة والمُناضلة نوال السعداوي كانت أوّل من حاربَ عادة ختان الفتيات في مصر، ودَعت في أوّل معركة لها من أجل تحرير النساء إلى منْع هذه العادة المُسيئة للفتيات والنساء، والتي لها أضرار وخيمة عليهنّ صحيّاً سواء فيزيولوجيّاً أم نفسانيّاً. كما أنّها جَعلت من حكاية ختانها أيضاً موضوعاً مُعلَناً عنه لتغدو بذلك قدوة للبوح عن المسكوت عنه ومحاربة التابوهات التي لا تزيد سوى من انتشار الظاهرة وزيادة عدد ضحاياها من الفتيات المصريّات. فهي لم تَترك منبراً أو مناسبة إلّا وحكت قصّة ختانها رغبةً منها في منْح الشجاعة للمصريّات ولكلّ ضحايا ختان الإناث من أجل رفْع الستار عن هذه العادة المُضرّة بالنساء.المُتتبّع للسرد عند نوال السعداوي الروائيّة لا يعرف المَلل، ذلك أنّ حكيها لا ينقطع، بل هو متسلسل وعميق وسلس أيضاً، تأخذك وهي تحكي، وكأنّها شهرزاد بُعثت من أجل إنقاذ النساء السجينات والمُقيَّدات بسلاسل ثقيلة من القهر والظلم والعبوديّة. لا حدود ولا حواجز تقف أمامها، تخترق كلّ المحرّمات اللّسانيّة والفكريّة والنفسانيّة لتأخذ القارئ إلى عالَمٍ أرحب، حيث اللّغة تخدم الحريّة والعدالة الإنسانيّة. روايات السعداوي تتّخذ منحىً يقطع مع فحولة اللّغة، لتتحوّل اللّغة الأنثويّة إنسانيّة وجبّارة لا تعرف الضعف أو التخفّي والتستّر، لغة كاشفة فاضحة بصدقها.

ما يحزّ في النَّفس

مُغامَرة شائكة أن يُفكِّر أحدٌ بكتابة سرد أو سيرة لنوال السعداوي، أو حتّى تتبُّع ما ألّفته، ذلك أنّها أَحسنت التعريف بفكرها ونفسها ووجدانها ومشاعرها وقلقها، علاوة على تطلّعاتها ورسالتها الإنسانيّة والنسويّة؛ فقد حملت رسالةً مَنَحَتْها وقتها وجهدها وكيانها، بل وجودها كاملاً، أليست هي القائلة، جئتُ لأقول كلمة وسأقولها وسأظلّ أقولها ما حييت. نعم، قالت نوال السعداوي كلمتها بكلّ جرأة وجسارة، فماتت جسداً، لكنّ روحها متجذّرة وخالدة في الفكر الإنساني.

ربّما أنّ نوال السعداوي كانت مظلومة من حيث التصنيف، حيث هناك كتابات اعتَبرتها نسويّة أو رائدة الحركة النسويّة، وشخصيّاً أرى أنّها بالأساس هي من رائدات الكتابة النسويّة، باعتبار هذه الكتابة أو السرديّات كانت تستهدف تحرير النساء من النظام الأبويّ، وأيضاً تحرير الإنسان من الاستغلال الرأسمالي المتوحِّش. فهي بالأساس اتَّخدت من السرد الروائيّ سلاحاً لمُناصَرة قضايا النساء العادلة، ولكنْ أيضاً سلاحاً لمُحارَبة كلّ الأُسس الاستغلاليّة للنظام الأبويّ التي تبرز من خلال النظام الرأسمالي المُتسلّط على الفقراء، وعلى النساء أيضاً.

تربط نوال السعداوي إذاً بين تحرير الوطن من الاستغلال والديكتاتوريّة وتحرير النساء من السلطة الأبويّة، ذلك أنّه يستحيل الفصل بين العبوديّتَيْن، وتحرير الإنسان يجب أن يكون شاملاً، من كلّ أشكال القهر والاستعباد، والإنسان هنا برجاله ونسائه، غير أنّ السعداوي تُركِّز على تحرير النساء باعتبارهنّ ضحايا لظُلم مزدوج. فمثَّلت الكاتبة والطبيبة الراحلة نوال السعداوي بذلك أنموذج المثقّف العضوي بحسب غرامشي بشكلٍ لافت، حيث إنّها، وطوال حياتها، لم تَحِدْ عن خطّ الكفاح والنضال من أجل قضايا الإنسان العادلة، وخصوصاً قضايا المرأة المتمثّلة في الدفاع عن كرامتها كإنسان، أوّلاً وأخيراً. فقد كانت تقف على خطّ النار ضدّ كلّ أنواع الاستبداد والتسلُّط المُمارَسة على الشعوب من طَرَفِ رموز السلط: الثقافيّة، الاجتماعيّة، الاقتصاديّة وأيضاً الدينيّة. وإذا كان مثقّف غرامشي لا يُطبِّل مع المُطبّلين ولا يقبل الاستبداد ولا الاستعباد، فإنّ نوال السعداوي عاشت صامدة جبّارة في وجه الاستغلال. كانت صوت المظلومين والمُستَغلّين من كلا الجنسَيْن. لهذا كانت دوماً ترفض أن تُنعت بأنها نسويّة، على الرّغم من أنّ كِتاباتها ورواياتها حفلتْ ببطلاتٍ ناضلْنَ من أجل حقوقهنّ أو عانَيْنَ ومتْنَ ضحيّات حقوقهنّ المهضومة. كانت مثقّفة عضويّة إذاً، ليس بالكلمة فقط، ولكنْ أيضاً بجسدها وقوّتها، ما جَعلها تدفع ثمناً من حريّتها، بحيث اعتُقلت سنة 1981 في عهد الرئيس أنور السادات، وهي التجربة السجنيّة التي خلَّدتها في بعض أعمالها الروائيّة “مذكّراتي في سجن النساء”، وعلى الرّغم من أنّ روايتها هذه هي عن تجربتها السجنيّة، إلّا أنّها مرّة أخرى تحمل هموم النساء الأخريات؛ إذ تحكي عن السجينات وما عانَيْنه في السجن. لتكون كعادتها مُناضِلة مُلتزِمة بقضايا المظلومين وضحايا واقع بائس، حيث لا فرق بين سجن القناطر وسجن الوطن. تجربة الاعتقال هذه لم تزدْها إلّا صلابةً وإصراراً، مؤكّدة على ذلك في قولها: “لقد أصبح الخطر جزءاً من حياتي منذ أن رفعتُ القَلم وكتبتُ. (247roofingsolutions.com) لا يوجد ما هو أخطر من الحقيقة في عالَمٍ مملوءٍ بالكذب”.

مُحارَبة الفكر الأبويّ

هكذا رَبطت نوال السعداوي من خلال نظريّتها النسويّة بين الفكر الإنساني ومُحارَبة الرأسماليّة التي تستعبد النساء وتسخّرهنّ لخدمة مصالحها الاقتصاديّة القائمة على الاستغلال والتفقير، ما أَسهم في تأنيث الفقر؛ فالنساء هنّ الحلقة الأضعف في النظريّة الرأسماليّة وهنّ أيضاً مَن يسهل تسخيرهنّ لخدمة مصالح الرأسماليّة العالَميّة.

إنّ مُقارَبة فكر د. نوال السعداوي من خلال سرديّاتها المتنوّعة والمتعدّدة يتطلّب بصيرةً وعمقاً يليقان بما أنتجته على مدى عمرها الإبداعي، حيث حاربت طوال حياتها، وبشجاعةٍ نادرة، الفكرَ الأبويّ والفكر التمييزي من خلال مُواجَهة الثالوث المُحرَّم: السياسة، الدّين والجنس. كما يعود إليها الفضل في الإسهام في الثورة النسويّة ضدّ مفاهيم فرويد الغارقة في الشذوذ، والتي كانت من أُسس النظريّات الظالمة للنساء عبر الزمن والمكان. فالنظريّة النسويّة والإنسانيّة بشكلٍ عامّ عند د. نوال السعداوي تقوم على المُساواة، ليس على أساس النَّوع الاجتماعيّ أو الجندريّ فقط، ولكن أيضاً بمعناه الطبقيّ الاقتصاديّ، وهو ما يحيلنا على مسألة ربْطها بين تحرُّر النساء وتحرّر المُجتمعات من الظلم والاستعباد والتخلُّف. وهو ربطٌ منطقيّ واستراتيجيّ مهمّ، ذلك أنّ أغلب مشروعات تحرير المرأة العربيّة باءت بالفشل، لأنّ تحرير العقل العربي من التفكير الأبويّ المُتسلِّط، لا يُمكن أن يمرّ إلّا عبر بوّابة تحرير الإنسان العربيّ من قهر الاستغلال وأغلال العبوديّة بكلّ أشكالها، العبوديّة الرأسماليّة والمُعتقديّة مُمثَّلةً في اللّاعدالة الاجتماعيّة.

أخيراً يُمكن القول إنّ المَتن الأدبيّ والسرديّ، وكذا فكر نوال السعداوي، ما يزال بحاجة إلى البحث والدراسة، وما يحزّ في النَّفس هو أنّنا نجد العديد من الأطروحات ورسائل الماجيستر في الجامعات الغربيّة، بخاصّة منها الأنغلوساكسونيّة في الولايات المتّحدة وبريطانيا، تتّخد من فكر نوال السعداوي ونِتاجها موضوعاً لها، في حين أنّه يُمكن القول إنّ هناك شبهَ غياب لمثل هذا الاهتمام في جامعاتنا العربيّة، ما يشي بأنّ الصورة النمطيّة التي رُوّجت عن الراحلة أثّرت كثيراً في توجّهات الأبحاث والدراسات في مراكز البحوث. ونأمل أن يتمّ التنبّه لما أنتجته نوال السعداوي وربْطه بواقع المرأة العربيّة وأيضاً بواقع الحقوق والديمقراطيّة في الوطن العربي باعتباره إرثاً غنيّاً يمتدّ على مراحل مهمّة من تاريخ المنطقة العربيّة. وربّما، ومن باب التفاؤل، يجد فكر نوال السعداوي مَكانته اللّائقة به في المنطقة العربيّة بعدما رحلت عن عالَمنا، مثلما حَدَثَ للكاتبة البريطانيّة فيرجينا وولف التي لم يصل مَتنها للتدريس في الجامعات البريطانيّة والأميركيّة إلّا بعدما غادرت عالَم الأحياء بإرادتها، ليلتفت الدارسون إلى أنّها هي التي نظّرت للإرهاصات الأولى للنسويّة الغربيّة، وأيضاً كما تمّ الاهتمام بالبحث والدرس لما أنتجته رائدات تحرير النساء، وحركة المَوجة الثانية من النسويّة العالَميّة أمثال سيمون دو بوفوار، وكايت ميليت، من مفاهيم مثل البطريركيّة وسياسات القهر والذهنيّة الذكوريّة، وبدأ الحفر أنثروبولوجيّاً في فهْمِ أسباب عدم التكافؤ التاريخيّ بين الجنسَيْن، أقول ربّما، ولنا في الآتي من الدراسات والبحوث عزاء الاهتمام الذي يليق بالمُبدعة والمُناضلة الراحلة نوال السعداوي.

***

*كاتبة من المغرب مُقيمة في إدنبرة

*مؤسسة الفكر العربي-نشرة أفق

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *