“قراءةٌ في “سِدرة الشّوق” لسعد الدين شلق

Views: 257

د. يسرى البيطار

” قراءةٌ في “سِدرة الشّوق” على مستوى المَطالِع.

العنوان: الحبّ لا يزول.

وفي الإنجيل المقدَّس: “وكلامي لا يزول”.

على اسمِكَ أيّها السَّعد، وفي سِدرةِ الحبِّ – لا الشّوق – أقول: إنّ الحبَّ الحقَّ لا يزول.

 

تقولُ: ” أنا راحلٌ حتّى البقاء “. وهذا هو اكتمالُ الدّائرة. قيلَ بالفرنسيّة:

Les extremes se touchent (الأطراف تلتقي)

ولِهذا قالَ الصّوفيّون: “مِن شِدّة ظهورِه خَفِي”.

صوفيّةٌ روحانيّةٌ تفرض نفسَها في مقام سعد الدّين شلق. يقول:

إنْ عزَّ وصلٌ بهذا العالم الفاني

في عالم الرّوح ألقاها وتلقاني

في تناصٍّ واضحٍ مع قول ابنِ زيدون:

إنْ كان قد عزَّ في الدّنيا اللّقاءُ بكم

في موسم الحشر نلقاكم ويكفينا

وطالما تحدّى حبُّ الشّعراءِ (الشّعراءِ) الزّمانَ والواقعَ والموت، والوعيَ بالأحلام. قال سعد الدّين:

ومن عينيكِ يبحر بي شراع

إلى دنيا بها يحلو الضَّياعُ

إنّه اتّجاهُ الواقع نحو الحلم، والمادّيّ نحو المجرّد، والوعي نحو اللّاوعي. وهو عكسُ اتّجاه بيت سعيد عقل الشّهير:

الشِّعرُ قبضٌ على الدّنيا مشعشعةً

كما وراءَ قميصٍ شعشعَت نُجُمُ

وهو اتّجاهُ الحلمِ نحو المادّة.

وسعدُ الدّين – شأن شعراء اللّامادّة – وقد اتُّهِمْتُ اتّهامًا صحيحًا بأنّي لستُ منهم – يستطيع أن يعيشَ وأن يفرح بذكريات الأمسِ وأصدائه، والصّدى ذكرى غير واقعيّة. يقول:

يا حبيبي أيُّ نايٍ في دمي

أشعلَ الآفاقَ رجعٌ من صداهْ

ويمضي الشّاعرُ في مصارعة الزّمن من أجلِ بقاء حبِّه. يقول:

مِن وراء لزّمان يُسفِر وجهٌ

لحبيبٍ طواه عنّي الزّمانُ

نعم فالزّمانُ لعبةٌ في يد الشّاعر، ينيِّمُها ساعةَ شاء، فيظهرُ من خلفِها وجهُ الحبيبة، ويغيِّرُ في سبيل الحبِّ تعاقُبَ الزّمنِ، بأيّامِه، والفصول:

زارَت بنيسانِها أيلولَ أحزاني

فعادَ قبل الرّبيع الغَضّ نيساني

ألَم يقلْ صديقُكم نزار:

” إنْ كانَ لا يمكنُ أن تأتي غدًا لَموعِدي

إذًا تعالِي البارِحَهْ “

وبالله يا شاعرَنا، كيف تُمسِك بالوعد والموعود، وعلى انتظارٍ، ووجهُها يستحقُّ الانتظارَ كما تقول، ما بين الطّير والشجَرِ، فقد أمَّلَكَ صديقُكَ المتنبّي وأمَّلَنا حين قال:

وما صبابةُ مشتاقٍ على أملٍ

من اللّقاءِ، كمشتاقٍ بلا أملِ

حتّى إذا غابت حبيبتُكَ، أيّها السّعد، فكلُّ الدّروبِ تُعيدُها إليك. تقول:

أسيرُ ولا أسيرُ إليكِ حتّى

كأنّي قد وصلتُ ولا وصولُ

فكأنّكَ في موقف امرئ القيس:

مكرٍّ مفرٍّ مُقبلٍ مدبرٍ معًا…

هكذا يطوفُ الشّعراءُ في كلّ الجهات والأمكنة، كمِثلِ طوافِهم في الأزمنة، ولهذا فكلُّ الدّروبِ تعيدُها إليك.

إنّها الدّائرة، رمزُ الكمال.

ويمضي شاعرُنا في السّخريةِ من واقع الحياةِ – العبَث – فيما يسخرُ الواقعُ منه؛ فيتحدّى الصّمتَ بوَهمِ الكلام:

صمتُها البوحُ في مرايا السّكونِ.

ويقول: ” فكيف تنكِرُ ما قالته عيناها “

فتسمَّعْ ، وفسِّرْ ، على مهلك ، وكما تريدُ ، على هواك ! ألم تُسكِنها سوادَ عينيكَ فقلت:

بعيدٌ كيف يحجبُه البُعادُ

ومنزلُه من العين السَّوادُ

وأيُّ مسكنٍ سوادُ العين ! فيا شاعرنا الصّوفيّ الجميل، قالَ الشيخُ ابنُ عطاء: ” إنّ الإنسانَ لا يدرِكُ سوادَ عينِه، لشدّة قربهِ منه”!

ويظلّ يَعمقُ شاعرُنا في “سدرة الشّوق” حتى يصبح مُحرِقًا أكثر من النّار. قالَ لحبيبتِه المجرمة:

أشعلتِني وتركْتِني للنّارِ

ألهو بها فتخافُ مسَّ جماري

وقد قالت يسرى البيطار:

نارٌ على القلب تكويني فأكويها

إذْ ليس فيها كحزني في مآقيها

 

وتمضي وتمضي يا سعدُ عاشقًا مؤمنًا وأمينًا، ثابتًا وراسخًا، وصامدًا في حبّك في وجه الطّبيعةِ والكون، حتّى تتحقّقَ نبوءةُ الشّاعر، ويعودَ إليه الهمسُ مُحْيِيًا مثلَ يد الله يومَ القيامة:

أتاني بعد وهنٍ رجعُ همسِ

لِمَن بوداعِهِ ودّعتُ نفسي

وبعدَ هذا، كلِّ هذا، وبعد الموت والقيامة، كيف تَرتكِبُ الخطيئةَ العظمى أيّها الشّاعر؟ وكيف تنسى اسمَها هل أنتَ كافر؟ ثمّ تَقطَعُ همزةَ الوصل:

نسِيتُ إسمَكِ لكنْ خَطَّ هُدباكِ

في صفحة القلب أنّي لستُ أنساكِ

قالَ إلياس أبو شبكه: “فاسمُها بلسمٌ لِقلبي الحزينِ”.

***

*كلمة الدكتورة يسرى البيطار في توقيع ديوان “سدرة الشوق” للشاعر سعد الدين شلق – طرابلس في 21 نيسان 2024 – منتدى شاعر الكورة الخضراء.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *