ينبوع
د. جان توما
صورة، سمع فيها العميد هاشم الأيوبي كرجة ماء، فأرسلها بعد منتصف الليل، خانني النوم، فترجمت له ماذا تقول العين؟ عسى أن أكون قد أحسنت الترجمة، وهو المترجم الاوّل.
كنّ، هنا، بجرارهنّ وأحاديثهن الخجولة. كنّ يأتينَ وعلى الأكتاف أوعية من فخّار، أحييها وأحيي أهل البيوت العتيقة، والمارّين من أمام عتبتي عطاشًا.
هل ما زالت بيوت القرية تضع عند المدخل وعاء عنب، أو تين، وجرّة أو إبريق ماء لتنعش عابر سبيل من بين الجلول والقادوميات ، طالعًا من وادٍ، كما الضباب، لينعم بالسكون كلًما وصل بيته، وارتاح باسطًا عباءته سماء أمانٍ وراحة بال لأسرته؟!
كانت عين الضيعة حدقات المجتمعين. هنا كرجت الماء في الأوردة حياة، وهنا كان أهلُ الضيعة يحلّون مشاكلهم، ويسردون حكاياتهم، وهنا، كم غسل الفلاحون وجوههم من تعب العمل طيلة النهار في حراثة الأرض، وفي مواسم الحصاد.
من قرّر ان لا يأتوا إليّ بل أن أذهب إليهم بمائي إلى منازلهم. من قال لهم: أبقوا في منازلكم، وأنا أجرّ لكم ماء العين إلى عيون الدار. من وقتها، فقدت نضارتي، صرت وحيدة، لا ألقى وجهًا ولا تعرفني العيون. اشتقت إلى سماع موّال ورنّة حجل، عربشت الأعشاب على حدقتَيَّ وغزتني الأوراق، أين أيادي الصبايا تكحّل جفنَيَّ، وتلملم دمعي بمناديل السمر؟!
منذ هجرة الحسان سادت غيرة البيوت، ومنذ راح الصيادون هجرت الطيور أوكارها، ومنذ لم يعد الفلاحون ينالون معمودية الصبح بكمشة ماء ما عادت تلمع حبيباتها على جباههم في وجه الشمس. راح الأطفال بضحكاتهم، كلّما تناولوا بأكفّهم الطريّة ” طرطشات” ماء، ورشقوا بعضهم ببراءة الطفولة. ارتفعت قساطل الماء إلى البيوت، ولكنّ دمعة عين النبع أطيب وأشهى.
قد يشتري العالم الطبيعة، لكنه لن يستطيع شراء تغريد العصافير وخرير ماء النبع، قد يشتري النوم ولكن لن يستطيع شراء الأحلام ، ولا شراء ماء عين الأيام.