سجلوا عندكم

 حين يتبدّل وجه النهار… ويتبدّل الإنسان

Views: 94

ميراي شحاده

أيّها الأحبة، أهل القلم والفكر، أسعدَ الله مساءكم.

غريبٌ هذا المساء. في الخارج ينتظر العالم ، كرةً صغيرة… كرةً قد تعبر خطًًّا أبيض، فتصرخ أمّةٌ، وتصمت أخرى. كرةٌ قد تجدّد مصير أممٍ في دورة كأس العالم، وتبدّل، لساعات وربّما لسنوات، وجه الكرة الأرضية. وفي جنوب لبنان الحبيب، وفي شرقنا المضنى وعلى شاشات الأخبار، ننتظر البيانات الملاحية من مضيق هرمز كي تُبدّل وترمّم ما تبقّى من إنسانيّة هذا الكوكب ورأسماليّته المتوحّشة…علّنا نغادر الكهف المظلم الذي نعيش خيباتِ ظلالنا فيه منذ زمن بعيد. 

أمّا نحن هنا، في هذه الأمسية…لا ننتظر كرةً تعبر مرمى: نقف أمام كلماتٍ تعبر الإنسان. هناك، قد يتبدّل وجه الكرة الأرضية…وهنا، مع أمل وجيه ناصر يتبدّل وجه النهار. والفارق، ربّما، أن ضجيجَ الملاعب يُسمع من بعيد…أما تبدّلات الروح، تحدث غالبًا في صمت.

 

حين أمسكتُ هذا الكتاب، وكنّا نحتفي به معًا في أول توقيع لهذه السنة في معرض الشارقة الدولي مع الممتلئة أملًا ونصرًا وعزيمةً، لم أتوقف أولًا عند قصة، ولا عند شخصية…

يسحرُك العنوان من القٍبلة الأولى: “حين تبدّل وجه النهار” وتحديدًا، توقفتُ عند كلمتين:

تبدّل… ووجه.  ولم أكن قد قرأت بعد المقدمة الرائعة التي خطّها العميد بعين الأديب الناقد ومحبرة المحبة والرقي…

 لماذا تبدّل؟ ولماذا وجه النهار؟ وكنت أريد اكتشاف سر عنوان أمل ناصر المدوّي واللافت دون أن أحاورها في الموضوع…

من الجهة الفلسفية، التبدّل ليس حادثًا يطرأ على الوجود، بل هو جوهر الوجود نفسِه. فالعالم لا «يكون» في حالة ثابتة، بل هو في صيرورة دائمة. ومن هنا ارتبط فكر هيراقليطس بصورة النهر: لا نعبر النهر ذاته مرتين، لأن مياهه تتجدّد، ولأن العابرَ نفسه لم يعد تمامًا الشخص الذي كانه في العبور الأول.

لعلّ مأساة الإنسان أنه يبحث عن الثبات في عالمٍ جوهره التبدّل؛ يتعلّق بحبٍّ يريد له الخلود، وبوجهٍ يريد له البقاء، وبلحظةٍ يتمنى لو تتوقف… بينما الوجود، كما رآه هيراقليطس، نهرٌ لا ينتظر أحدًا.

تتغيّر المدن والملامح والأمكنة. لكن التبدّل… التبدّل شيء آخر. هو ذلك التحوّل الذي لا يمرّ على الإنسان، بل يمرّ فيه: إمّا يتلاشى فيسحقُه في غياهب الوجع أو يتمرّد فيبتكرُ له جناحين كي يحلّق بهما من جديد إلى الفضاء الأعلى. 

وذلك الحدث الذي لا يضيف يومًا آخر إلى حياتنا، بل يقسمها إلى زمنين: ما قبله… وما بعده: بعد الحب، لسنا كما كنّا قبله. بعد الخِذلان، لا نثق بالطريقة نفسِها. بعد الفقد، قد تشرق الشمس في موعدها تمامًا…لكن شيئًا فينا لا يستقبل ضوءها كما العادة.

وهذا هو التبدّل: أن تعود إلى المكان ذاته… فلا تجد الإنسان الذي كنتَه فيه.

 

أمّا الوجه هو الذي يفضح ما تحاول الروح إخفاءَه: إن النهار ما زال هناك لكن المعنى الذي يظهر به  هذا أو ذاك النهار، لنا قد تبدّل.

فالوجه، فلسفيًا، هو الظهور. هو المساحة الجسدية التي يخرج فيها الباطن إلى العالم. ولعل النهار في هذا الكتاب له وجه، لأن الزمن هنا ليس ساعةً ودقائق…

الزمن حالةٌ نفسية. وقد أبدعَت صديقتي أمل في توظيف طيفٍ واسع من الأحاسيس الإنسانيّة، حتى بدت شخصيات الكتاب، في قصصه الثلاث عشرة،وكأنها ساحاتٌ حيّة للتناقض الوجداني ولجدليّة الأضداد. فشخصياتها لا تسكن شعورًا واحدًا، بل تعيش في المسافة المتوترة بين الحب والخوف، بين القوة والهشاشة، والتعلّق والرغبة في الرحيل. وكأن الإنسان عندها لا تتجلّى حقيقته في أحد النقيضين، بل في الصراع القائم بينهما. ومن هذا تحديدًا، يتبدّل وجه نهاره.

مع ليليان، البراءة التي أنضجتها خيباتُها المتكررة وركام من الخذلان؛ هيام، الحبّ الممزّق بين الشك والتحرّر؛ أمل، الانكسار الذي نهض كرامةً؛ إيمان، الصوت الذي ضاع ثم استعاد ذاته؛ سلوى، الصمت المثقل بالوجع؛ وآدم، الطفولة التي دفعت ثمن الحرمان والطيبة النادرة التي لم تكسرها الخيانة وسهام القصيدة الخالدة في قلوب أبنائها: هي شخصياتٌ مختلفة، لكنها تلتقي جميعًا في سؤال واحد: ماذا يبقى من الإنسان بعد أن يتبدّل وجه نهاره؟

وكنت أقرأ سؤالًا واحدًا، يرتدي في كل قصة وجهًا مختلفًا: ماذا يفعل الإنسان حين يُسلب منه المعنى الذي كان يتكئ عليه؟

فأمل، لم تبقَ أسيرة الخيبة إلى النهاية. جعلت من الكتابة ما تتوكأ عليه كي لا تسقط، ثم تعلّمت أن ترى في المرآة امرأة جديرة بالحب، لا أسيرة لرجل تركها.

وهيام، في «الشك القاتل»، اكتشفت أن الحب حين يُخلط بالسيطرة والشك لا يعود مأوى، بل يصبح قيدًا؛ حتى إن نجاح المرأة أو ابتسامتها أو عملها يمكن أن يتحول، في عين الآخر، إلى ذريعة للريبة.

وإيمان تصل إلى مأساة أخرى…مأساة أن يخون الإنسان ذاته.

تكتشف أن صوتها صار مرهونًا بعين الآخر وتوقيعه، وأنها لم تعد تعرف نفسها. ثم تعود إلى الكتابة لا طلبًا للتصفيق، بل بحثًا عن اسمها وصوتها، حتى تقف معلنةً: “أنا إيمان. وهذا صوتي”.

وهنا…حضرتني سيمون دو بوفوار.ليس لأنها كتبت عن المرأة فقط. بل لأنها طرحت سؤالًا أكثر قسوة: ماذا لو انتقل السجن من خارج الإنسان إلى داخله؟ ماذا لو لم تعد المرأة بحاجة إلى من يقول لها إنها أقل شأنًا…لأنها بدأت تقول ذلك لنفسها؟

ماذا لو وقف الآخر أمامها مرةً واحدة وقال: أنت لا تكفين…ثم رحل…وبقي صوته في داخلها سنوات؟

القيد الأخطر ليس دائمًا بابًا مغلقًا أمامها: أحيانًا يكون الباب مفتوحًا…لكننا نخاف العبور. وهي تتحطم ببطء حين تضع معنى وجودها في عيون الآخرين.وحين يديرون وجوههم عنها…لا تعود تعرف وجهها ولا من تكون!

أليست هذه إحدى مآسي الإنسان المعاصر؟ رجلًا كان أم امرأة! مآسي مواطنتنا ولبنانيتنا وتكنولوجيتنا وذكائنا الاصطناعيّ وغبائنا الحقيقي!

نبحث عن قيمتنا في مرآة الآخر؟ في حبه، في اعترافه، في تصفيقه، في بقائه.

وبين السؤالين… من أكونُ لي ومن أكون لهم: تاريخ كامل من الوعي. وتاريخ كامل من التحرر.

تدعونا أمل ناصر إلى هذا السبيل حيث تداوي المجتمع في أدبها الوجوديّ وكأنّها تقول لنا:

قد تحددون الطريق…قد تضعون الحواجز…قد تثقلون خطاي بالذاكرة والخوف والانتظار…لكنكم لا تملكون إرادتي الأخيرة. لن أنتظر طيفكم…سأخرج من لعبة الانتظار، من خراب التجربة وأربح نفسي!

ولعلّها أعظم الانتصارات، وهنا جوهر الكتاب، الذي لا يتحدث عن المرأة وحدها، ولا عن الرجل وحده. بل عن هشاشة الإنسان حين يضع قلبه في عالم لا يضمن له شيئًا. عن الإنسان الذي يحب…فيخاف. والذي يُخذل…فيشك؛ والذي يفقد…فيتعلق بالذاكرة؛ والذي يصمت طويلًا…حتى يصبح الصمت لغةً تأكله من الداخل.

 ونحن كذلك، لسنا ملائكة…بعضنا يخطئ. بعضنا يهرب. بعضنا يشك. بعضنا يتأخر في فهم نفسه.

كم مرةً عرفنا الجواب…بعد أن انتهى السؤال؟

كم مرةً عرفنا قيمة إنسان… بعد أن أصبح الوصول إليه مستحيلًا؟

وكم مرةً قلنا:لو أنني كنت أعلم…

قصص هذا الكتاب«حين تبدّل وجه النهار» تجسّد الوعي الذي يولد من الألم. فالألم حين يُفهم…قد يصبح معرفة. الحياة تُعاش إلى الأمام، لكنها تُفهم إلى الخلف. وهنا أتذكر كيركغارد: “نحن نمشي..ثم نفهم.نسقط…ثم نعرف موضع الحفرة.نحب… ثم نفهم لماذا أحببنا. نفقد…ثم نكتشف كم كان ما فقدناه جزءًا من تعريفنا لأنفسنا”.

وربما لهذا تبدّل وجه النهار.ل أن الشخصيات، في نهاية تجاربها، لم تعد ترى العالم ببراءة البداية. لكنها، في بعض القصص، تراه بوعي أعمق.

في الخارج، بعد ساعات، ستنتهي مباراة. سيعرف العالم من فاز ومن خسر. وتظهر النتيجة على الشاشات واضحة: رقم مقابل رقم. لكن في الحياة…من يحدد النتيجة؟ هل خسرت أمل لأنها خُذلت؟ هل المرأة التي عاشت الوحدة مهزومة؟ هل من خرج من الحب وحيدًا هو الخاسر؟

ربما لا.

لأن الحياة لا تُقاس دائمًا بمن بقي معنا…بل أحيانًا بمن أصبحنا بعد رحيله. لا تُقاس بعدد المرات التي لم نسقط فيها…بل بعدد المرات التي استطعنا فيها أن نمنح سقوطنا معنى. لذلك، إذا كان العالم في الخارج ينتظر كرةً قد تبدّل مصير أمم… فنحن هنا، هذا المساء، أمام كتاب يذكّرنا بأن كلمةً قد تبدّل مصير إنسان، نظرةً قد تبدّل وجه قلب، خذلانًا قد يغيّر عمرًا ووعيًا واحدًا…قد يعيد الإنسان إلى نفسه.

 

هناك، قد يتبدّل وجه الكرة الأرضية.وهنا… يتبدّل وجه النهار.

وأجرؤ على القول: النهار لم يتبدّل.

نحن الذين نعبر العتمة بوجوهنا القديمة… ونخرج منها بوجوه أخرى. وهكذا، يكون الأدب ليس فقط كتابًا نغلقه حين ننتهي من الصفحة الأخيرة…بل سؤالًا يبقى مفتوحًا فينا. وأسألكم وأسأل نفسي: سؤالًا أكثر قربًا… وأكثر إيلامًا: كم مرةً تبدّل وجه نهاري…وكم مرةً كنت أنا آخر من انتبه؟!

شكرًا للشاعرة والكاتبة والإعلامية أمل وجيه ناصر على هذا الثراء المعرفي الذي نحتفي به اليوم. وشكرًا لكم ولحسن إصغائكم.

***

*ألقيت في حفل توقيع المجموعة القصصية الجديدة  “حين تبدّلُ وجه النهار” للشاعرة والإعلامية أمل ناصر على خشبة المسرح الوطني– الكوليزيه- الحمرا، الأربعاء ١٥تمّوز ٢٠٢٦ – السّاعة السّادسة مساءً

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *