“غاندي: طريق السلام”… إيمان مطلق بوحدانية الخالق ووحدة العائلة البشرية
محمود شريح
فارس زعتر في مبحثه غاندي: طريق السلام (دار نلسن، 2026، لوحة الغلاف: جورجيت سمير زعتر، خطوط ياسر بدر الدين) هي فصول أربعة يضمّها الكتاب استعادة حرفيّة لأربع مقالات نشرها الأستاذ زعتر في مجلّة صوت داهش بنيويورك ما بين عامَيْ 1995 و1998، والدافع الذي حدا به الآن إلى إعادة نشرها هو أنَّ المشكلات التي يعاني منها لبنان والشرق الأوسط عموماً، والتي هي في الواقع مشكلات عالمية لا يخلو منها أيّ مجتمع من المجتمعات، وإن بدرجاتٍ متفاوتة، وفي اعتقاده أنَّه يمكن الإفادة من الأفكار الفذّة، والوسائل العملية المبتكرة التي اعتمدها المهاتما غاندي في مواجهة الاستعمار البريطاني، ومفاسد المجتمع الهندي وانقساماته على خلفياتٍ دينية وطائفية وإثنية وطبقيّة، مشيراً، بادئ ذي بدء، إلى أنَّ هذه الأفكار، والوسائل العمليّة المنبثقة منها التي رسَمَ بها طريقَ التحرُّر المثالي من النير الأجنبي، لا تنفصم عن دعوتهِ إلى إصلاح الفرد وتحريره، وتحرير المجتمع، من المعتقدات الظَّلاميّة الفاسدة، والتقاليد البالية التي أسبغَ عليها الزمن مسحةً من قدسيّة مزيّفة استغلّها المستفيدون من تكريس الطبقيّة والمنبوذيّة والنظرة الإقصائية إلى الآخر، ناهيك عن أفكار غاندي الجريئة في فهمه للدين ولتعدّد الأديان، وإخضاعه المسلّمات الدّينيّة المتوارثة، وحتى ما جاء في الكتابات الدينية المقدّسة، لحكم العقل. فهو يرفض أيَّ معتقدٍ ديني لا يقرّه العقل ويتنافى مع جوهر الدين الذي هو، في شرعه، خدمة الضعيف والفقير والبائس، فالله، في مفهومه، هو الحقيقة والمحبّة التي لا تفرّق بين إنسان وآخر.
يرى الأستاذ زعتر أنّ العالمَ اليوم يشهد تصاعداً مطَّرداً للعنف، وسباقاً محموماً على التّسلح واقتناء أسلحة الدّمار الشامل. ويترافق هذا المنحى مع تنامي الحركات القوميّة العنصرية والدينيّة، والأفكار الدينيّة التكفيريّة المتطرِّفة، واضطهاد الأقليات وتخوينها واعتبارها فلولاً استعمارية عميلةً للخارج، لا جزءاً لا يتجزّأ من النّسيج الاجتماعي، يتمتّع أفرادُها بالحقوق ذاتها التي يتمتّع بها أيّ فردٍ آخر من أفراد المجتمع إلى أي مجموعة إثنية أو عرقيّة أو دينية انتمى.
يلحّ الباحث على أنّ أحد أهمّ الإنجازات التي حقّقها غاندي تتمثّل في فهمه العميق لمفهوم الدين وللوحدة الدينيّة التي تجمع الأديان المتعدّدة. فآراء غاندي في الدين والأديان مذهلة بجرأتها، وبسموّها، وبالدور المحوريّ الذي محضَهُ للعقل في تفهُّمها والاقتناع بتعاليمها أو رفضها، بما في ذلك نقدها بموضوعيّة. وقد أكَّدَ على أن فصلَ الدين عن الدولة لا يتعارض مع الدين، بل إنّه مبدأ ديني أساسي. فالحريّة الدّينيّة المطلقة مرتبطة بالمساواة بين الناس.
يخلص الأستاذ زعتر إلى أنّ طريق السلام الذي دعا إليه المهاتما غاندي، وعبّر عنه بحياته وأفكاره، يقوم على الإيمان المطلق بوحدانية الخالق، وبوحدة الأديان الجوهريّة، ووحدة العائلة البشرية، وبأن البشر إخوة، يتمتَّعُ كلّ فردٍ من أفراد هذه العائلة الإنسانية، سواءٌ أكان رجلاً أم إمرأة، ومهما كان عِرقه أو لونه، وغناه أو فقره، بالمساواة في الحقوق والواجبات، ومن بينها بالأخص الحرية الدينية المطلقة، واعتماد مبدأ اللاعنف على جميع الصعد مع إقرار الباحث بأنّ هذه العناوين العريضة لا تغني عن الغوص في التفاصيل التي تشرحها، والفلسفة التي ترفدها، إذ حاول في فصول هذا الكتاب أن يستعرضها وأن يلقي أضواءً كاشفةً عليها.
يصدّر الأستاذ زعتبر مبحثه بالكلمة التي دوّنها الدكتور داهش في دفتر الزيارات لمتحف غاندي في نيودلهي لدى زيارته بتاريخ 13 شباط 1983 (المرجع: كتاب الرحلات الداهشيّة حول الكرة الأرضية، المجلّد 20 (الجزء الأول) ص 195، الدار الداهشيَّة للنشر، الطبعة الأولى، عام 2000):
إنَّ اسمَكَ، أيُّها المَهاتْما العظيم،
قد خلَّدَهُ عُزوفُكَ
عن مُغريات الحَياة الدُّنيَا الزَّائلَة،
فإذا بملايينِ الشِّفاهِ
تُردِّدُ اسمَكَ بقدسِيَّةٍ فائِقة.
الدكتور دَاهِش



