“عطر ودماء”: مرآة لروح لبنان الممزّقة

Views: 94

ميرنا ريمون شويري

تعكس الرواية الواقع بجماله وقساوته، وتكشف عن الكثير من آفات المجتمع و الحروب الأهلية التي تعتبر أخطر ما يواجهه أيّ وطن. ربما لذلك تناول عدد كبير من الكتاب اللبنانيين موضوع الحرب الأهلية في لبنان، ومنهم الروائي يوسف طراد في روايته (عطر ودماء).. هذه الرواية تعكس واقعنا الحالي، وعلى الرغم من أنّها مرآة لفترة معيّنة من تاريخه فإنّها تكشف عن أسباب تشرذم هذا الوطن،فلبنان ضحية أيديولجيات متعدّدة متضاربة،تفكّكه لعدّة أوطان على أرض صغيرة.

الوطن هو المكان الذي يشعر فيه الإنسان بالأمان، وأكثر ما يؤلم الإنسان هو شعوره بالخوف والنبذ والتهميش في بلده.يقول الفيلسوف والمؤرّخ الفرنسي إرنست رينان في محاضرته الشهيرة عام 1882 “ما هي الأمّة؟إنّ روح الوطن هو المكان الذي يشعرنا بالأمان والانتماء. لهذه الروح مبدآن، أحدهما الماضي، والآخر الحاضر، الماضي هو الذاكرة المشتركة للأعمال العظيمة، والحاضر هو الاتفاق، الرغبة في العيش معًا”. في روايته يكشف لنا طراد صعوبة الحياة في وطن كلبنان حيث لا توجد هوية واحدة للوطن،فثمّة انتماء لأيديولوجيات وطوائف، لا إلى وطن،فيوسف رمزللمواطن الذي يعيش في وطن مشرذم، فحتى أحلامه مؤجّلة:

“كان يوسف يطمح إلى وطن أكثر رأفة بأحلامه المؤجّلة الضائعة بين جولات الحرب، فالوطن هو المهزوم في زحمة البطولات الواهية. أصبح قارع طبول الحروب مجهولا”، في ظلّ الخليط العسكري والميليشيوي على أرض لبنان، تنظيمات فلسطينية، وحركة أمل، والجيش اللبناني، والجيش السوري، والحزب الاشتراكي، و جيش الدفاع الإسرائيلي، وحزب الكتائب اللبنانية، والقوات المتعدّدة الجنسيات، والمردة، والقوات اللبنانية، وغيرها من التنظيمات، كحزب الله الذي كان في المراحل الأولى من تأسيسه”.(62)

يكتب طراد في هذا الكتاب تجربته الشخصية في الجيش كممرّض، فيقدّم كتابه كمذكرة واقعية تعكس الواقع اللبناني،وظروف الجيش بصدق.  في الوقت ذاته يقدّم صورة حقيقية عن التشرذم الذي يقسم لبنان إلى دويلات. هو لا يكتفي بإعطاء صورة عن هذا التشرذم، بل يسلّط الضوء على الأسباب لتصبح هذه الرواية ملخّصًا لقصة وطن مشرذم، ويوسف هو رمز لكلّ شاب يعيش في لبنان.

من أهمّ الأسباب التي يناقشها هو التطرّف لطائفة أو لحزب،فأصبح هنالك الكثير من الحدود التي تقطع أوصال هذا الوطن،إذ ينتمي اللبناني إليهما أكثر من الوطن. يوسف على الرغم من ظروفة الصعبة  يحاول أن يكمل تعليمه في معهد التمريض،فيسأل: هل هناك من أمل في الوطن؟ حتى الجيش الذي يجمع كلّ لبنان يحارب من الأحزاب، وهو رمز الوحدة، والأحزاب رمز الدويلات: “أمّا في بيروت فقد تعرّضت جميع مراكز الجيش لإطلاق نار من قبل الأحزاب اليسارية وحركة أمل”. فيوسف الذي عانى من الوجود السوري في لبنان عمل متطوعًا في الجيش، وهو يصف بالتفاصيل أهمّية عمله الإنساني ممرّضًّا في الجيش. في عمله هذا يعكس الناحية الإنسانية في الجيش كممرّض فيخدم الوطن والجرحى.

ويضيء على الجانب المظلم للحياة في لبنان حيث الأحزاب والطوائف تجعل منه دويلات. لعلّ عنوان الكتاب(عطر و دماء) يدلّ على أنّ للوطن عطر الأمّ،لكن لعلّ رائحة نزف الدم الذي يعاني منه هذا الوطن هو يحرم شعبه من هذه الرائحة. 

نتيجة هذا التشرذم يصبح الوطن في لبنان تصورًا فرديًّا يختلف من شخص إلى آخر، وليس حالة جماعية ترسم هوية جماعية. الوطن ليوسف هو الجيش الذي يمثّل له النقاء والوطن والشجاعة والإنسانية بعكس الحروب، وأحيانًا حزب القوات اللبنانية الذي يقدّم له الأمان، وهذا يشير إلى الانتماء إلى تصور وطن رسمته له أيديولوجيا معيّنة، ويؤسّس للبنان الدويلات. إنّ وطن يوسف ليس كما هو بل كما يتخيّله.

تقول الباحثة ماريام كوك التي درست الكتّاب الذين كتبوا عن الحرب الأهلية : “المجتمعات المتخيلة الخطابية لهذه الكتابات [التي شهدت الحرب الأهلية] لا تحتاج إلى إظهارالوطنكجماعة لأنّ ‘أمّتهم’ هي خلق شخصي بطبعها”،وهذا التشرذم في لبنان كما يظهر طراد ضعف الوطن، فأصبح يتأثّر بأي أزمة سياسية  إقليمية (Cook,214).

سرد يوسف  يكشف لنا كيف أنّ التاريخ يعيد نفسه،فذكره للاحتلال الإسرائيلي أو السوري يدلّان على ذلك.وسرده يكشف في وطن مشرذم كلبنان شعور كلّ حزبي أنّ حزبه على حقّ، وهذا يدلّ على أنّ كثرة الأيديولوجيات في لبنان تضعفه. ويوسف يلوم الحرب على هذا التشرذم:

“الحرب آفة الشرور، لعنة الدنيا في الهيجاء المنون، ونكسات تعيث فسادًا”، لا يسلم منها إنسان، هذه هي الحرب، مقتلة فيها تسود الظلمة، ويرتفع عند تخومها سياسيون، وأشرار، وتجار، وفاسدون. فالحرب هلاك للسلام تلقي في لظاها جنودًا”بائسين، و تترك خلفها أرامل وثكالى وأيتامًا عاجزين” (58)

فِي الختام، تُعدّ رواية (عطر ودماء) للروائي يوسف طراد مرآة حقيقية لمأساة وطنٍ يفتقر إلى الوحدة والتماسك، حيث تجسّد معاناة الشعب اللبناني في ظلّ الحرب الأهلية ،والتشرذم السياسي والطائفي الذي يعصف بالوطن. من خلال سرد شخصي واقعي، يُظهر طراد كيف أنّ لبنان أصبح أرضًا ممزّقة بفعل الأيديولوجيات المتضاربة، حيث انقسمت الهوية الوطنية إلى دويلات متناحرة، لا تجمعها سوى الأطراف المختلفة، والمصالح الضيقة. الرواية دعوة للتأمّل في واقع لبنان الحالي وضرورة التفكير في كيفية تجاوز التشرذم، وإعادة بناء وطن موحّد يعتمد على القيم الإنسانية، والعيش المشترك بعيدًا عن التعصّب الطائفي والحزبي. في النهاية يظهر يوسف كرمز للشاب اللبناني الذي يسعى للنجاة، والبحث عن أمل في وطنٍ مفقود، لكنّه يظلّ أسيرًا لظروف قاسية تدفعه إلى التساؤل عن إمكانية بناء مستقبل أفضل في ظلّ هذه التحدّيات الكبرى. لكن كان من الأفضل لو لم يكن الكاتب إيديولوجيًّا. كما قال الناقد (Keenan, 2004).جون كينان: “يجب ألّا يكون الكتاب أداة للإيديولوجيا، يجب أن يكون آلة تعمل بطريقتها الخاصة”.

***

Keenan, J. (2004). The Role of Ideology in Literature.

Cooke, Miriam “Women Write War: The Feminization of Lebanese Society in the War Literature of Emily Nasrallah.” Bulletin 14(1987): 52-67.

Renan, Ernest. What is a Nation? (1882).

عطر و دماء. دار سائر المشرق.. (2024). طراد يوسف

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *