سجلوا عندكم

فيروز… يا إلهتنا الأرضيّة

Views: 1933

د. رفيق أبو غوش

 عندما تفتحُ فيروزُ بابَ الصباحاتِ ينفتح العالم على موسيقى الإلهات، وعندما تُغلقُ أبواب السّهر، تكفّ الكائنات عن الكلام.

 هاتوا لغة تشبهُ لغتها: مطيّبة، معقّمة، نبيلة، صادرة بمرسومٍ خاص عن الفنّان الأول.

 كلُّ الكلام يحاول، لكنْ لن يصل حدود أبجديّتها. 

عندما اقتتلنا، وحّدَنا صوتها، وعندما تفرّقنا شيعًا وقبائل ولصوص وتجّار، وقطّاعَ طرقٍ جمَعَنا نبضها، وعندما تهنا في المجهول وجدنا ضالّتنا، وعندما اكفهرّ الكون من حولنا أزاحت بسمتها الغيوم العابسة. ويوم أقمنا المتاريس والكوابيس، وركلنا الوطنَ، وأسلمناه لطواغيتِ الداخل والخارج، كانت هويّتنا العابرةَ حدودَ حماقتنا وحقارتنا ونذالتنا.

 فيروز يا شرف الوطن المهدور على قارعة حكّامه، يا كبرياء القمم حين تغشاها النسور، يا دورتنا الدموية، يا طمأنينتنا الأزلية. يا نشوة عنب الوقت حين يخِزُ الخمرُ وجدان الصّحوِ بالنوتات الإبرية. 

يسمعك الله فيعلم أن الكون بخير وكذا الأبدية. يسمعك البحر فيغشاهُ مسٌّ، ويشاطئ صوتك، صوتك موجٌ ونوارسُ وحداءٌ وصهيلُ محيطاتٍ وغناءُ مجراتٍ وحنجرةُ عصافيرِ الشمسِ في دغشة صّباحاتٍ. لو تأخذين أعمار الطغاة والسّاسة والمسؤولين وتبقين أيقونةَ حياة أزلية. لو حُوّلَ هذا العالم إلى أنثى لنجا، لو سمع العالم صوت الأنثى لنجا، لو أن الصوت أنثى، واللحن أنثى، لو أن الله أخرج آدم من ركبة أنثى لاتّسعت قاطرةُ الرّجا. فيروزُ الأنثى الشاهدةُ التي بُعثت للنّاس رحمةً وفتنةً، ونزلت بردًا وسلامًا على البشريّة. فيروز، يا إلهتنا الأرضيّة.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *