سجلوا عندكم

بيروت يا صخرة الأمل بين الركام!

Views: 70

الدكتور جورج خليل مارون*

يا أصدقاء بيروت وأحباءها!

نلتقي اليوم في ذكرى ليست ككل الذكريات. الرابع من آب 2020 ليس مجرد تاريخ عابر في حياة الوطن؛ إنه محطة مؤلمة، جرح لا يندمل في ذاكرة اللبنانيين والعالم. يوم لم يمر كغيره، لقد دوّن في ذاكرة التاريخ آثار الدمار وعلامات الانهيار، وصوت الصرخة المدوية، بين أم مفجوعة ونبض جريح وتشبث بنور الحياة… في ذلك اليوم المثقل بالعناء، دوّى انفجار المرفأ، فهزّ كيان لبنان، وقوّض البنيان، وأقض مضجع العاصمة الثكلى، وأدمى القلوب بأنين الوجع، وغيّر ملامح بيروت، وألبس الأرض حلّة الحزن والسواد، فخسرنا عشرات الشهداء وآلاف الجرحى الأبرياء، فالمنازل تهدمت، والعائلات تفرّقت، والجماعات تشتت، والأحلام تبعثرت…لم يكن الانفجار كارثة مادية، بل صدمة روحية وإنسانية هزّت وجدان كل لبناني يأمل بحياة كريمة وشريفة وآمنة…

 

واليوم تنظم حركة “ثورة بلا حدود”*، ندوة لتسليط  الضوء على ملابسات هذا التفجير، بقراءة العوامل الفاعلة والمؤثرة داخليا وخارجيا، لا بهدف أن نقف عند حدود الحزن والرثاء والتباكي أمام نوافذ الجليد ومآسي الماضي، بل أن نسعى لتحويل الألم الى فعل إرادة، واليأس الى أمل وصلابة، والذاكرة الخرساء الى يقظة وريادة، والجرح الى ثقة وسيادة.

وبيروت على الرغم من جراحها النازفة ودموعها الكاوية، وفقدان أبنائها، وتصدع أبنينها، وتشوه جمال وجهها، تبقى مدينة السلام الرابضة عند سفح المتوسط، تواجه الصعاب بقوة وثبات، ترفض الهزيمة والاستسلام، تؤمن بأن الحياة أقوى من الموت، ووهج الحرية أكثر نبلا من قبضة العبودية العمياء، فتنهض كل مرة من بين الركام وجحافل الدخان لتثبت أن فيها من الصلابة ما يتجاوز الهزيمة والدمار، ومن اليقظة ما يتحدى الظلم والقهر، ومن الحرية ما يسامر لفتة الشمس في قلب المدار، فتعبر البحار على خيل من نار لتصبح أنشودة على شفاه الأحرار، وأملا مشعا بالسناء والرجاء…

 

بيروت يا صخرة الأمل بين الركام! يا قلبا نابضا بفرح الأحلام، يأبى الانقسام! 

بيوتك تصدّعت من هول الدمار، وقلبك يعانق فجر النهار…وعلى كل جدار، كتبت حكاية صمود، وعلى النوافذ شهادات أمل لا يموت…

يراعك يكتب سير الشهداء بمداد من ألوان الحزن والضياء…

إن الوفاء الحقيقي للشهداء لا يكون بالدمع والبكاء، بل بالبحث عن الحقيقة والمطالبة بالعدالة الكفيلة ببث الطمأنينة في النفوس، وإثبات الحق دامغا لا انحراف فيه ولا بهتان. من هذا المنطلق كانت ندوة اليوم، التي نطمح من خلالها الى إجراء مقاربة هذا الحدث الأليم من جوانب متعددة ليبقى صوت المتألمين حاضرا في الذاكرة الجماعية، يؤمن بأن العدالة حق لا يسقط بالتقادم، يحرر المجتمع من شرانق الخوف واليأس، يرسم الثقة بين المواطن والدولة، يعيد الأمل الى النفوس القلقة، يشرّع الأبواب أمام نور الحقيقة، يعيد الإعمار، لا بترميم الجدار والحجر، بل ببناء الإنسان والوطن، يحوّل صرخة الرابع من آب الى عهد لا ينسى، العهد بالعدالة في وطن يليق بأحلام من رحلوا، ومن بقوا في هذه الأرض الملتهبة، أي الشهداء الأحياء…

وما هذه الندوة إلا وقفة وفاء وصوت حق، ومساحة للتأمل في ما حدث، والعمل لبناء وطن يحترم أبناءه، ويصون كرامتهم، ويحمي مستقبلهم، ويحقق طموحهم وأحلامهم…

سلام الى أرواح الشهداء وأهلهم الصابرين…سلام الى بيروت التي فُطر قلبها، لكنها لم تستسلم…سلام الى أم الشرائع وواحة العلم ومهد الحضارة والثقافة…

 

سلام الى المدينة التي ما زال قلبها يخفق بالحياة والحرية، تبحث في كهوف الظلام عن كوة نورانية…سلام الى من علّمت أجيالها أن الكرامة لا تباع، فهي الحصن المنيع والملاذ الآمن لإرادة الشعوب، وأن الذاكرة أقوى من النسيان، وصوت العدالة أشد فتكا من سيف الجلاد، وأن الوطن لا يبنى إلا بالصدق والوفاء، ووفاؤنا يكون بإقامة دولة القانون والمؤسسات على مبادئ قويمة وأسس سليمة، وقواعد متينة، تعجز الأعاصير على العبث بها.

ويبقى السؤال يراود الخيال في ذاكرة الأجيال: من ذبح الفرح النائم في عيني بيروت؟ من شوّه وجهها بالسكين؟ من ألقى شعلة النار على جسمها ليحترق؟ من اغتال قامتها؟ من عكّر صفوها في ليالي السكينة؟ من فتح الجراح في قلبها؟ القضية مبهمة، يحتاج لغزها الى حل، وسرها الى تفسير.

عاشت الكلمة صوتا صارخا في عبثية الواقع، ولتبق بيروت منارة العلم والسلام في هذا الشرق وعاش لبنان.

***

*أستاذ في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية وعضو “مجموعة التفكير” في حركة “ثورة بلا حدود” 

*الأستاذ الدكتور الأمير وليد الأيوبي سليل بيت وطني عريق وابن الأسرة الأيوبية المشهود لها بالعلم والنزاهة والحضارة…

هو مؤسس حركة “ثورة بلا حدود” وأمينها العام، مع نخبة من المفكرين، بهدف نشر الوعي في المجتمع اللبناني وقيام الوطن على أسس العدالة والقيم…

وباحث وخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية، وأستاذ في ملاك الجامعة اللبنانية-كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية، وعضو في اللجنة العلمية والأكاديمية في المعهد العالي  للدكتوراه في الحقوق والعلوم السياسية والإدارية والاقتصادية في الجامعة اللبنانية…

ومتخصص في العلوم السياسية من جامعة مونتريال-كندا. أمضى أكثر من ثلاثين سنة في ميدان البحث والدراسات في كندا ولبنان. 

وله مجموعة من الكتب والأبحاث المتخصصة التي لاقت رواجا في الوسط الثقافي، لما فيها من مقترحات إصلاحية، منها “العولمة والعرب وبداية التاريخ”، حيث قدّم فيه قراءته النقدية في السياسات الدولية في رؤية جديدة لتنمية قومية استراتيجية، في ظل النظام العالمي الجديد الذي يفرض تحدياته على دول العالم…

طُرح اسمه لتولي رئاسة الوزارة ومناصب رفيعة في إدارة شؤون الدولة…

وصدر له مؤخرا كتاب في 650 صفحة بعنوان: “من الثورة الصاخبة الى الثورة الهادئة: جذر العطل العميق في الجمهورية المختطفة-الطريق الثالث والنموذج السياسي البديل”، مقدّما فيه النموذج البديل للنهوض بالوطن من كبوة الانهيار، الصادر عن منشورات منتدى شاعر الكورة الخضراء عبد الله شحاده الثقافي.

وله العديد من المؤلفات قيد النشر أبرزها مؤلف يقارب الألف صفحة، ينقل فيه سيرة حياته، ومسيرته النضالية، وتجربته السياسية، ولا سيما في إطار حركة “ثورة بلا حدود”، ومؤلف آخر يتناول فيه من منظور بوليتيولوجي العوامل الداخلية والخارجية الفاعلة في تفجير مرفأ بيروت.

***

* نص الكلمة الافتتاحية التي ألقاها الأستاذ الدكتور جورج مارون مدير الندوة التي نظّمتها حركة “ثورة بلا حدود” في 20 أيلول 2025 في قاعة الرابطة الثقافية-طرابلس، وتناولت فيها العوامل الداخلية والخارجية الفاعلة في تفجير مرفأ بيروت في 4 آب 2020.

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *