العهد الجديد والتحديات الواقعة
العميد الركن المتقاعد صلاح جانبين
شهد لبنان في تاريخه العديد من المحطات المفصلية، بخاصة الدولة التي تتغنى بالديمقراطية والتعايش بين مكوناتها وأحزابها بالرغم من الخلافات العميقة فيما بينها وتبعية الموالاة للخارج (أميركا، دول أوروبية، دول عربية وخليجية، …) والمعارضة وتبعيتها لــ “روسيا، الصين، دول إسلامية ، بعض الدول الأوروبية، …”، ما وضعه في سياسات محاورية وصراعات وخلافات داخلية كالتمترس خلف الطوائف والمذاهب والأحزاب بهدف الحصول على مكتسبات خاصة وتقاسم ومحاصصة في المراكز بغنى عنها في ظلِّ دولة القانون والمؤسسات. وهو ما اعتبره الكثيرون نموذجًا لدولة المحاصصة الطائفية، التي تعكس الصراعات الإقليمية على أرضه، بسبب تحوّل المؤسّسات إلى أدوات لخدمة النخب والتدخلات الخارجية في ظلِّ غياب العدالة والمساءلة، ما كرّس الأزمات وجعل الخروج منها مرهونًا بتغيّرات جذرية في النظام أو تدخلات دولية غير معروفة وغير مضمونة النتائج.
وما زاد الطين بِلَّة، أزماته الصحية، الاقتصادية، المالية، المعيشية والأمنية والتفجيرات والعمليات الإرهابية التي تعرض لها في مختلف المناطق، وآخرها كانت الحرب الغاشمة في العام 2024 التي شنها العدو الإسرائيلي على لبنان مستهدفًا البشر والحجر من دون هوادة، منتهكًا القرارات والقوانين الدولية والإنسانية التي تحمي المنشآت التعليمية والحياتية والإستشفائية والصحية والأماكن السكنية ودور العبادة، ولم توفر في عدوانها الأبرياء من الشيوخ والنساء والأطفال والمرضى والجرحى، ضاربة عرض الحائط منظمات الأمم المتحدة وقوانينها الراعية.
يتأمل اللبنانيون خيرَا في كل مرة يُتخب فيها رئيسَا جديدًا للجمهورية بخاصة الرؤساء ذوي الخلفية المؤسساتية العسكرية كمؤسسة الجيش، لما لها من مصداقية وثقة عاليتين لدى المواطن اللبناني، كالرئيس الراحل اللواء فؤاد شهاب (1958-1964) الذي أرسى في عهده دعائم المؤسسات المالية والعسكرية والإدارية في الدولة، بالإضافة إلى سعيه لتحسين علاقة لبنان بالدول العربية، وتبعه الكثير من أمثاله في الرتب العسكرية بعد توليهم لمنصب قائد الجيش كالرئيس العماد إميل لحود (1998-2007) والرئيس العماد ميشال سليمان (2008-2014) والرئيس العماد ميشال عون (2016-2022) وصولًا إلى فخامة الرئيس العماد جوزاف عون العام 2025، حيث أنه وفي كل الحكومات المتشكلة تركز البيانات الوزارية بشكل عام على عدد من المحاور الرئيسية التي تعكس التحديات الوطنية والأولويات الحكومية، كالتأكيد على الوحدة الوطنية واستقرار النظام الطائفي، العلاقات مع الدول الإقليمية (مثل سوريا، السعودية، إيران، …) والدول الغربية، الملف الأمني (مثل دور حزب الله، الحدود مع “إسرائيل”، النزاعات الداخلية، …)، خطط الإصلاح المالي والتعافي الاقتصادي، إعادة هيكلة القطاع المصرفي والتعامل مع انهيار الليرة اللبنانية، التفاوض مع صندوق النقد الدولي للحصول على مساعدات، مكافحة الفساد والإصلاح الإداري، تعزيز الشفافية ومحاسبة الفاسدين، إصلاح الجهاز الإداري والحدّ من الهدر في الموازنة، استقلالية القضاء ومحاكمة المتورطين في جرائم الفساد والإرهاب، تحسين الكهرباء والمياه والنقل، إعادة إعمار ما خلفته الحرب الإسرائيلية، بالإضافة إلى معالجة الأزمات البيئية ودعم الفئات الأكثر فقراً بسبب الأزمة الاقتصادية، معالجة أزمة النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين وغيرها من الملفات المتعلّقة بالسياسة الخارجية والحفاظ على الحياد في الصراعات الإقليمية، وتعزيز العلاقات مع الدول المانحة. لكن تعتبر كل البيانات في الغالب إطارًا عامًا تفتقر إلى التفاصيل التنفيذية، كما أنها تواجه تحديات في التطبيق بسبب الانقسامات السياسية والضعف المؤسّساتي.
فما هي التحديات التي تواجه العهد الجديد في بيئة تشهد فسادًا مستشريًا ومحسوبيات ومحاصصة سياسية، وأمنًا متهورًا، وعدم ثقة المواطنين بالدولة؟ وما هي الخطة الاستراتيجية الشاملة التي تعالج المشاكل المتجذرة لإعادة بناء الثقة؟
أولًا: لا يمكن بناء الثقة إلّا بالتواصل المباشر عبر خطاب وطني صادق يعترف بالمشاكل القائمة والالتزام بالتغيير الجذري، مع تفاصيل ملموسة، كالكشف العلني عن ممتلكات كبار المسؤولين، تخفيض رواتب النخبة الحاكمة، وإلغاء الكثير من الامتيازات غير المُبررة.
ثانيًا: حملات سريعة لتحسين الخدمات العامة، المتمثلة بتأهيل المرافق العامة بالتعاون مع القطاع الخاص وبإصلاح قطاعات أساسية كالكهرباء والصحة والتعليم في مناطق مُهمَّشة لإثبات الجدّية.
ثالثًا: مكافحة شبكات الفساد المتجذرة في الإدارة التي تعيق الإصلاحات وتستنزف الموارد، وذلك عبر آليات مستقلة وقوية تتمثل بإنشاء هيئة وطنية لمكافحة الفساد، وهيئات رقابية مستقلة تتمتع بصلاحيات التحقيق والمحاسبة دون تدخل أحد من السياسيين، حيث يتم فيها محاكمة الشخصيات الفاسدة ومقاضاتها.
رابعًا: تعزيز الشفافية المالية، وذلك بتفعيل قوانين حق الحصول على المعلومات، وإطلاق منصّات الكترونية للإفصاح عن الميزانيات والمشاريع، كما إلزام المؤسسات الحكومية بنشر موازناتها وإنفاقها عبر تلك المنصات الرقمية.
خامسًا: فرض سيادة القانون على كامل الأراضي اللبنانية وتعزيز قدرة الدولة بتقوية الجيش والأجهزة الأمنية في مواجهة العدو الإسرائيلي والعناصر الإرهابية بالتعاون والتنسيق مع المكونات الشعبية ومقدراتها الوطنية. كما اللجوء إلى المنظمات الدولية للضغط السياسي والقانوني لإزالة الاحتلال الأجنبي من دون التخلي عن المقاومة الوطنية وتعزيزها بكافة أشكالها لإنهاء الاحتلال.
سادسًا: مراقبة عمل الأجهزة الأمنية عبر القضاء والمجتمع المدني، والعمل على إصلاح النظام السياسي بمحاربة المحاصصة والمكتسبات الشخصية على حساب الشأن العام.
سابعًا: إصلاح القانون الانتخابي الحالي بما يسمح باعتماد نظام تمثيل عادل يُقلل من هيمنة الأحزاب الطائفية ويفتح المجال للكفاءات العلمية والثقافية بإشراك الشباب والنساء ولمنحهم فرص حقيقية لتمثيلهم في المناصب القيادية، مع دعم الأحزاب التي تعتمد على خطط تنموية بدلًا من الولاءات الشخصية أو الدينية.
ثامنًا: تمكين المجتمع المدني والإعلام، وذلك بحماية الحرّيات العامة وإلغاء القوانين المقيدة لحرية التعبير، وضمان استقلالية الإعلام، كما دعم منظمات المجتمع المدني كشريك في الرقابة على الحكومة لمتابعة الإصلاحات المطلوبة.
تاسعًا: بناء اقتصاد وطني قائمًا على الإنتاج المحلي لتقليل الاستيراد، والقيام بإصلاحات اقتصادية عامة تتمثل بمحاربة اقتصاد الريع، إلغاء الامتيازات الاحتكارية، فتح الأسواق للشركات النزيهة، دعم القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة لتقليل البطالة التي تُعد هذه الأخيرة بيئة خصبة للفساد.
عاشرًا: تعزيز التعاون الإقليمي والدولي مع الدول المحايدة والصديقة لتجنب التبعية لدولة واحدة، كما التعاون مع المنظمات الدولية بخاصة الأمم المتحدة والبنك الدولي لتمويل مشاريع البنية التحتية بشروط تضمن النزاهة وتحفظ السيادة الوطنية، كما الاستفادة من الخبرات الدولية في مجالات عدة كالشفافية وإصلاح القضاء، دون السماح بالتدخل في الشؤون الداخلية السيادية للدولة ما يجعلها عرضة للضغوط الخارجية.
حادي عشر: تعزيز الثقافة المؤسّسية، ببناء نظام مؤلل يُقلل الاعتماد على الأفراد، لضمان استمرارية التغيير، كما بإصلاح الوظيفة العامة من خلال التدريب المستمر لموظفي الدولة على قيم النزاهة والخدمة العامة واعتماد معايير الكفاءة في التعيينات، وربط الترقيات بالأداء الوظيفي.
ثاني عشر: التشديد على أهمية الحوار الوطني الشامل مع جميع الأطياف والمكونات السياسية والمجتمعية.
فنجاح العهد من نجاح الحكومات بالتوازنات بين الجرأة السياسية والحكمة الاستراتيجية، كما بين الإصلاح الداخلي السريع والدبلوماسية الذكية الهادفة لتجنب الاصطدام بالخارج، والتواصل المفتوح مع الشعب لتحويله من مشكك إلى شريك في عملية الإصلاح.
فهل للعهد الجديد قدرة المحافظةعلى الاستقرار السياسي وعلى مواجهة التحديات الواقعة؟
16أذار 2025