سجلوا عندكم

في كتاب شيبان هيكل: “سيرتي، تاريخٌ وعِبَرٌ”

Views: 1231

د. جان توما

إلى شجرةِ الكستناءِ التي زرعَها “شيبان” شابًا في فِناء جامعتهِ في “كييف” عام 1978 عاد إليها ، بعد إحدى وأربعين سنة، عام 2019، هَرِمًا. وضع يديه على عودِهَا، لفَّهُمَا احتضانًا، فشعَرَ أنَّه ملكَ الدنيا، لذا جاءَ كتابُ شيبان هيكل “سيرتي، تاريخٌ وعِبَر، سجلًا موسوعيًّا شاهدًا عن أحداثِ العالَم والكون والحروب وصراع الأنظمة، ومن أينَ أتى المؤلّف؟ من قريةِ “أردة” المنسيّةِ حيثُ شعارُها” فلاح مكفي، سلطان مخفي”، في تداخلٍ بين السيرة الذاتيّةِ والسيرة ِالغيريّةِ لأشخاصٍ أو دولٍ. بالتالي، أنْ تخرجَ من سيرةِ حياةِ شيبان هيكل سالمًا، فهذا يعني أنّكَ مصابٌ مثلُهُ بحبِّ المغامراتِ، أو لعلّكَ ممن عايشوا الوضعَ اللبنانيَّ المتفجِّرَ وعاصَرْتَهُ، فصِرْتَ معَهُ في فَرَحِهِ ووجَعِهِ.

 

مِنْ آخرِ الكلامِ، واضحٌ موقفُ الكاتبِ: “ارجو ألَّا اضطرَ إلى الهِجرةِ مرّةً أخرى، فلبنانُ لَنْ أَتَخَلَّى عَنْهُ على الرُّغْمِ من المُغرياتِ الجُمَّةِ في بلاد الكنغر” (استراليا)( ص383)، كأنَّهَا دعوةٌ مِنْهُ أنْ تقرأَ الكتابَ من آخرِ سطرِ من آخرِ صفحةٍ قبلَ أنْ تنعجقَ بمغامراتِ الشابِ الذي طَلَبَ العِلْمَ ولو في الاتحاد السوفياتيّ.

صحيحٌ أنَّ الكتابَ من السطرِ الأوّلِ يدعوكَ إلى أنْ تخرجَ من زمانِكَ وترجعَ إلى “الزّمنِ الجميلِ”، ما قبلَ” ظهورِ الحاسوبِ والشبكةِ العنكبوتيّةِ” (ص 6)، والأصحُّ أنَّهُ تأخّرَ في اللحاقِ بالتكنولوجيا كما تأخّرَ والدُهُ في تسجيلِهِ عِنْدَ المختارِ لشهرين(ص18) لشدّة الفرح بالولادةِ الإنسانيّةِ، أو بالانتماءِ إلى العائلةِ والأرضِ، أو بالعقيدةِ الملتزمةِ شؤونَ الناسِ بمواطنةٍ حيّةٍ واقعيةٍ نابضةٍ، بدلَ مواطنةِ العالمِ الافتراضيِّ بإغراءاتِ التقْنِيّةِومَجرياتِ أمورِها الكاسحةِ الماسحةِ.

يعيدُك “شيبان هيكل” إلى البداياتِ العفويةِ، إلى البيتِ اللبنانيِّ المبعثرةِ غرفُهُ مع ألواحِ توتياء(ص19)، ووالدين أمّيين (ص19)، ولكنهما يتقنانِ أبجديّةَ الحياةِ. يردُّكَ إلى مشهديّة الدابةِ التي تنقلُ الماءَ(ص20)، قبلَ مدِّ شبكة مياهِ الشّفَةِ كالأحلام (ص20)، كما يرسمُ أوضاعَ قناديلِ الكازِ نمرو 3 و4 (ص23)، قبل أنْ يمدَّ ابن ” أرده” ” ناجي” الأسلاكَ لمرورِ التيارِ الكهرُبائيِّ وتخرب الدنيا تطوّرًا وتقدّمًا.

 

لا ينسى شيبان هيكل تعدادَ مظاهر الضيعةِ: سرقةِ البيضِ (ص30)، اللعبِ بالكلّةِ (ص31) إضرامِ النارِ في عيدِ الرّبِ(ص31)، مدرسةِ القريةِ (ص32)، الإسكافي(ص32)، ماكينةِالسنجر (ص 35) التنّورِ والطلمةِ (ص33)، قضبانِ الرّمانِ في خدمةِ المعلّمِ للتأديبِ (ص34)، شيطنتِهِ وهو طالبٌ وتوقيعِ دفترِالعلاماتِ عن الوالدِ(ص36)، الدشك (ص52)، تلفونِ القرصِ الدوّارِ الأسود( ص53) وغيرِها من المنمنماتِ التي تضيءُ على بساطةِالقريةِ قبلَ أنْ تنفجرَ اقتصاديًّا وعمرانيًّا وتكنولوجيًّا وليشعُرَ أهلُها كما يقول:” نحن لسنا وحدنا على هذا الكوكب، لنستفيدَ من خبرات غيرنا”(ص26)، قولك يا دكتور “شيبان” بعد تجوالِكَ وأدبِ الرحلةِ الخاصِ بكَ من بعدِ زيارتِكَ 34 دولة في أوروبا وآسيا وأوقيانيا وأخيرًأ أفريقيا (ص. 376): “ألم يكن من الأفضلِ لو بَقِينَا وحدَنا؟!”

يشيرُ شيبان في التفاتةٍ إلى عملِ أبيهِ في معاملِ غندور على البحصاصِ بطرابلسَ (ص37)، هذا يفتحُ الجرحَ الكبيرَ في مسائلَ تشكّلُ همًّا عند أهلِ المدينةِ ومسوؤليها في كيفيّةِ استعادةِ الطاقةِالاستيعابيّةِ لطرابلسَ بمؤسساتٍ اقتصاديّةٍ وتعليميّةٍ وصناعيّةٍوزراعيةٍ. كان أهلُ الجوارِ كلُّهُمُ هنا،  فلمَ لا يعودونَ؟ والدُهُ المستقرُّ في ضيعتِهِ، والمرتاحُ في مهنتِهِ، كانَ قَنوعًا أنَّ حدودَ العالمِ تبدأُ من سهولِ “أردة” وتنتهي عندَ شاطىءِ “طرابلس” ، لكنَّ رياحَ دراسةِ الطبِّ أوّلًا عندَ ولدِهِ شيبان وفي “آخر الدني”، الاتحادِ السوفياتيّ، كانت هي بامتيازٍ “رحلة إلى المجهول”(ص58)، فجال في موسكو وكييف وزابوروجيا ولاتفيا ولتوانيا وأستونيا والمجر ويوغوسلافيا واستراليا وبلادِ العالمِ مسجّلًا ما رآهُ وما مرَّ بهِ من وجعٍ وفرحٍ، من يُسْرٍ وعُسْرٍ، قبل أن ينهيَ دراستَهُ في الهندسةِ الإلكتروميكانيك بدلَ الطبّ (ص51) ليكتشفَ رابطًا خفيًّا من طبابةِالإنسانِ واستعادةِ هندستِهِ وبالتالي هندسةِ العالمِ الذي يحيا فيه.

جالَ “شيبان” في عواصم الأرض محاولًا العثور على ضيعتِهِ المفقودةِ، طافَ كالمتنبي في إماراتِ العالمِ وممالِكِهِ باحثًا عن أرضٍ يركُنُ إليها، فلملمَ مع المتنبيّ غبارَ معاركِهِ وتجوالاتِهِ وأودَعَهَا كيسَ مخدَّتِهِ، ليسندَ رأسَهُ المليءَ بقارورةِ الأحلامِ، يستحضرُهَا ليعيشَهَا، ليكشفَ أنَّهُ ما أدركَ هَدَفَهُ، ولم يَنَلْ مبتغاهُ. كلُّ ما يَعْرِفْهُ  أنَّ الدنيا تتشظّى من حولِهِ منذُ   صَعَدَ الوطنُ راكبًا إلى بوسطةِ عينِ الرمانة (ص46)، حيثُ بدأَ الشبابُ ينزلونَ منها في محطاتِ العالمِ، فباخوس إلى استراليا وإسبر إلى كندا (ص 48)، إلّا شربل (ص64) الذي عادَ إلى أرضٍ ثابتةٍ ليقفَ على قبرِ حبيبتِهِ الشهيدةِ نجوى في قرية عشاش (ص 66).

 

منذ خرجَ “شَيبان هيكل” من هيكلِهِ ضَرَبَهُ الشَيبانُ وهو يطوفُ في معابدِ العالمِ، وعلى الرّغمِ من تلاوينِ العَصْرِ الساحِرِ بقي على مودّةِ البداياتِ بالأبيضِ والأسودِ، في كرومِ “أرده” وسهولِها وتلالِها وانبساطِ أهلِها بعفويتِهم وطيبتِهم . ما خالفَ شيبان أباه في خروجه من الضيعة فقط إلى اتحاد دول(ص52)، بل خالفَ، أيضًا، موقفِ الوالدِ الثابتِ من أنَّ الدخولَ إلى الاتحادِ السوفياتيِّ  ليس كالخروجِ منه، فعادَ إلى ألواحِ التوتياءِ(ص19) وليالي السمرِ في هذه البلدةِ التي تعني له العالمَ الذي يبدأ هنا وينتهي هنا لولا وجوهُ الأبناءِ والأهلِ المنتشرة في أصقاعِ الكونِ، لكأنَّ خطَّ الاستواءِ لا يستوي إلّا قربَ نبعِ الضيعةِوقادومياتِ العمرِ الذي “راح والجايي”

***

*مداخلتي في ندوتين: قرية أردة في قضاء زغرتا- الجمعة ٢٦ أيلول وفي مركز الصفدي بطرابلس ٣ تشرين الأول ٢٠٢٥ مع الزملاء: جان حبور ومصطفى الحلوة ومحسن يمّين.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *