سجلوا عندكم

حين أصبح الهاتف زرَّ متعتنا

Views: 37

د. زهير علامه

يُروى أن عالمًا وضع فأرًا في صندوق، وهيّأ له كل ما يحتاج إليه ليعيش: طعامًا يشبعه، وماءً يروي عطشه، وأدواتٍ للّعب، ومساحةً يتحرك فيها بحرية. ثم أضاف إلى الصندوق زرًّا صغيرًا موصولًا بمنطقة المتعة والمكافأة في دماغه.

وفي لحظة عابرة، لامست قدم الفأر ذلك الزر مصادفةً، فسرت في جسده نشوة خاطفة لم يعرفها من قبل.

تراجع قليلًا، ثم عاد وضغط عليه مرة أخرى.

وبعدها مرة ثالثة…

ثم لم يعد قادرًا على الابتعاد عنه.

صار يضغط الزر بلا توقف، وكأنه عثر على سر السعادة كلها. نسي الطعام القريب منه، وأعرض عن الماء، وهجر اللعب والحركة. وحين وُضعت أنثى إلى جانبه، لم يلتفت إليها؛ فقد ضاق عالمه الواسع حتى اختُصر كله في زرّ صغير يمنحه لذة سريعة، ثم يتركه متلهفًا إلى لذة أخرى.

مضت الأيام، وضعف جسده، واشتد به الجوع والعطش، لكنه ظل يضغط الزر وكأن حياته متوقفة على اللمسة التالية. وفي النهاية، سقط منهكًا، وانطفأت حياته، بينما بقيت يده ممتدة نحو ذلك الزر الذي منحه المتعة قليلًا، ثم سلبه كل شيء.

قد ننظر إلى هذه القصة بدهشة، وربما نشفق على ذلك الفأر الذي لم يستطع مقاومة لذته. لكننا، إذا تأملنا حياتنا جيدًا، فقد نرى شيئًا منه في داخل كل واحد منا.

لقد أصبح الهاتف زرَّ متعتنا الحديث.

نحمله في أيدينا من الصباح حتى المساء، ونستيقظ فنبحث عنه قبل أن نتأمل نور النهار أو وجوه من يعيشون معنا. نفتحه لدقيقة، فنغيب داخله ساعة. نقلب الصفحات واحدة تلو الأخرى، وننتقل من صورة إلى مقطع، ومن خبر إلى حكاية، ومن ضحكة عابرة إلى دهشة لا تدوم.

نقول لأنفسنا: «هذا هو المقطع الأخير».

لكنه لا يكون الأخير أبدًا.

فخلف كل صفحة صفحة، وبعد كل مقطع مقطع، وفي كل مرة نحرّك فيها إصبعنا إلى الأعلى، ننتظر مفاجأة جديدة؛ شيئًا يثير فضولنا، أو يضحكنا، أو يملأ لحظة الفراغ في داخلنا. وهكذا نستمر في التصفّح، لا لأن ما نشاهده مهم، بل لأننا لم نعد نحتمل التوقف.

شيئًا فشيئًا، تنسحب الحياة الحقيقية من حولنا.

يجلس أطفالنا إلى جانبنا، يكبرون بصمت، وينتظرون أن نرفع أعيننا إليهم. يحاولون أن يحكوا لنا تفاصيل يومهم، فنجيبهم بكلمات مقتضبة، بينما تظل عيوننا أسيرة الشاشة. وقد يكون أحد والدينا بقربنا، مشتاقًا إلى حديث دافئ أو جلسة هادئة، فنؤجل الكلام معه لأن إشعارًا جديدًا ظهر، أو لأن مقطعًا آخر بدأ.

أحباؤنا قريبون من أجسادنا، لكننا بعيدون عن أرواحهم.

نجتمع حول المائدة، غير أن كل واحد منا يجلس وحيدًا خلف شاشته. تتقابل وجوهنا، ولا تلتقي عيوننا. تمتلئ الغرفة بالأشخاص، لكنها تفتقر إلى الحضور. نعرف أخبار أناس لم نلتقِ بهم قط، بينما نجهل ما يؤلم أقرب الناس إلينا.

صرنا نصوّر اللحظة بدل أن نعيشها، وننشر الفرح بدل أن نشعر به، ونعدّ الإعجابات بدل أن نحصي النعم التي تحيط بنا. أصبحنا نخشى الصمت، مع أنه المساحة التي نسمع فيها أنفسنا، ونهرب من الوحدة المؤقتة إلى ازدحام رقمي يزيد أرواحنا وحدة.

الهاتف لا يسرق ساعاتنا دفعة واحدة، بل يأخذها منا دقيقةً بعد دقيقة، في هدوء لا نشعر به. يسرق لحظة من صباحنا، وأخرى من حديثنا، وثالثة من نومنا، حتى تتجمع اللحظات الضائعة لتصبح أيامًا، ثم شهورًا، ثم سنوات من أعمارنا.

وفي غفلة منا، يكبر الأطفال.

تشيب رؤوس الآباء والأمهات.

يبتعد الأصدقاء.

تبرد العلاقات.

وتمضي الأيام التي ظننا أنها ستنتظرنا طويلًا.

ثم نرفع رؤوسنا ذات يوم، فنكتشف أن الحياة مرّت بالقرب منا، وأننا كنا مشغولين عنها بتصفّح حياة الآخرين.

ليس الهاتف شرًّا في ذاته؛ فقد قرّب المسافات، وفتح أبواب المعرفة، وسهّل العمل والتواصل. لكنه يصبح خطرًا حين يتحول من وسيلة نخدم بها حياتنا إلى عالم نهرب إليه منها، وحين تصبح الشاشة أكثر حضورًا في قلوبنا من الوجوه التي تحبنا.

لسنا بحاجة إلى أن نتخلى عن هواتفنا، بل إلى أن نستعيد أنفسنا منها.

أن نضعها جانبًا حين يحدثنا طفل.

أن نغلقها حين نجلس مع أب أو أم.

أن ننظر في عيون من نحب، ونصغي إليهم كما لو أن حديثهم أهم خبر في هذا العالم.

أن نترك للصباح بعض هدوئه، وللمائدة دفئها، وللنوم سكينته، ولأرواحنا فرصةً كي تتنفس بعيدًا عن ضجيج الإشعارات.

فالمنشور الذي لم نقرأه سيبقى موجودًا، والمقطع الذي فاتنا لن يترك فراغًا في حياتنا. أما الطفل الذي لم نصغِ إليه، والأب الذي لم نجالسه، والأم التي لم نطمئن إليها، واللحظة التي لم نعشها، فقد يذهب كل ذلك ولا يعود.

فلنرفع رؤوسنا قليلًا.

خلف الشاشة سماء لم نتأملها، ووجوه اشتاقت إلى نظراتنا، وقلوب تنتظر حضورنا، وعمر يمضي دون أن يصدر إشعارًا يحذرنا من اقتراب نهايته.

لا تجعلوا هواتفكم أزرارًا تمنحكم متعةً عابرة وتسلب منكم حياةً كاملة.

ضعوا الهاتف جانبًا، ولو قليلًا، وعودوا إلى الواقع؛ ففي الواقع أشخاص يحبونكم، ولحظات تنتظركم، وحياة واحدة فقط… لا يمكن تمريرها إلى الأعلى، ولا إعادتها من البداية.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *