“باقة من فلاسفة الشرق” جديدُ جوزيف الياس كحَّالة لدى دار نعمان للثَّقافة

Views: 1862

عوَّدنا الباحث جوزيف الياس كحَّالة المقيم في مدينة النور باريس أن يُطلَّ علينا، من وقت الى آخر، بنتاج جديد. لكنَّه، في هذه الأيام، يُكثر من إطلالاته، وقد أتحفنا منذ فترة قصيرة بنتاج فكريٍّ جديد، هو قديمٌ جديدٌ في واقع الحال، يجمع فيه بعضًا من مقالاته التي كان قد نشرها منذ أعوام خلت في المجلاَّت العربيَّة، أو قدَّمها في برامج إذاعيَّة دُعِيَ اليها، وقد عنونَ كتابه الجديد هذا “باقة من فلاسفة الشرق”.

يقع الكتاب في 238 صفحة، منها 232 باللغة العربيَّة، والباقي جاء باللغة الفرنسيَّة. أمَّا محتواه فعبارة عن اثنَي عشر فصلاً، ضمَّ كلُّ واحدٍ منها فيلسوفًا من الشرق. ومن هؤلاء مَن هم مسلمون ومَن هم مسيحيُّون.

عبد الله وناجي نعمان: تصديرٌ وإصدار

وقد صدَّر الكتابَ الكاتبُ والباحث الدكتور عبد الله نعمان الذي قال: “أمَّا جوزيف الياس كحَّالة… فعرفتُه باحثا مدقِّقا، متعدِّد المواهب والمواضيع.. وَليدُه الجديد مجموعة من المقالات المُنتَخَبة، وقد سبق أن نشرها في المجلاَّت العربيَّة…”. هذا، علمًا بأنَّ الكتابَ صادرٌ عن دار نعمان للثَّقافة، لصاحبها الأستاذ الأديب ناجي نعمان الذي عوَّدنا دائمًا على نشر خيرة المؤلَّفات الأدبيَّة والفلسفيَّة، إلى مؤلَّفاتٍ كثيرةٍ في شتَّى الميادين.

 

فُصولٌ وفلاسفة

أوَّلُ فصول الكتاب يعرِّفُنا بالفيلسوف قسطا بن لوقا البعلبكي. ولعلَّ قلَّة من القراء سمعَت بهذا الاسم. ويُفيدنا كحَّالة أنَّ مؤلَّفات هذا الفيلسوف تجاوزت الثلاثمئة مؤلَّف! واللافِتُ في حديثه عن قسطا بن لوقا أنَّ الأخيرَ وضعَ مؤلَّفًا تحت عنوان “رسالة في الفرق بين النفس والروح”. ويتابع كحَّالة ويُخبرنا في الصفحة27، الحاشية الرقم 11، أنَّ قسطا ذاك قام بنقل هذه الرسالة من اللغة العربيَّة إلى اللغة الفرنسيّة، وأنَّها ما زالت مخطوطة. ويا ليتَ الكحَّالة ينشرُها ليفيد فيها قرَّاء لغة فولتير، لما فيها من أهميَّة فلسفيَّة.

ويتابع الدكتور جوزيف فصولَ كتابه ليُطلَّ علينا بفصل عن الحلاّج، شهيد الآلام، مخصِّصًا له فصلاً مهمَّا، عارضًا فيه فكره الصوفي والفلسفي. ولعلَّ أهمَّ ما في هذا الفصل فكر الحلاج الذي يتنقَّل بين الحلول والشطح الممزوج عنده بفكره ومذهبه. فالحلاج وجودي يؤمن بوحدة الوجود.

وينقلنا الكحَّالة، بعد ذلك، الى فصل عن عمر الخيَّام، حجّة الحق، صاحب رباعيَّات الخيَّام الشهيرة، والتي نقلت الى معظم لغات العالم. ومن ثَمَّ يقدِّم لنا الإمام الغزالي، حجَّة الإسلام، الذي تتجلَّى قيمة فلسفته في الناحية السلبيَّة، أي  في قوة نقده للنظريَّات الفلسفيّة. ويرى الكحَّالة أنَّه تُمكن مقارنة الغزالي بالفيلسوف الإنكليزي ديفيد هيوم… والغزالي دأبه في البحث عن الحقيقة وطلبه الدائم للمعرفة، جعلا منه رجلاً حذرًا، يشك في كل ما يعرض عليه من أفكار ومذاهب. وهو القائل: “إنّ الشكوك هي الموصلة إلى الحقّ” (ص63). ويصفه المؤلِّفُ في الصفحة 77، بأنه أكبر مفكِّري الإسلام، وذو ثقافة واسعة متعددة الألوان والمتنوعة الموارد.

