سجلوا عندكم

تطور البنية  الإيقاعيّة في القصيدة العربية المعاصرة

Views: 609

وفيق غريزي

ما ان اطل القرن العشرون  حتى اخذ احد الشعراء والنقاد العرب يدعون إلى ضرورة تجديد الشعر العربي ليلائم العصر ، وجماعة “ابوللو ” في مصر ومدارس اخرى مثل  المدرسة المهجرية ، ومدرسة “الديوان” ، والشعر الرومانسي والرمزي ، ثم في الشعر المعاصر ، وقد تنوعت أشكال القصيدة بين شكل الشطرين ، والشكل المرسل ، والنظام المقطعي ، وشعر التفعيلة ، وسواها ، وكان لا بد من ان يتغير نمط الحياة والتطور المهم الذي حدث في عصرنا الراهن .

وقد افاد الشعراء المعاصرون من هذه المحاولات فوسعوا من نطاقها واضافوا اليها إضافات اخرى بحكم ثقافاتهم الجديدة ، وصلاتهم بالشعر الأوروبي ، وهذا ما اكده ( س. موريه ) بقوله :  ” ان الشكل التقليدي للإيقاع يجر الشاعر إلى استخدام أسلوب وإيقاع وتكتيكات تضرب بجذورها في اعماق عقله الباطن ، وتملي عليه الإيقاع والمعجم والأسلوب ، وتغلبه على إبداعه وشخصيته “.

بينما الوسائل الجديدة التي ياخذ بها الشعر الحر تتيح للشاعر قدرا اكبر من الحرية التي تقوده في طريق الابداع ، وهذا ما دفع الشعراء في عصرنا إلى ايجاد استعارات موزونة غير منفصلة عن اصل الأوزان العربية الخليلية . وقد كان هذا العمل بمثابة تفتيش عن ترميم  العروض العربية التقليدية واستبدالها بعروض جديدة ، وهذا يعني ان شعراءنا عادوا إلى صميم العروض العربية ليستخرجوا منها أوزانا جديدة .

 

الإيقاع في الشعر وعناصره:

الإيقاع عنصر اساسي في النص الشعري وجزء اولي في مكونات بنيته ، وسمة تميزه من النص النثري . ولا يخفى دور الإيقاع في نقل الاحساس إلى المتلقي ، لانه يميل وفقا لقانون علمي وهو قانون العدوى الفنية إلى امن ينقل الانفعال إلى قلب السامع .

فالصورة والعواطف لا تصبح شعرية بالمعنى الحق إلا  إذا لمستها اصابع الموسيقى ونبض في عروقها الوزن . ويعد الإيقاع كما يوضح ناصر الحميدي ومحمد العرابي في كتابهما المشترك ( تطور البنية الإيقاعيّة في القصيدة العربية المعاصرة ) ان احد اهم عناصر انتاج الدلالة في النص الشعري ، فالأبنية الإيقاعيّة تكون قوية ومتجانسة بحجم عمق التجربة الي يعيشها المبدع ، فالايقاع شعور تجسمه المادة التي يتلبس بها ليتخذ شكلا ماديا ، وهو يؤول إلى التجربة الشعرية ونوعيتها . ولقد اتسم العصر الحديث الذي نعيشه بتطورات سريعة في شعرنا المعاصر بدأت بالمدرسة الكلاسيكية الجديدة التي تزعمها امير الشعراء احمد شوقي ، فالمدرسة التطورية التي تزعمها شعراء الديوان ، وانتهت بمدرسة التحرر والانطلاق في جماعة ابوللو ودعاة الشعر المرسل وشعراء التفعيلة ، وقصيدة النثر ، والحق حسب قول الحميدي والترابي:” ان هذه المدارس كانت جميعا وليدة التفاعل المستمر بين التيار العربي القديم ، والتيار الأوروبي الحديث ، وبمقدار درجة التفاعل بين التيارين تكونت الأنماط الجديدة “. والشعر الجديد لم ينبثق من فراغ ، ولم يبرز إلى الوجود بصورة فجائية ، ولكنه في واقع الأمر يعد حركة تجديدية تختلف بدورها عن حركات التجديد التي سبقتها ، وافادت منها اكبر فائدة عن طريق الانطلاق بايجابياتها إلى الامام من ناحية ، وعن طريق تجنب سلبياتها من ناحية اخرى . ان الحركة الشعرية الجديدة سايرت العصر الحديث ، ولم تبعد كثيرا عن التراث ، لان الحاضر وليد الماضي ، والحضارة المعاصرة لها جذورها في الحضارات جميعها ، وكل الحضارات في مختلف انحاء العالم تأخذ من غيرها وتستفيد من الجديد وتجدد تياراتها . والشاعر الحديث في محاولته لتطوير الشكل الموسيقي للقصيدة العربية واكتشاف إمكانيات تعبير وإيحاء لم يتخل كليا عن الشكل الموروث باشد صيغه احكاماً وصرامة ، فظل يستعمله إلى جانب الأنماط الموسيقية الأخرى التي  اكتشفها . او بتعبير ادق استولدها من هذا الشكل الموروث “. ان التجديد في بنية القصيدة العربية المعاصرة جعلها قادرة على استيعاب المضمون الحديث بدون ان تكون عالة على القديم في بنائها ، وانتقلت بذلك من كونها قيمة لغوية – بلاغية لتصبح قيمة جمالية ذات دلالة إنسانية موجبة تدلل على انه يعد صياغة فنية لروح الحضارةالتي شملت جوانب الحياة المختلفة.

بنديتو كروتشه

 

البنية الإيقاعيّة في القصيدة التقليدية:

يعتبر البيت في البنية الإيقاعيّة ، في قصيدة ذات الشطرين التي تحضع لبنية البحر العروضي التي اكتشفها الخليل بن احمد الفراهيدي وحدة موسيقية منفصلة مع الالتزام بروي واحد في نهاية كل ابيات القصيدة ، فالوزن هو الصفة الجوهرية للشعر ، ويرى بعض النقاد ان الشعر موسيقى تحولت الفكرة فيها إلى عاطفة ، وان كانت العاطفة بدورها ، هي مصدر الوزن نتيجة جهد الشاعر التلقائي في  السيطرة على فورتها . اما بنديتو كروتشه فيؤكد اهمية الموسيقى في الشعر قائلا ” انك لو جردت  الشاعر من أبحره وألفاظه وقوافيه ، لما بقي هناك فكرة شعرية كما يخيل الى بعضهم ، بل لما بقي شيء ، فانما نشأ مع هذه الألفاظ ، وهذه القوافي وهذه الأبحر “. ومن وجهة نظرالمؤلفين فان الإيقاع في القصيدة التقليدية يعد بمثابة تجانس لغوي آخر غير الأوزان ، وان تغلب النظام الإيقاعي على النظام اللغوي، فالتفعيلات اطر كمية تأخذ مداها الزمني حين ترتبط ببيت الشعر المنطوق حقيقة وواقعا ، ومن ثم القصيدة التقليدية تمثل اكثر من وجه إيقاعي

وذلك لا ينفي وجود النمطية في العديد من القصائد ، فالتغير في الأبنية الايقاعية يكون محدودا لا سيما المقاطع ، حيث تتأثر بكثرة االالتزامات العروضية بشكل مباشر وتعد التفعيلة في القصيدة هي الاساس الذي يقوم عليه تنوع الإيقاع بين بيت وبيت ، وبين شطر وشطر ، فالايقاع ،” ليس إلا بناء تابعا للمعنى يخضع لصوره ، التي تتغير من بيت إلى بيت آخر ، والذي يؤدي بدوره إلى أن يتلائم البناء الإيقاعي مع حجم هذه التغيرات “. فالبنية الإيقاعيّة في القصيدة التقليدية بمثابة اتفاق بين الشاعر والمتلقي على اطار إيقاعي واضح الحدود . فالشاعر يكون محكوما بايجاد أبنية إيقاعية متوازية مع الانساق المقطعية  التي يسمح بها الوزن الشعري . ” فالوزن لا وجود له إلا باعتباره علاقة بين المعنى والصوت “. ومن ثم فان دراسة إيقاع القصيدة التقليدية ينبغي ان تتجاوز اطار النظر اليه على انه نظام صارم يمنح دلالته من البيت الاول ، وانما نظام يمثل صورة حسية لبنائه الدلالي ، وحيث يجسد  الشاعر فيه  أفكاره وعمق احاسيسه.

ستيفان مالارميه

 

الشعر الحر:

الشعر الحر الذي لا يتقيد بقافية ولا بحر ، ويتحدد هذا الضرب من الشعر بعدد المقطوعات ، لا ينتظم فيها عدد الابيات ، ولا عدد التفعيلات في البيت الواحد ، ولا أسلوب التقفية ، وقد أولع به شعراؤنا الجدد ، وذلك كما يرى المؤلفان ، عندم اشتد اتصال الشعراء العرب بالشعر الأوروبي ، فزادتطلعهم الى البحث عن كل جديد في الوسائل والموضوعات والتقنيات والاستعارات والأشكال الفنية كماازداد تطلعهم الى تحرير انفسهم من كل ما يمت إلى الشعر التقليدي في الاعتبارات التي كانت تعد بها القصيدة الشكل الفني الذي يحظى بالرضا ويمتاز بالسمو والكمال.

ويعتبر بعض النقاد ” ان قصيدة الشاعر الفرنسي ستيفان مالارميه ( رمية نرد ) ارفع مثال لتطورالشعر الحر ، لان مالارميه سعى الى تحقيق شعر صاف ، فأضحى الفرق  بين شعره وشعر من سبقه كالفرق الذي بين الموسيقى الفكرية التجريدية والموسيقى الوصفية .

واغلب الظن ان حركة الشعر الجديد لا يمكن ان ترتد أبوتها إلى قصيدة  واحدةللويس عوض ( الكاتب المصري )، او اخرى لنازك الملائكة او بدر شاكر السياب ( العراقيان ) ، ” فقد ظهرت هذه الحركة نتيجة طبيعية لمحاولات متوالية اقدم عليها الشعراء في سبيل تطوير البنية الإيقاعيّة للشعر العربي “.  ولقد شهدت قصيدة الشعر المعاصر منذ بداياتها حتى الآن اجيالا عدة أبرزها ثلاثة اجيال متعاقبة من الشعراء : جيل الأربعينيات وجيل الخمسينيات ، وجيل الستينيات ، حيث الانتقال من الشكل العمودي إلى الشكل الحر ، ومراحل من الانتاج ، تحسب فيها ان الشاعر لم يأل جهدا في تطوير أدواته الفنية ، وآفاقه الفكرية . ومعنى هذا ان جيل الخمسينات لن تنته رحلته الشعرية عند ريادة حركة الشعر الحر، ولم تقف جهوده عند نهاية عقد الخمسينيات بل  ظل حتى اليوم من مراحل تطويرية إلى مرحلة اخرى .

ولقد تحركت القصيدة العربية الحرة بعد نازك الملائكة والسياب وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري مع جماعة مجلةشعروشعراء مجلة الآداب بكل اساليبها ولغاتها على ارض واسعة مفتوحة كثيرة الفسوخ والمطبات ، وما تشيده من علامات ونصب ابداعية متباينة يظهر كانه قابل للإضافة او للتغيير الواصل إلى حدود النسف ، وقد ” ظهر الصراع الاسلوبي في القصيدة العربيةالحرة والحديثة ، قريبا مما قاله عبد القاهر الجراجاني ، ان القصيدة تحاور ذاتها وتحاور غيرها على امتداد الزمان ومن الطبيعي ان تتصارع البني الإيقاعيّة ، تتداخل وتتعارض ، وترسم معالمها في افق مفتوح من الحرية وحق التجربة والرفض وحق التجريب “.

بدر شاكر السياب

 

الهندسة الصوت:

ان موسيقى الشعر الجديد هو الإيقاع الداخلي المتمثل في بناء الكلمات والجمل ، وذلك هو الميدان الفسيح الذي تظهر فيه عبقرية الشاعر الجديد ، وهو يوقع على اوتار معانيه فيما يختار من لفظ او تعبير بمعاني الكلمات وخصائصها الموسيقية . وقد وجد الشعراء الجدد في الإيقاع الداخلي راحة تعبيرية تنسق عواطفهم وفق حالاتهم الشعورية . ويشير المؤلفان إلى ان الإيقاع انواع ، فهناك الإيقاع الصوتي  ، والإيقاع البصري ، والإيقاع الادراكي ، والإيقاع الصوتي في القصيدة التقليدية تمثلها الموسيقى الخارجيةللانظمة الصوتية للحروف ، اما الايقاع البصري فيتم من خلال التنضيد الذي يتم من خلال البيت الشعري المشطور مع القافية المتكررة في نهاية كل بيت ، والإيقاع الادراكي ، يتم عن طريق الصيغ اللغوية والصور الشعرية وجمال الفنون البيانية .

ولقد اشار النقد الحديث فيما يتصل بالإيقاع والموسيقى الداخلية إلى انها  تمثل المعنى في التعبير يقتضي تمثل موسيقاه ، ومن هنا يظهر تنويع الصوت حسب موقع الكلمة والجملة ، ثم حسب الاستفهام والتعجب والنداء والإثبات والنفي والتقرير والإنكار وغير ذلك من أنواع الخبر والإنشاء وهي الوان من النغم اذ روعية اضافت نواحي جمالية ، يحس فيها بجمال التعبير من جانب موسيقاه ، وبذلك يكمل التأثير النفي لدى السامع والقارىء  “. وتنبع موسيقى الشعر الجديد من تناغم داخلي حركي يمكن الألفاظ من حمل شحنات موسيقيةمناسبةلانفعال الشاعر ودفقاته الشعورية ، ووجه الكثير من شعراء الشعر الجديد  ، جل اهتماماتهم الى الإيقاع الداخلي ، قاصدين من ذلك إغناء موسيقى القصائد بخلق نمط من القوافي الداخلية التي تتوزع عفويا داخل الأسطر الشعرية فتضفي على القصيدة جوا موسيقيا داخليا ، وهذا الجو غالبا ما يكون خافتا هادئا .

ويعتقد المؤلفان بان المقطع الصوتي يعد اصغر وحدة صوتية في السياق اللغوي ، وبذلك يعد اللبنة  الاولى التي يتشكل منها النص الشعري والادبي ، وله وظيفة فنية ، اما الوظيفة الفنية فان تماثل الإيقاع يسهم في تشكيل جماليات النص الادبي وبخاصة النص الشعري . ” وكما ان اللغة التي تقوم على مبدأ المقاطع لغة إيقاعية اكثر من غيرها كالعربية ، ومن هنا اتى سحر الكلمة في العربية . صوتيةذات قيمة كمية تتدرج فيها المقاطع اللفظية” .

إلياس ابو شبكة

 

الشعراء الجدد:

شعراء لبنان الجدد أشد شعراء العرب تعلقا بنمط الشعر الحر لإعجابهم بالشعر الفرنسي ، لان الشرقيين وخصوصا اللبنانيين قريبون الى الفرنسيين في ذوقهم وفطرتهم . ” ولقد حاول شعراء لبنان الجدد ومن تبعهم في العالم العربي اكتشاف وسائل تحتفظ بالإيقاع الواضح للوزن الشعري ؛ التي تمنح الشاعر حرية اكبر ، وتسمح له بان يحدد التعبير الفني الخالص عن العاطفة والاحساس والفكر ، وأنماط الإيقاع مع ايجاد مرونة في استخدام الوزن “. فشعراؤنا هؤلاء الذين اخذوا يتقربون درجات إلى الشعر الحر لم يجذبهم اطراح الإيقاع الشعري ، والأخذ  بالايقاع النثري ، لقد كانوا على اقتناع بان الوزن ركن اساسي من اركان الشعر ينقذهم من الانحدار إلى مستوى النثر ، لذا اكدوا عليه ، مع محاولاتهم في تحرير الشعر من قواعد العروض الأساسية . وقد واصل التقنية الجديدة : إلياس ابو شبكة ، في عدد من قصائده . حيث استخدم ابو شبكة التقنية نفسها في قصيدته ( غلواء ) وكذلك تلاعب بالأوزان في غير مقطوعة من ديوان ” الالحان” …..

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *