سرّ التوازن في الحياة بين الوجود والواقع اللبناني

العميد الركن المتقاعد صلاح جانبين
الحياة في جوهرها ليست حالةً من السكون أو الكمال، بل حركةٌ دائمة تقوم على التوازن بين الأضداد. فمنذ بدء الوجود، يتصارع الخير والشر، لا بهدف إلغاء أحدهما الآخر، بل من أجل الاستمرار. وهذا الصراع هو سرّ الوجود، وهو ما يحفظ للإنسان إنسانيته، ويمنحه القدرة على التمييز والاختيار والصمود.
فلا قيمة للحَسَن من دون السيئ، ولا معنى للعدل من دون الظلم، ولا يُدرك طعم الحلو إلا بعد المرّ. كذلك لا يُعرف الفرح حقاً إلا بعد الحزن، ولا تتجلّى القوة إلا بعد الضعف. هذه الثنائيات ليست عبثاً، بل هي قانون كوني يذكّر الإنسان بأنه كائن مُختبَر، لا معصوم، وأن الحياة مدرسة قاسية أحياناً، لكنها عادلة في تداول أدوارها.
فاليوم يومنا، وغداً يومكم. وما تفرحه لمصيبتي اليوم، قد يصبح غداً سبباً لفرح غيرك بمصيبتك. لذلك، فإن الشماتة والتعصب والكراهية ليست سوى قِصر نظر، وجهلٍ بحكمة التداول التي لا تستثني أحداً. فالأيام تدور، والظروف تتبدّل، ولا يبقى في النهاية إلا الموقف الإنساني شاهداً علينا.
غير أنّ المؤلم في واقعنا المعاصر، وخصوصاً في لبنان، هو أنّ هذا التوازن الطبيعي اختلّ بفعل البشر، لا بفعل القدر. فلم يعد الصراع يدور فقط بين الخير والشر، بل بين المصلحة والضمير، وبين الفساد والحق، وبين دولةٍ ضعيفة وشعبٍ متروكٍ لمصيره.
يعاني اللبناني اليوم من فقرٍ ينهش كرامته، ومن فسادٍ استشرى في مفاصل الدولة، ومن ضعفٍ واضح في المؤسسات التي وُجدت أساساً لحماية أبنائها وتأمين أبسط حقوقهم. لم يعد المواطن يطالب بالرفاهية، بل يطالب بأبسط مقومات العيش الكريم: دولة تحميه، وعدالة تنصفه، وأمناً يصون حياته، وسلطات قادرة على الدفاع عنه في وجه الأخطار، وتأمين الحد الأدنى من مقومات الاستقرار والكرامة.
وفي بلدٍ يُفترض أن يكون نموذجاً للتعدد والتلاقي، نشهد اليوم انقساماً حاداً وتعصباً يصل أحياناً إلى داخل البيت الواحد. تتصدع العائلة، ويتخاصم أبناء المنطقة الواحدة، ويُخاصم ابن الوطن أخاه، فيما تُرفع رايات الولاء للخارج، حباً بمصلحة الغير، وكرهاً لابن الوطن، في مفارقةٍ مؤلمة تهدد معنى الانتماء ذاته.
وهنا تكمن المعضلة الكبرى: كيف نطالب بالتوازن في الحياة، ونحن نفتقده في مواقفنا؟ وكيف نلوم الواقع، ونحن نغذّي الانقسام، ونبرّر الظلم، ونتعايش مع الفساد كأنه قدر لا يُردّ؟ إن ضعف الدولة لا يبرّر ضعف القيم، وغياب الحماية لا يشرّع الكراهية، والفقر لا يجب أن يكون سبباً لفقدان إنسانيتنا.
إن لبنان، بما يحمله من تنوّع وتناقض، هو صورة مصغّرة عن سرّ الوجود نفسه. ففيه الحلو والمر، والألم والأمل، والانكسار والصمود. وما بين هذا وذاك، يبقى التوازن هو طريق الخلاص: توازن بين الاختلاف والوحدة، بين المقاومة والبناء، بين القوة والحق، وبين المصلحة الفردية والمصلحة الوطنية.
وفي الختام، لا يمكن للحياة أن تستقيم بلا توازن، ولا للأوطان أن تُبنى بالكراهية والتعصب. فحين ندرك أن الخير والشر اختبار لا مبرر فيه لفقدان الضمير، وحين نؤمن بأن الوطن ليس ساحة صراع بل مساحة شراكة، عندها فقط نستعيد إنسانيتنا، ونحفظ وجودنا، ونمنح الأجيال القادمة حقها في حياة كريمة، آمنة، ومتوازنة.



