سجلوا عندكم

شوقي أبي شقرا مُكرمًا ومُستعادًا في باريس، قصيدة كاملة في جملة لا تكتمل

Views: 79

سليمان بختي

قبل سنة منحته مؤسسة أنور سلمان الثقافية جائزة تكريم الرواد، وأقامت احتفالا بحضور عائلته والاصدقاء في الجامعة الاميركية في بيروت. وهذه السنة وبعد أيام تصغي قاعة (مكتبة ليلى شهيد في معهد العالم العربي في باريس،السبت ٣١ تشرين الاول) إلى صوت شوقي أبي شقرا. كانت بيروت تعبر المتوسط على ضوء شمعة لتقول للمدينة التي علمت العالم الحداثة:عندنا من لبنان من يستحق أن يسمعه العالم.

ولد شوقي أبي شقرا عام ١٩٣٥ في بيروت. وكانت ملاعبه طبيعة جبل لبنان . ورحل في  في العاشر من تشرين الاول ٢٠٢٤، إثر مضاعفات جلطة انهت مسيرة طويلة من الإصغاء للكلمة والمغامرة مع الشعر. لم يكن شوقي أبي شقرا ابن مدينة تدرس بل ابن قرية تسمع. جعل القصيدة تعي ما لا تعرفه، رائحة الجبل في لغة المدينة، والدهشة والدعابة في وقار الشعر.

كان احد أركان مجلة شعر التي أسسها يوسف الخال عام ١٩٥٧. اختلف مع شعراء مجلة شعر على كل شيء الا على القصيدة ونجاة القصيدة . لكن أبي شقرا ظل داخل هذا الجيل غريبا بطبعه. لم ينظر. لم يرفع الراية. اكتفى بان يكتب. وكانت القصيدة عنده ليست موقفًا بل مزاجًا او سفرًا. تخلى عن الوزن والقافية  وعن معجم الشعر الكلاسيكي والرومنطيقي، وذهب إلى الناس وإلى الحياة اللبنانية وجغرافيتها وتلى المفردات والتعابير والمصطلحات، وصارت قصيدته سهلة ممتنعة بسيطة، كأنها كلام، ومستحيلة كأنها حلم. هذه المفارقة هي سره: ان يكون الواقع في القصيدة قريبًا حتى يلمس، وغريبًا حتى لا يمكن لمسه. وللجملة عنده أن تنتظر أو تنقض ، وتتكسر وتتشعب حتى تترككَ واقفاً على حافتها. لا تشرح نفسها ولا تزعم الرؤى لأن التفسير بالنسبة اليه نوع من الخيانة.

وكان إلى جانب الشعر من صناع الصفحة الثقافية في الصحافة اللبنانية والعربية. التحق بجريدة النهار عام ١٩٦٤ وانشأ فيها صفحة ثقافية للنقد الأدبي والفني والتشكيلي والسينمائي والمسرحي وفسحة حرة للنصوص والقصائد الحرة، ثم اتبعها بملحق اسبوعي. كتب شوقي أبي شقرا القصيدة وفتح الباب للاخرين، كمن يبني بيتًا ويترك النافذة مفتوحة للآخرين وكل العابرين. وفي بلد تتبدل فيه الحروب والغرائز والمواقف أسرع من الصفحات والأخبار لبث شوقي على سجيته  واصالته، وكان هذا نوعا من الصبر الأدبي النادر.

كانت اللغة العربية حياته وحيلته وحصانه ومآله الأخير واكثر ما يشغله. لم تكن عنده تراثًا جامدًا بل كائنا يحيا ويتنفس. احبها كمن يحب من لا تكتمل معرفته بها، وافنى عمره مستكشفًا مكنوناتها .

 في الذكرى الثانية لرحيله لا نكرمه لنقول إنه كبير، فالكبار كالملوك لا يحتاجون لشهادة أحد. نكرمه  لنسال أنفسنا إلى أين تاخذنا أيها الشعر؟ وهل ما زلنا نقرأ الشعر الذي لا يشرح نفسه؟ أو الشعر الذي لا يريد تفسير ما لا يفسر. وهل في زمن الحروب والأخبار العاجلة مكان للقصيدة التي تتعمد إلا أن تكمل جملتها؟ لعل هذا كان درسه الأخير: إن الجملة التي لا تنتهي أصدق من الجملة التي تغلق. وأن الرحيل كالقصيدة الجميلة ابدًا لا يمتلك ولكن دائمًا كالطيب يُستعاد وينتشر في العالم

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *