“تقاعد”
د. رفيق أبوغوش
وأخيرًا عادَ النّهرُ إلى أبيه البحر، عودةَ الإبن الضّال الذي يعرف أنه أضاع الطريق، ولكنّه لم يكن عندهُ خَيار. وكم كتمَ غربتهُ قرابةَ أربعٍ وأربعين سنة أمضاها في مساجلاتٍ، ومناقشاتٍ، ومقابسات. عودة الإبن العارف أن النّور المنبثق من قرص الشّمس يعودُ في اليوم التّالي لينطلقَ من جديد. عاد النّهر بعد طوافٍ سندباديّ دوائريّ متعبًا من السّير، مثقلاً بحملِ الكلمات. عاد ليغسلَ عن وجهه غبار السّنين، وثقل العمر، وسنابك الأبجديّة التي مارست موتها وحياتها ردحًا من الزّمن. عاد ليتطهّرَ بالملح، ويسترخي على ركبة البّحر ليقصَّ له حكايات الأطفال، وروايات الحائرين الذين رادوا تخوم المجاز، واستبطنوا روحَ اللغة بتجلّياتها وغموضها ومراوغتها ليقول: أيّة أرواحٍ خسرنا في وعورة الطّريق؟! وأيّة سنواتٍ أريقت في مسيرة العمر الذي يتضاءلُ تحت وطأة الوقت، وأقدام الحياة التي تكسرنا كالخبز اليابس، وتطأُ أعمارنا كالجبل الهائج في غربة المحطّات التي ندخلها بالصّدفة فتودي بنا إلى فم المتاهة، إلى التّجاعيد المنتظرة فوق صفحة الأديم، إلى القلق الدّائم، إلى المعابر المشرعة على التّفاصيل الشّاحبة، والفراغات المطلقة في زوايا الانزياح نحو العروج الأخير على درج السّنين.
ستّون عامًا والموج يهاجمُ ضلوع الشّط، فلا الموج يكفّ، ولا الشّطُ يرفُّ له جفن. وأقول: كم من سنونوةٍ خرقت جدران روحي وهي ترجُّ الحيطان، وتفرد أجنحتها قلقًا وهمًّا، وتغرقُ في مستنقع الجدل المحيّر؟!
ستّون، وجنادبُ العمر تقفزُ وتصرُّ وتجوبُ الصّمت، ثمّ تتسلّلُ إلى الشّريان فتتعبهُ وتجفّفه، وصبايا النّرجس تتغاوى وتمشي فوق ريف العيون.
ستّون، والصباح لا يعرفُ كيف يكون النّوم، ولا يفقه حديث الأحلام، ولا تنبت في صواريه الرّياح.
ستون، ويغدو الكونُ أثقل من جبلٍ سيزيفيّ، وأخفّ من فراشة. لكنّ العمر حين يمرُّ لا يترك شيئًا يعترضه: الشّباب، الفرح، السّكينة، المُتع، حتّى خبز الأحلام. يأخذ النّضارة من شلوح الجسد، الصّلحَ من شقوق الأحلام، السّكينة من قلوب الأطفال، النّسمة من ضلع العاصفة.
أمّا التّربية، فمَن لم يتسلّق شعابها يبقَ في مأمنٍ من التّعبِ والنَّصّبِ وقلق الضّمائر. أمّا الذين عبروا مياهها فقد نالهم منها ما نالَ البحّارة الذين فُتنوا بمخلوقات أسطوريّة اسمها “السيرين” تلك التي تجمعُ الجمالَ إلى الصّوت السّاحر والتي نصفها امرأة ونصفها الآخر طائرٌ يغنّي بأصواتٍ آسرة لإغواءِ البّحارة نحو الموت. إلا أنها ما تزالُ حتى اليوم تُلهمُ البحّارة الشّعراء والفنّانين وفق الأسطورة اليونانيّة. ولقد فُتنَ هؤلاء بحوريّات المعنى، إلا أنّهم لشدّةِ عشقهم وإخلاصهم ذهبوا نحو موتهم المرسوم ببطء ورضى كرمى لأجيالٍ لم تشكّل حتى الآن قماشة مستقبلها، ولم تكن على قدرِ التّضحيات، ففُتنت بالحوريّات، وأضاعت بوصلة المستقبل.
إن الحياة بكل تعقيداتها وتنوعاتها قصيدةٌ مكتوبةٌ بأيدي الآلهة، إلا أنها تحتاجُ إلى البشرِ لتُغنّى ولتأخذ معنى وجودها. ونحن عشنا الحياة قصيدةً مكتوبةً بحبر الهمّ والسّهر والمعاناة، وصرفنا عقودًا في التّصويب والتّرتيب والتّشذيب. إلا أن الأشياء التي رتّبناها دهمها النّسيان، وزحف العمرُ ليرخي بثقله على أرواحنا وعلى نفوسنا الواهية من كثرة الحفّ والعزف على أوتار الفجيعة. وجاءت الأزمنة لتنقدّ الحَبّ من قلوبنا فلا تُبقي لنا بيدرًا نقتاتُ قمحه، ولا ملجأً نتفيّأُ أغصانه. أمّا النَقدات والتّناقد فصارت وليمةً لأعشاب المعنى، تتأرجح بين التّلال المشرفة على الآتي. هكذا تنسربُ السّنون من بين أصابعنا، وتذبلُ الأرياش التي كانت تقينا حرَّ المراوحة، ويبتلعُ البحرُ موسيقى أرواحنا الزّرقاء التي جابت أسماعَ الموج، وأيقظت طحالبَ الأعماق لتسهمَ في تشكّل سمفونيّة المفارقات في حديقة المجاز.
لستُ هنا لأقطفَ فاكهتي، وأمارس غوايتي على المعنى والقصيدة، وأقترفَ فعل الخطيئة في هذا المشهد البانوراميّ الامتداديّ. ولستُ هنا لأجيبَ عن السّؤال الأزليّ: ماذا لو لم أُطع زمني، وأترك أنثاي تتمرّغُ في حمأة الفراغ؟! أيكون هذا التّماهي بين الشّاعر وبين الكتابة الملطخة بالمداد؟
حينها كنتُ سأمشي وحيدًا في صحراء الكون، ليس لي سندُ أسكنُ إليه. وكنتُ سأنام من فتنة الرّغبة من دون غطاء. أمّا ما فعلت بنا التّربية، فلا يقلُّ عن ما خطّه العمرُ من تجاعيد وتعرّجات على صفحة الوجوه، وآن الأوان لكي نُسقطَ عنّا ثقلَ الأوراق والحبر وجبل الكتبِ لندخلَ في استرخاء سباتيّ، أو لنعرّجَ إلى فضاءٍ كونيّ نتنفّسُ الحريّة ملء الأجنحة، ونملأ الرّئة بعطر السّلام، ونطلق الأسرار وسعَ الكون الوارف، وندخل العمر من دون مساحيق، ونرتاح من وعورة الطريق، وندخل الأزمنة، نسوقُ النجوم كقطيعٍ من غيوم.
سلامَا للستّين، لسنواتٍ عبرت ولم تُغلق أمامنا نافذة الأمل، سلامًا للعبث القادم، للعمر الخائن حين يلذُّ له تجعيد الأيام، وتمزيق بكارة الأحلام.
الرابعة والسّتون صارت ورائي، والخامسة تمدُّ أشرعتها في قلبي. وأراني أقول: كان ماضينا جدارًا، كان ظلاً شبحيّا. لم نكن نعرف أن العمر ذئبٌ وليس في الصبح بقيّة. كنتُ أخشى عدل الأرض والآن أخشى ظلم الأبديّة. أو كما يقول أدونيس: ” هذي بلادنا ونحن الغياب. لم تلدنا سماءٌ، لم يلدنا تراب. إننا زبدٌ يتبخّرُ في نهر الكلمات. صدأٌ في السّماء، صدأٌ في الحياة”.