سجلوا عندكم

فايز ترحيني: حين يعيد الأستاذ قراءة أبي نواس وأبي العتاهية

Views: 151

فاروق غانم خداج

هناك أساتذة تنتهي علاقتنا بهم بانتهاء المحاضرة، وهناك من يظل حاضرًا في الطريقة التي نقرأ بها ونفكر ونطرح الأسئلة. وحين أستعيد اليوم بعض الأساتذة الذين مرّوا في تكويني الأدبي، يحضر فايز محمد خليل ترحيني بوصفه أستاذًا لم تكن المعرفة عنده مادةً تُلقّن، بل بابًا يُفتح على أسئلة أوسع.

كان ترحيني أستاذي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية، وفي سنوات دراستي الجامعية قرأت كتابه «أبو نواس وأبو العتاهية بين اللذة والزهد»، الصادر في بيروت سنة 2001 عن دار النخيل للطباعة والنشر. ولم تكن قراءتي للكتاب منفصلة عن صورة الأستاذ الذي يقف وراءه؛ فقد كنت أكتشف، من خلال دراسته لشاعرين من العصر العباسي، أن النص الأدبي لا يستنفده ما اشتهر عن صاحبه، وأن التراث كلما أعدنا النظر فيه كشف عن طبقات أخرى من المعنى.

 

كنت أعرف أبا نواس وأبا العتاهية بالصورة التي استقرت طويلًا في الذاكرة: شاعرٌ اقترن باللذة والخمر والمجون، وآخر ارتبط بالزهد والموعظة والموت. لكن كتاب ترحيني دفعني إلى التوقف أمام هذه الصورة، لا بوصفها حقيقة نهائية، بل بوصفها بدايةً لسؤال نقدي: ماذا نخسر حين نختصر شاعرًا في الصفة التي اشتهر بها؟

من هنا بدأت علاقتي بهذا الكتاب، وبأستاذ جعلني أعود إلى شاعري العصر العباسي بعين مختلفة؛ عين لا تكتفي بما قيل عنهما، بل تحاول أن ترى الإنسان والعصر والصراع الفكري وراء النص.

وفايز ترحيني ليس أستاذ لغة وأدب فحسب، بل أديب وباحث وناقد ومؤرّخ، صاحب تجربة واسعة في البحث والتأليف في مجالات اللغة والأدب والفكر والتراث. وتشير شهادة عباس خليل ترحيني عنه إلى أن نتاجه «يربو على الثلاثين مؤلفًا»، فضلًا عن أبحاث أخرى غير منشورة. كما امتدت تجربته التعليمية إلى المدرسة الحربية، حيث درّس اللغة والأدب لطلابها.

ولم تقتصر علاقته بالتراث على الكتب والمصادر؛ فقد انفتح أيضًا على التراث المحلي، وعادات القرية ومناسباتها، وعلى الذاكرة الشعبية وما تختزنه من مفردات وأدوات وتقاليد. وفي قريته عبّا ظل قريبًا من تفاصيل المكان وذاكرته، جامعًا شيئًا من مفرداته وأشيائه التي بدأت تغيب عن الحياة اليومية.

وهكذا بدا التراث عنده حيًّا، لا مادة محفوظة في بطون الكتب وحدها، بل ذاكرة تتصل باللغة والمكان والناس. ولعل هذا الاتساع في علاقته بالتراث يساعد على فهم طريقته في قراءة الأدب القديم؛ فهو لا يتعامل مع النص بوصفه قطعة معزولة عن زمنها، ولا مع الشاعر بوصفه صورة مكتملة استقرت في الذاكرة، بل يحاول أن يعيد الإنسان إلى بيئته، والنص إلى سياقه، والتجربة إلى أسئلتها.

وفي مادة نشرتها جريدة «السفير» في 30 كانون الثاني 2001، عقب صدور الكتاب، ورد أن ترحيني يرد فيه على كثير من الأقوال التي شوّهت صورة الشاعرين العباسيين، مؤكدًا أن «أبا نؤاس شاعر قضية وأنموذج للمثقف العباسي».

هذه العبارة تختصر تحولًا مهمًا في زاوية النظر. فأبو نواس، في قراءة ترحيني، ليس مجرد شاعر للذة والمجون، بل شخصية أدبية وفكرية لا يمكن فصلها عن الصراعات التي عاشها عصره.

ويذهب ترحيني، كما نقلت «السفير»، إلى أن المثقف العباسي كان ممزقًا بين «الواقعي» السائد المتمثل بالدولة العباسية القائمة، و**«الحقيقي»** المتمثل بالدولة العلوية المتخيّلة. ومن هذه الزاوية يصبح أبو نواس أكثر تعقيدًا من الصورة التي اختزلته في الخمر والمجون؛ فهو ابن عصره، وتتداخل في تجربته أسئلة الفكر والدين والسياسة، ولذلك اعتبره ترحيني «إشكالي ذلك العصر».

ولا تكمن أهمية هذه الثنائية في المصطلحين وحدهما، بل في ما تفتحه من مجال لقراءة الشاعر داخل عصره. فحين ننقل أبا نواس من الصورة الجاهزة إلى سياقه، لا نبرّئ تجربة ولا ندينها، وإنما نحاول أن نفهمها. وهنا تتحول القراءة من إصدار الأحكام إلى مساءلة النص والظروف والأسئلة المحيطة به.

والأمر نفسه ينطبق على أبي العتاهية. فالزهد لم يكن صورة جامدة تستوعب تجربته كلها؛ فقد عرف في بداياته أجواء اللهو ومجالس الشعر، وصاحب، كما يورد ترحيني، والبة وحمادًا ومطيعًا وأبا نواس، ثم كان نصفه الآخر زاهدًا.

وهذا الانتقال يجعل تجربة أبي العتاهية مسارًا إنسانيًا وشعريًا متحولًا، لا شخصية يمكن اختزالها في لقب واحد. فالإنسان قد يتغير، والشاعر قد يعيد النظر في علاقته بالحياة، وما يبدو تناقضًا بين مرحلة وأخرى قد يكون جزءًا من سيرورة التجربة نفسها.

في هذا تكمن دلالة عنوان الكتاب: «بين اللذة والزهد». فـ«بين» ليست مجرد مساحة تفصل بين شاعرين، بل مساحة للأسئلة: ماذا يحدث للإنسان حين تتبدل رؤيته إلى الحياة؟ وهل يستطيع الشاعر أن يبقى أسير الصورة التي صنعها الناس عنه؟ وهل تكفي بعض الأخبار المتداولة في كتب التراث للحكم على تجربة أدبية كاملة؟

إن اختيار ترحيني لهذين الشاعرين معًا ليس مجرد جمع بين تجربتين متناقضتين ظاهريًا، بل مدخل إلى قراءة التحولات التي تجعل الإنسان أكثر من صورة واحدة. فاللذة والزهد، على اختلافهما، قد يكونان وجهين من وجوه البحث عن معنى الحياة، وقد تكشف المسافة بينهما عن أسئلة الإنسان أكثر مما تكشف عن تناقضه.

واللافت أن «السفير» وصفت طريقة ترحيني في كتابه بأنه يطل على نتاج الشاعرين «مستقرئًا ومستنتجًا، وداعيًا دائمًا إلى الحوار الحر». وهذه العبارة تكشف جانبًا أساسيًا من منهجه: قراءة لا تكتفي بالتلقي، ولا تتوقف عند الحكم، بل تستقرئ وتستنتج، ثم تترك باب الحوار مفتوحًا.

وهنا تتضح صلة الكتاب بشخصية أستاذه. فترحيني، في تجربته الأدبية والبحثية، لا يبدو منشغلًا بحفظ التراث بقدر انشغاله بإعادة النظر فيه. تتصل عنده اللغة بالأدب، والنقد بالتاريخ، والتراث بالمكان، والمعرفة بالحوار. ولذلك لم يكن الكتاب بالنسبة إليّ مجرد دراسة لشاعرين، بل تجربةً في كيفية الاقتراب من النص القديم دون أن نحوله إلى حقيقة مغلقة.

ولعل هذا ما بقي معي من قراءة الكتاب: أن المعرفة لا تكتمل بالوصول إلى جواب، بل تبدأ أحيانًا من السؤال الذي يجعلنا نعيد النظر فيما حسبناه معروفًا.

وهذا ما يتركه الأستاذ في تلميذه حين يتجاوز أثره حدود المادة التي يدرّسها. فالأستاذ الذي يعيش المعرفة بوصفها شغفًا لا يستطيع أن ينقلها إلى تلامذته بوصفها معلومات جامدة؛ إنه يترك فيهم فضولًا إلى البحث، واستعدادًا لمراجعة ما استقر في أذهانهم، ورغبةً في العودة إلى النص بعين أكثر انتباهًا.

 

حين عدت إلى أبي نواس وأبي العتاهية بعد قراءة كتاب ترحيني، لم أعد أراهما بالصورة نفسها. أصبحت أبحث عن الإنسان وراء الشاعر، وعن العصر وراء النص، وعن الأسئلة التي تختبئ خلف الأحكام السريعة.

ولذلك لم يبقَ «أبو نواس وأبو العتاهية بين اللذة والزهد» في ذاكرتي بوصفه كتابًا عن شاعرين من العصر العباسي فحسب، بل أصبح جزءًا من تجربتي في القراءة، وذكرى لأستاذ كان الأدب عنده طريقًا إلى المعرفة، والتراث مجالًا لإعادة الاكتشاف.

وربما لهذا يبقى بعض الأساتذة معنا بعد أن تنتهي سنوات الدراسة؛ لأنهم لا يتركون في الذاكرة معلومات فقط، بل يغيّرون علاقتنا بما نقرأه، ويدفعوننا إلى أن نرى في النص أكثر مما اعتدنا أن نراه. وقد تكون أجمل هدية يمنحها الأستاذ لتلميذه أن يجعله، بعد سنوات، يعود إلى ما قرأه بعين أخرى.

وبين اللذة والزهد، وبين النص وصورته، وبين الأستاذ والتلميذ، يبقى ما هو أبقى من الأحكام كلها:

إن أجمل ما يتركه الأستاذ في تلميذه ليس جوابًا جاهزًا، بل سؤالًا يظل حيًّا.

***

*كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *