سجلوا عندكم

أحمد بن سليم… شاعرُ الفصيح والنبطي الذي توثّق اليونسكو سيرته بعد نصف قرن من الرحيل

Views: 120

د. فاطمة المعمري

 

من كتاتيب دبي القديمة إلى مجلس الوزراء الاتحادي الأول، مرورا برحلة تاريخية إلى نيويورك عام 1963م — قصة رجل عاش حياتين: السياسة والشعر، وعاصر بنفسه ميلاد دولة.

 

قبل خمسين عامًا بالتمام، رحل عن الدنيا شاعرٌ إماراتي بهدوء، بعيدًا عن صخب الأضواء التي أحاطت بأقرانه من رجال دولته. اليوم، وفي مفارقة لا تخلو من شعرية خاصة بها، تعلن منظمة اليونسكو إدراج اسمه ضمن برنامجها للاحتفاء بالذكريات السنوية 2026-2027، تكريما لرجل جمع، في حياة واحدة، بين نظم القصيدة ومقاعد الحكم، وبين الغربة الطويلة والقرب من عرش السُّلطة، وبين حبر القلم النثري وشهادة العين المباشرة على ميلاد دولة.

إنه أحمد بن سلطان بن سليم بالهول الفلاسي، الاسم الذي قد لا يعرفه كثيرون اليوم، رغم أنه كان يومًا أحد أقرب الرجال إلى حُكَّام دبي المتعاقبين، ورغم أن صوته كان يومًا يُنتظر عبر أثير الراديو في بيوت الخليج، ورغم أن قلمه وثّق للتاريخ ما لم يوثقه غيره.

طفلٌ من آل بالهول

وُلد أحمد في إمارة دبي في العقد الأول من القرن العشرين، في زمن لم يكن أحد يهتم فيه بتسجيل تواريخ الميلاد بدقة. اسمه الكامل يمتد عبر سبعة أجداد: أحمد بن سلطان بن أحمد بن سعيد بن مانع بن بطي بن سليم بالهول الفلاسي، من فخذ «آل بالهول» العريق في قبيلة بني ياس، بينما تنتمي والدته إلى أسرة الأشراف الهاشميين.

التحق الصبي بأحد الكتاتيب لحفظ القرآن الكريم، ثم بالمدرسة الأحمدية حيث تعلّم حساب القلم على يد الشيخ الموسى عبدالله، وأتقن خطًّا عربيًّا جميلًا ظلّ يميزه طوال حياته. لم يكن أحد في تلك المرحلة يتخيل أن هذا الصبي الهادئ سيصبح يوما شاعرًا يُشار إليه بالبنان، ووزيرًا يجلس في أول حكومة اتحادية لبلاده.

 

الغربة التي صنعت الصوت

عام 1939م، وفي سياق سياسي مضطرب شهده الساحل آنذاك، غادر أحمد دبي إلى الهند. لم تكن رحلة اختيارية بقدر ما فرضتها الظروف، لكنها فتحت أمامه بابًا لم يكن يتوقعه: فقد أمضى قرابة عشر سنوات هناك، تعلّم خلالها الإنجليزية إجادة، وقرأ في تاريخ منطقته من كتب ودوريات عربية لم تكن متاحة له في وطنه، وعمل مذيعا في القسم العربي بإذاعة عموم الهند في دلهي.

وهناك، في استوديو إذاعي بعيد، وجد أحمد صوته الحقيقي. غدا صوته عبر الأثير مألوفًا لدى أهله في دبي، حتى إن الأهالي كانوا يجتمعون حول أجهزة الراديو النادرة في بيوت الأثرياء والميسورين، ينتظرون موعده كما ينتظرون رسالة من صديق غائب. الرجل الذي غادر صامتًا، عاد صوته إلى وطنه قبل أن يعود هو.

من الجمارك إلى الوزارة

عاد أحمد إلى دبي عام 1948م رجلا مختلفا: أوسع ثقافة، وأنضج تجربة. أكرمه الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم بقدومه، واتخذه جليسًا ومستشارًا، ومن هنا توطدت علاقته بنائب الحاكم آنذاك، الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وهي علاقة استمرت حتى آخر أيامه.

تدرّج أحمد بعدها في مواقع المسؤولية: ناظرًا للجمارك عام 1950م، ثم مديرًا عامًا لبلدية دبي عام 1956م، وإن لم يخلُ هذا الأخير من محطة عابرة أقل توفيقًا انتهت باستقالته بعد أشهر قليلة. لكن الطريق واصل الصعود، حتى بلغ ذروته عام 1973م حين اختير وزيرًا للدولة للشؤون المالية في أول تشكيل وزاري اتحادي، إلى جانب رئاسته للجنة التراث والتاريخ حتى وفاته.

ثمانية أسابيع غيّرت كل شيء

في صيف عام 1963م، وجد أحمد نفسه على متن سفينة عابرة للمحيط، ثم في طائرات وقطارات تخترق القارات، برفقة الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، في رحلة تاريخية إلى الولايات المتحدة الأمريكية استغرقت نحو ثمانية أسابيع. لندن، بيروت، روما، نابولي، باريس، جنيف، واشنطن، ونيويورك — مدن لم يكن أهل دبي قد سمعوا بتفاصيلها من قبل، ورآها أحمد بأم عينه ودوّنها بقلمه.

من نيويورك، بعث برسالة نثرية مطولة إلى صديقه القاسم ياسين القرقلاني، وصف فيها ناطحات السحاب وقصور الفاتيكان ومتحف اللوفر بتفاصيل رقمية دقيقة تكشف دهشة رجل خليجي أمام حداثة العالم الجديد. تلك الرسالة لا تزال حتى اليوم أثمن وثيقة تؤرخ للحظة تاريخية في مسيرة دبي الحديثة، بعين شاهد كان هناك فعلًا، لا بعين مؤرخ لاحق يعيد بناء الحدث من مصادر ثانوية.

شاعر بلغتين

لم يكن أحمد رجل دولة فحسب. في المجالس وبين الأصدقاء كان شاعرًا يعرفه الجميع، ينظم الفصيح بمعارضات واعية لكبار الشعراء القدماء – كمعارضته الشهيرة للامية ابن الوردي في قصيدة «ربع الأنس والغزل»، التي يقول في مطلعها:

لا أوحش الله ربع الأنس والغزل  ولا عداه ملث العارض الهطل

 وينظم النبطي بأوزانه الشعبية في مساجلاته الأدبية، أبرزها مع صديقه الشاعر سعيد بن عتيق الهاملي، بمهارة نادرا ما تجتمع في شاعر واحد.

وله في الشعر الفصيح قصيدة مبكرة في نصرة فلسطين، يقول في مطلعها:

فلسطين أضحت عرضَ كلٍّ من انتمى إلى الضاد أهلا للصيانة والستر

وتُعد من أقدم المواقف القومية في الشعر الإماراتي. كما نظم قصيدة «النهضة»، التي يعدّها كثير من الدارسين أشمل نصوصه، إذ تنتقل من رثاء الفراق والفقد الفردي، إلى التأمل الحكيم في تقلّب الزمن، وصولًا إلى دعوة جماعية حماسية إلى النهوض والوحدة، في حركة شعرية متكاملة تختصر فلسفته في الحياة: أن علاج الألم الفردي لا يكون بالانغلاق على الذات، بل بالانفتاح على مشروع جماعي أسمى.

ولم يقتصر إحساسه بالكلمة على الشعر وحده؛ فرسالته النثرية من نيويورك تكشف عن قلم رشيق قادر على وصف المشهد بعين أديب لا عين موظف عابر، وهو ما يفسر إجماع من كتبوا عنه على وصفه بأن شعره ونثره «صورة صادقة لحياته ونفسه»، لا تمرينًا بلاغيًا منفصلًا عن واقعه.

لماذا يستحقها اليوم؟

يستند اختيار اليونسكو لتكريم أحمد بن سليم إلى ثلاثة أسباب رئيسة، بحسب ما تكشفه الدراسات الحديثة عن سيرته: أولا، أنه يمثل قيمة تراثية فريدة بوصفه من القلائل الذين أجادوا الفصيح والنبطي معا بمستوى فني متكافئ نسبيا. وثانيا، أن تجربته الممتدة بين دبي وعُمان والهند تجعله جسرًا حضاريًا إقليميًا توثّق سيرته شبكة ثقافية نشطة أوائل القرن العشرين. وثالثا، أن سيرته شهادة مباشرة على مرحلة التأسيس، إذ سبقت دعوته الشعرية المتكررة إلى الوحدة قيام دولة الاتحاد نفسها بعقود، فجاءت شهادة استشرافية صادقة.

نموذج إماراتي ملهم

تكمن القيمة الحقيقية لسيرة أحمد بن سليم في كونه نموذجًا إماراتيًا ملهمًا يجمع بين وجهين نادرًا ما يجتمعان: ثقافة الكلمة، وممارسة المسؤولية العامة. فهو الرجل الذي بدأ حياته طفلًا في كتّاب صغير بدبي القديمة، وتعلّم بجهده الذاتي حتى أتقن لغة أجنبية في زمن كانت فيه إجادة الإنجليزية أمرًا نادرا بين أبناء بلده، ثم صعد بالكفاءة والثقة لا بالوراثة، حتى بلغ أرفع المواقع في دولته الفتية.

وهو نموذج يذكّر الأجيال الجديدة بأن بناء الأوطان لا يقوم على تخصص واحد، بل على رجال ونساء جمعوا بين معرفتهم بتراثهم وانفتاحهم على العالم، بين ولائهم لهويتهم وقدرتهم على التجدد. فقد كان أحمد شاهدًا على التأسيس بمعنى الكلمة، ومساهمًا فيه في آنٍ واحد؛ يوثّق بقلمه ما يعيشه بيديه، ويدعو بشعره إلى ما يعمل عليه بمنصبه.

خلّف أحمد ثلاثة أبناء وبنتًا واصلوا حمل مشعل الاهتمام بإرثه، وتتوالى منذ عام 1987م وحتى اليوم المحاضرات والمقالات والمبادرات التوثيقية التي تعيد اكتشاف هذا الرجل الذي جمع بين ثقافة الكلمة وممارسة السلطة، في زمن لم يكن يجمع بينهما كثيرون.

وها هي اليونسكو، بعد خمسين عامًا من رحيله، تضيف اسمه إلى سجل الذاكرة الثقافية الإنسانية — تكريمًا يليق برجل جعل من قصة حياته نفسها قصيدة عن معنى أن يكون المرء إماراتيًّا: وفيًا لجذوره، منفتحًا على أفق أرحب.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *