في رواية “بنات القدر” لكلود جعجع عبد المسيح.. المرأة لا تُولد بل تُصنع

نجاة الشالوحي
في رواية “بنات القدر” للكاتبة كلود جعجع عبد المسيح، لا يفتح السرد بابه على الحكاية، بل على المصير، وكأنّ الكلمات تمشي على خيوط مشدودة بين الماضي والمجهول. هنا، لا يروي النصّ قصّة نساء، بل يوقظ أسئلة عن العدالة، والاختيار، والقدر الذي يُطرَز بأنامل نسوية تصرّ على التمرّد ولو بصمت. في كلّ صفحة، تشهق الحياة من رحم المعاناة، وتتلصّص الأحلام من ثقوب الجدران. فالنساء لسن مجرد شخوص، بل مرايا لجراحٍ شاسعة. لذلك تقودنا الرواية في دهاليز النفس، بين الطموح والانكسار، الحبّ والاستغلال، الأمومة والمجتمع. إنّها رواية عن الحياة لا يكفي أن نقرأ بل نُجرَح، ونتساءل، ثمّ نواصل القراءة بشغف مريب.
نساء الرواية: تحت سماء بلا رحمة
ثلاث شخصيّات نسائيّة يتناوبن على الألم:
حلا: الأمّ المريضة، تُصارع الموت والوحدة والتهميش الاجتماعيّ والدينيّ. وتفضح الرواية هيمنة بنى مجتمعيّة كاملة: الطائفة، القرابة، الدين. إذ نُفيت حلا من عائلتها لأنّها تزوّجت من خارج طائفتها، فماتت “خارج الملّة”، من دون عناية، أوسند، أو طبيب. وفي مشهد محوريّ، تقول حلا: “الفقير ما إلو حيط يسند ضهرو عليه، وحتى حيط ربو بعيد عنو.”
أمّا غادة فهي الخادمة، والضحيّة التي تُختزل في عين السيّدة “سوزان” إلى مجرّد مرافقة لكلبة مدلّلة. فلوسي، الكلبة، ليست حيوانًا أليفًا، بل سلطة رمزيّة، تتلّقى العناية والغنج والتنزّه، بينما غادة لا تملك حتّى وسادة. وتتساءل بطلتنا: “أيعقل أن تكون عيشة الكلاب أفضل من عيشة ملايين الفقراء؟”، وهو سؤال يهزّ ضميرنا كقرّاء. وهي الخادمة في بيت ابن قريتها، لم تختر دورها بل فُرض عليها، ولكنّ البيك عطف عليها ودفع عنها أجار الغرفة، وسجّلها في معهد، ليفتح لها نافذة الخياطة.
و”نجلا” لم تكن ملاك الرحمة الذي بشّرت به الرواية، بل كانت قناعًا ناعمًا يُخفي خلفه احتياجًا عاطفيًّا أنانيًّا، تحوّل تدريجيًا إلى شكل من أشكال الاستغلال الناعم، بل والإخضاع تحت مسمّى “الرعاية”.
في اللحظة التي وصلت فيها حياة إلى بيت نجلا، نشعر نحن القرّاء — كما شعرت غادة — براحة وهميّة. لقد نجت من الدير، ومن المطبخ الرهبانيّ البارد. ووجدت سريرًا وغطاءً ويدًا تمسح رأسها. ولكن، يتكشّف لنا أن هذا الملجأ ليس بريئًا كما يبدو، بل هو مساحة تسلّط جديدة مموّهة بالودّ والاحتواء.
وحين قالت لها نجلا: “أنا أرملة وحيدة، وبموت من الفزع. شو رأيك تبقي عندي؟ بتساعديني وبتسلّيني.”
فقد كانت تضع الأساس لعلاقة غير متكافئة. حياة لم تُستدعَ لتُكافأ، بل لتسدّ فراغًا في حياة نجلا، لتكون بديلًا عاطفيًا عن ابنة أو رفيقة. واللّافت أنّ العرض أتى بلغة عاطفيّة شديدة النعومة، وكأنّ “نجلا” تتلاعب بلغة الأمومة المزيفة لتمرير مشروعها الشخصيّ. وهي في هذا السياق تُشبه السيّدة في رواية مدام بوفاري التي قالت: “لا أريد من يحبّني، أريد من يحتاج إليّ.” وحياة أصبحت ذلك “الاحتياج” .
وهكذا انتقلت من دير الطاعة إلى دير الحنان المتملّك. ومن سلطة الراهبات إلى سلطة الأرملة التي “تتملّكها”. وهنا تكمن قسوة نجلا: لم تكن جلّادة، لكنّها لم تكن أمًّا بل مشروعًا أنانيًا محكم الحبك.
وفي الواقع، لم تكن حياة بحاجة إلى الحماية فقط، بل إلى هويّة، وإلى دور يعزّز قدراتها، وهنا تكمن خطورة شخصيّة نجلا: فهي لا تضرب أو تُعنّف، بل تحتوي لتسيطر. لهذا تستخدم اهتمامها بحياة كسلاح، والعزلة كسجن ملوّن، فتستدرج الفتاة إلى وضع طيّع، لا تسجن حياة بالقوة، بل بفضلية زائفة: أعطتها سقفًا، ولكنّها سحبت منها إرادة المغادرة.
فشخصيّة نجلا تُرسم بلونٍ قاتم: امرأة متسلّطة، تستغلّ طيبة الفتاة التي ربّتها لتنفيذ خطّطها المريضة، ويظلّ صوت نجلا يلاحق حياة: “الرجال كاذّبون وخدّاعون”. هذه العبارة تتكرّر على مسامع البطلة كنوعٍ من البرمجة العاطفيّة السلبيّة، مما يجعل القارئ يتساءل: هل الشرّ مكتسب أم موروث؟ وهل يمكن لحياة أن تتحرّر من قيود التنشئة وأن تنجو بإنسانيّتها؟

استخدام ذكيّ للمعطف
رمزيًا، استخدمت نجلا معطف الأمّ لتطوّق الفتاة نفسيًّا؛ ذلك المعطف الذي ظنّته غادة تميمة حظّ، أصبح بطاقة دخول لحياة إلى فضاء مغلق.لذا المشهد الذي تتأمّل فيه نجلا المعطف القديم وتربطه بذكريات والدها الخيّاط، ليس بريئًا؛ إنّه تأسيس لرابط وجدانيّ يوحي أنّ ما ورثته حياة ليس فقط المعطف، بل الوظيفة: أن تكون “حاضرة” في بيت نجلا كأنّها امتداد لشخصها المريض.
هذا الترميز يوحي أنّ نجلا لم ترَ حياة ككائن مستقلّ، بل كـ “كائن وظيفيّ”: للراحة، وللحنين. والمعطف الذي تركته حلا لابنتها، ليس مجرّد ثوب، بل هو ما تبقّى من الدفء، من الذكرى، من الأمومة. حافظت عليه غادة كأنّه “حجابها”
تحيلنا الرواية إلى سؤال تأمليّ: ما هو مصير الطيبة في عالم تتسيّده المصالح؟ وما الثمن الذي تدفعه المرأة حين تُستخدم كأداة ضمن مخطّطات غيرها، ثمّ تختار قلبها طريقًا؟
نرى أنّ الرواية تصوّر المرأة بصورتين متناقضتين: واحدة شريرة، متسلّطة، متشائمة، ترمز إلى التشوّه النفسيّ نتيجة تجربة خذلتها؛ وأخرى بريئة، تبحث عن خلاصها، ثمّ تكتشف الحبّ وتصارع لتحافظ عليه.
الطيبة التي تغيّر المعادلة
ماذا سيحدث حين تعرف حياة من هو مجد؟ وهل سيُصمد الحبّ حين تسقط الأقنعة، أم يشتدّ عمقه؟
تقع حياة في حبّ مجد ، في ما يشبه الانقلاب الوجدانيّ، ويقع فيها بذات الشغف. غير أنّ القصّة لا تُختزل في حبٍّ ينمو، بل في يقظة ضمير تتسلّل إلى روح الفتاة الطيبة. لذلك تبدأ خيوط الخداع التي حبكتها نجلا بالانكشاف أمام عينيها، وتكتشف أن المنزل الذي تعيش فيه، بيت بيروت، ليس ملكًا لنجلا، بل اغتصبته من مالكه الشرعيّ. وهنا تتّخذ حياة قرارًا جريئًا: أن تعيد البيت إلى مالكه الحقيقيّ، مجد، الذي يدخل حياتها كعاصفة رقيقة، حبًّا من نوع نادر، متوهّجًا، صادقًا، لكنّه غامضًا… فحياة لا تعرف من هو في الحقيقة.
والبيت الذي ترعرعت فيه لم يكن يومًا ملكًا شرعيًّا لنجلا، والمرأة التي ربّتها لم تكن حامية، أمّا مجد، فهو على النقيض التامّ: يقترب بهدوء، ويخفي هويّته لا لمكر، بل ليختبر صدقها، ليمنحها فرصة أن تختاره بلا تأثيرات خارجيّة.
وفي هذه المفارقة: امرأة تكشف حقيقتها لتخسر، ورجل يُخفي حقيقته ليكسب، تتجلّى مقدرة الكاتبة في تعقيد الحبكات النفسيّة، وفي قدرتها على تصوير الطيبة لا كسذاجة، بل كبصيرة داخليّة، تؤدّي بحياة إلى رفض الاستمرار في الكذب، وإعادة الحقّ إلى صاحبه.
وحياة لا تكتفي بالانفعال، بل تنتقل إلى الفعل: تعيد الحقّ إلى صاحبه. وهذا ما يجعلها، في نظر القارئ، امرأة حرّة قادرة على اتخاذ موقف أخلاقيّ في عالم رماديّ.
جرح لا يلتئم
ليست رواية بنات القدر للكاتبة كلود جعجع عبد المسيح مجرّد حكاية تُروى، بل هي نشيج مكتوم يعلو من قعر الحياة، من عتبة كوخ مسحوق، من أنين صدر مثقل بورم خبيث، من جسد فتاة تخدم كلبًا في سرايا بيروت. هي رواية لا تحكي قصّة خياليّة، بل واقعة اجتماعيّة متكرّرة في أزمنة لا تهتمّ بالضعفاء.
اختارت الكاتبة صوتًا داخليًّا، يُشبه البوح، يفيض بصدق تعبيريّ مؤلم، لذا اللغة محكيّة أحيانًا، والحوار بالمحكيّة اللبنانيّة يعمّق الانتماء إلى البيئة. إنّ البناء السرديّ قائم على كشف المستور؛ لهذا كلّ فصل شهادة على عنفٍ نال من النساء. وفي هذه الرواية لا تنتصر البطلة لأنّها أقوى، بل لأنّها أصدق، ولأنّها تمرّدت، ولأّنّها اختارت الحقيقة، حتّى لو كانت موجعة، ولأنّها أعادت بناء مفهومها لذاتها خارج الأوامر التي تربّت عليها.
هذه الرواية تُخفي تربة غنيّة بالأسئلة الفلسفيّة والوجدانيّة. وتقدّم للقارئ مرآةً يرى فيها وجوهًا متعددة للأنوثة، للحبّ، وللعدالة، وتدعوه لأن يصدّق أنّ الطيبة، مهما بدت ضعيفة، قد تكون أذكى أشكال المقاومة.
أما حياة، فهي الوجه المنكسر خُذلت لكنّها لم تخضع. كانت المرأة التي تتعلّم أن ترى، فلا تُخدع، لذا حين اكتشفت حقيقة نجلا، لم ترتبك بل اختارت أن تُعيد البيت إلى مالكه. وتقفز ّحياة في الرواية من جرح إلى جرح، ومن دون أن تفقد عزيمتها؛ فتُذكّرنا أنّ الألم ليس حدثًا عابرًا، بل بنية مستمرّة في حياة النساء، وكلّ أنثى، حين تنجو، تُعيد تشكيل العالم.