ويتابع كحّالة في فصول مؤلَّفه هذا فيقدِّم لنا، في الصفحة 81، فصلاً عن ابن الفارض، سلطان العاشقين، هذا المتصوِّف الذي لم يخلِّف لنا سوى ديوان شعر يتيم جُمع بعد وفاته. والكحَّالة اختار من هذا الديوان نظريَّة ابن الفارض في الجمال ليقدِّمها إلينا بأسلوبه السهل، ويتنقل بنا من الحب الرفيع عند ابن الفارض الذي يسمو على المادة، ويضعنا في نظرية الجمال. الجمال المطلق في ذاته، الذي هو نبع فيَّاض بكلِّ ما يتجلَّى في الكون من آيات السحر والمعاني الحسنة. ثم ينقلنا في الصفحة 88، إلى نظرية الحب الإلهي عند ابن الفارض. الحب الرفيع السامي الذي يعلو على المادَّة ويتحرر من قيودها كي يتَّحد مع مبدع الكون والجمال.

ويتابع الكحََّالة فيقدِّم لنا جلال الدين الرومي، صاحب أكبر ملحمة شعرية في التصوّف الإسلامي، ألا وهي كتابه المثنوي الذي يقع في ستة مجلَّدات. ويقول الكحَّالة إن معنى كلمة مثنوي “النظم المزدوج الذي يتَّحد فيه شطرا البيت الواحد بقافية واحدة خاصة بهذا البيت” (ص107). بعد ذلك، ينقلنا في الصفحة 116، ليعرض علينا نظرية الجمال عند جلال الدين الرومي: “إعلم يا بنيّ أنَّ العالم وعاء مليء بالعلم والجمال..”. والموسيقا عند جلال الدين الرومي لها دور أساسي في شعره الذي بدوره ينقسم إلى شعر وجداني فلسفي، وشعر تربوي يدعو فيه الإنسان الى عيش القيم الأخلاقية ليحقِّق الكمال في هذه الحياة.

أمَّا عبد الكريم الجيلي، الفيلسوف والمتصوّف، فتعددت مواضيعه الفلسفيَّة بحسب الدكتور جوزيف، لكنها، على الرغم من ذلك، تدور جميعها حول نظريَّة واحدة هي الفكر الوجودي، أي نظرية وحدة الوجود بحسب الفكر الصوفي (ص127).

وأمَّا الإمام شمس الدين الذهبي، وهو مؤرِّخٌ من ذهب بحسب المؤلِّف، فقد تمَّ تخصيصُ أكثر من عشرين صفحة لهذا الذي جمع في مؤلَّفاته ما بين التاريخ والتصوُّف مدبِّجا فيها فكره الفلسفيّ. وقد قدَّمه لنا الكحَّالة على نحوٍ أكاديميٍّ سهل المنال، فعرض علينا أهم مراحل تكوين فكره، وعرَّفنا بأساتذته الذين، بحسب قوله، تجاوز الألف! وقد ترجم لهم الإمام الذهبي في مؤلَّفاته. ويضيف أنَّه عُرف بسلامة لغته العربيّة، وبفصاحته، بحيث يصعب على الباحث أن يجد خطأ لغويًّا وهفوة نحويَّة عنده (ص156).

ويجيءُ دورُ ابن خلدون، مؤسِّس علم الاجتماع (ص 166-175)، وهو أوَّل مَن وضع جذور هذا العلم. يقول الكحَّالة في الصفحة 174 إنَّ مقدمة ابن خلدون التي اشتهر بها “هي عرض منطقي لأفكار وقوانين يعرضها، بعد أن انتهى إليها ببحثه الطويل”. ويردف قائلاً في الصفحتَين 174 و175، إنَّ ابن خلدون ليس كابن سينا الذي يَعتقد بأنَّ الفيلسوف يمكنه أن يصلح المجتمع، وأن يحقِّق الخير والتقدُّم بسَنِّه الشرائع، وابن خلدون ليس كالفارابي الذي وضع مدينته الفاضلة على نسق أفلاطون.. فتصوَّر مجتمعا مثاليًّا، لا مجتمعا حقيقيًّا، بل هو يختلف عن الفلاسفة العرب كافة.

ولجهة الشيخ كامل الغزِّي، مؤرِّخ حلب، يجد الدكتور جوزيف أنَّ الأخيرَ ليس فيلسوفًا بكل ما في الكلمة من معنى، بل هو وضع بعضًا من مؤلَّفاته بأسلوب فلسفي. وهذا ما نجده في مؤلَّفه رسالة في الموسيقى التي يصف فيها فعل الغناء والموسيقى على الحالة النفسيَّة.

وبالنسبة إلى يوسف كرم، مؤرِّخ الفلسفة، يعدِّد لنا جوزيف الياس كحّالة في الفصل المخصَّص له أسماءَ عمالقة مفكِّري مصر في القرن العشرين من الذين تتلمذوا على يوسف كرم. ويتبلور فكر كرم الفلسفيّ باتباعه الفكر الأرسطوطاليّ من خلال فلسفة توما الأكويني. ويوسف كرم هو القائل: مؤرِّخ الفلسفة هو فيلسوف. وهو أوَّل من وضع في العصر الحديث تاريخًا كاملاً للفلسفة يُعَدُّ بمثابة موسوعة في ثلاثة مجلَّدات، يقدِّم لنا فيها شرحًا مفصَّلا عن تاريخ الفلسفة منذ البدايات مرورًا بالفلسفة الأوربِّيَّة، وصولاً الى العصر الحالي. وبالإضافة الى ذلك، له العديد من المؤلَّفات والترجمات الفلسفيّة، لعلَّ أهمَّها ترجمته العديدَ من مقالات الفيلسوف لالاند.

وبالوصول إلى الإيكونوموس جبرائيل ربّاط، رائد علم الجمال العربي، يقول الكحَّالة إنَّ الأخيرَ لم يكتب كثيرًا في الفلسفة، إذ له في هذا المجال ثلاث مقالات فقط (ص215)، لعلّ أهمها مقالته في علم الجمال، وهي بحث فلسفي في غاية الأهمَّية. ومن المعلوم أنَّ جوزيف الياس كحَّالة أفرد كتابًا خصَّصه لجبرائيل ربَّاط، ونشره منذ سنوات خلت، وفيه كلُّ مقالات الربَّاط. كما نشر فيه كامل بحثه الهام في علم الجمال الذي يُعَدُّ بحقٍّ أوَّل بحث من هذا النوع كُتب باللغة العربيّة في العصر الحديث.

كتابٌ يُغني

إن ما جاء به الباحث جوزيف الياس كحَّالة في كتابه هذا يُغنى المكتبة العربيّة، ويزيد صفحة جديدة على نتاجه الفلسفي الذي سبق ونشر بحوثًا فيه. ففي سلاسة أسلوبه، ورحابة آفاقه الثقافيَّة، يشدُّ كحَّالة القارئ بشوق وشغف الى قراءة المؤلَّف حتى النهاية. فهو، كما سطَّرنا أعلاه، بحثَ في عدد من الفلاسفة الشرقيِّين، قد يكون معظمهم معروفًا من كثيرين؛ لكنَّ ثمَّةَ عددًا منهم ممَّن ظنَننَّاهم مجرَّد كَتَبَة، أو لم نسمع بهم حتَّى. وقد أضاء الباحث كحَّالة على أسمائهم وفكرهم عبر التاريخ. ولا بدَّ من القول إنَّ الكحَّالة صاغ مؤلَّفه هذا بموضوعيَّة أكاديميّة، دعمَها بكثرة المصادر والمراجع التي تساعد القارئ في التعمّق على نحوٍ أوسع في البحث. وصدق الأستاذ الأديب ناجي نعمان، حين قال: “يُبرهن الكحَّالة مرَّة أخرى أنَّه صاحبُ الفضل في نَبش سيرة كلِّ معسِّلٍ في تاريخ الفكر العربيّ، وفي استعادة أعماله”.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *