سجلوا عندكم

يا مايا… صار الطريق لكِ

Views: 309

فاروق غانم خداج

رسالة أب إلى ابنته مايا بمناسبة تخرّجها ونيلها شهادة البكالوريا

اليوم، يا مايا، لم أتأمل ثوب تخرّجكِ بقدر ما تأملت الطريق الذي أوصلكِ إليه.

الثوب لحظة، والصورة ذكرى، والتصفيق ينتهي حين يغادر الناس القاعة. أمّا الطريق الذي لا يظهر في الصور فهو الحكاية الحقيقية: ساعات التعب، والأيام التي شككتِ فيها بقدرتكِ، والكتب التي أثقلت عينيكِ، والامتحانات التي جعلتكِ تتساءلين إن كنتِ قادرة على الوصول، ثم تلك اللحظة التي نهضتِ فيها من جديد وقلتِ لنفسكِ: أستطيع.

اليوم لا أريد أن أقول لكِ: «أنا فخور بكِ» فقط. هذه العبارة، على جمالها، أصغر من كل ما أشعر به.

أريد أن أترك لكِ بعض الكلام؛ لا بوصفه وصايا أبٍ يعرف الحياة أكثر منكِ، بل بوصفه كلام رجل عرف من الحياة ما يكفي ليعرف أنه لا يعرفها كلها.

لا تجعلي النجاح أكبر منكِ.

افرحي بما وصلتِ إليه، لكن لا تسكني في إنجازكِ طويلًا. فالإنجاز الجميل محطة في الطريق، وليس نهاية الطريق. بعد كل شهادة سؤال جديد، وبعد كل باب يُفتح بابٌ لم تكوني تعرفين أنه موجود.

وإذا تأخرتِ يومًا عن الوصول، فلا تنظري إلى الذين سبقوكِ. لكل إنسان ساعته الخاصة. بعض الأشجار تكبر سريعًا، وبعضها يحتاج أعوامًا قبل أن يمنح ظله.

لا تخافي من أن تبدئي من جديد.

قد تصلين إلى مكان تكتشفين فيه أن ما درستِه ليس تمامًا ما تريدين، أو أن العمل الذي حلمتِ به لا يشبهكِ، أو أن الطريق الذي ظننتِ أنه طريقكِ كان مجرد منعطف.

لا بأس.

الإنسان لا يخون نفسه حين يغيّر الطريق؛ يخونها حين يعرف أنه في المكان الخطأ ويواصل السير فقط لأن الآخرين اعتادوا رؤيته فيه.

اختاري الناس بعناية.

ستكتشفين أن بعض الناس يفرحون بكِ ما دمتِ أقل منهم، وأن بعضهم يفرحون بكِ لأنهم يرونكِ تكبرين. تعلّمي الفرق.

لا تبحثي عن كثرة الأصدقاء. ابحثي عن أولئك الذين تستطيعين أن تكوني أمامهم كما أنتِ، من دون أن تضطري إلى شرح نفسكِ طوال الوقت.

وحين تجدين إنسانًا يحب لكِ الخير من دون مصلحة، فلا تستهيني به. هؤلاء نادرون.

ولا تجعلي القسوة شرطًا للنجاح.

سيقول لكِ البعض إن العالم لا يرحم، وإن عليكِ أن تصبحي أكثر قسوة حتى تصلي.

لا أريدكِ كذلك.

كوني قوية، نعم، لكن لا تفقدي رحمتكِ. تعلّمي أن تقولي «لا» من دون أن يتحول قلبكِ إلى حجر، وأن تدافعي عن نفسكِ من دون أن تظلمي أحدًا.

القوة ليست أن يصبح الإنسان بلا قلب؛ القوة أن يبقى قلبه حيًّا وهو يعرف كيف يحميه.

احفظي علاقتكِ بالكتاب.

ستجدين في الحياة أشخاصًا كثيرين يتحدثون، وقليلين يفكرون. وستجدين ضجيجًا هائلًا يريد أن يقنعكِ بأن المعرفة موجودة في كل مكان، بينما هي في الحقيقة تحتاج إلى بحث وصبر وسؤال.

اقرئي.

ليس من أجل الشهادة؛ فقد أخذتِ شهادتكِ اليوم. اقرئي كي لا يضيق العالم في عينيكِ إلى ما تعرفينه فقط.

الكتاب صديق لا يغار من أصدقائكِ، ولا يطالبكِ بأن تردّي له الجميل. وكلما اقتربتِ منه، اكتشفتِ كم كنتِ تحتاجين إليه.

ولا تقيسي نفسكِ بما ترينه عند الآخرين.

ستفتحين هاتفكِ أحيانًا، وستجدين من يسافر أكثر منكِ، ومن يملك أكثر منكِ، ومن يبدو أكثر نجاحًا، ومن وصل إلى مكان تتمنين الوصول إليه.

لا تصدقي الصورة كاملة.

أنتِ لا تعرفين ثمن حياة الآخرين، كما أنهم لا يعرفون ثمن حياتكِ.

قيسي نفسكِ بما كنتِ عليه بالأمس.

إن كنتِ اليوم أصدق مع نفسكِ، وأكثر معرفة، وأكثر قدرة على الوقوف بعد السقوط، فقد تقدمتِ، حتى لو لم يصفق لكِ أحد.

ولا تخافي من الخطأ.

ستخطئين.

أقولها لكِ لا لأخيفكِ، بل لأريحكِ.

ستتخذين قرارات كنتِ تتمنين لو لم تتخذيها، وستثقين بأشخاص لم يكونوا أهلًا للثقة، وستدخلين أبوابًا ستكتشفين لاحقًا أنه كان عليكِ ألا تدخليها.

لكن لا تسمحي لخطأ واحد أن يكتب اسمكِ كله.

اعتذري حين يجب الاعتذار. تعلّمي حين يجب التعلّم. ثم تابعي.

ليس العيب أن نسقط؛ العيب أن نقرر بعد السقوط أن الأرض هي مكاننا الأبدي.

وحين يأتي الحب، لا تذهبي إليه ناقصة.

لا أريدكِ أن تبحثي عن شخص يكملكِ. أريدكِ أن تلتقي إنسانًا يحترم اكتمالكِ.

لا تتخلي عن أحلامكِ كي لا تخسري أحدًا، ولا تتخلي عن نفسكِ كي يحتفظ بكِ أحد.

الحياة الطويلة تحتاج إلى رفيق، نعم، لكنها لا تحتاج إلى سجن.

أما أنا، يا مايا، فسأتعلم شيئًا جديدًا من اليوم.

سأتعلم أن أترك لكِ الطريق.

هذه أصعب وصايا الأب لنفسه.

فالأب يحب أن يسأل: أين أنتِ؟ هل وصلتِ؟ هل أكلتِ؟ هل انتبهتِ؟ هل أنتِ بخير؟

ثم يكبر الأب قليلًا فيكتشف أن ابنته لم تعد تحتاج إلى أن يمشي أمامها، بل تحتاج إلى أن يعرف كيف يمشي خلفها من دون أن يعيقها.

اليوم، وأنا أراكِ تتخرجين، أشعر أن جزءًا من مهمتي انتهى، وأن جزءًا آخر بدأ.

لم أعد أريد أن أختار لكِ الطريق.

أريد فقط أن تكون لديكِ شجاعة اختيار طريقكِ.

وإذا كان لي أن أترك لكِ شيئًا واحدًا من كل ما قلته، فهو هذا:

لا تعيشي الحياة التي ترضي الآخرين وتجعلكِ غريبة عن نفسكِ.

كوني أنتِ.

وحين تتعبين، عودي إلى نفسكِ.

وحين تنجحين، لا تنسي نفسكِ.

وحين تخسرين، لا تكرهي نفسكِ.

وحين تصلين إلى مكان بعيد، لا تنظري إلى الوراء لتبحثي عن أبيكِ في الطريق.

ستجدينه هناك، لا ليعيدكِ إلى البيت، بل ليقول لكِ:

اذهبي يا مايا… لقد صار الطريق لكِ.

أما أنا، فسأبقى أحبكِ من المكان الذي يقف فيه الآباء حين يكبر أبناؤهم: قريبًا بما يكفي لأسمع فرحهم، وبعيدًا بما يكفي كي لا أحجب عنهم الطريق.

مبارك تخرّجكِ يا ابنتي.

ومبارك لي، لأنني اليوم رأيت ابنتي تكبر، ولم أرَ طفولتها تختفي.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *