زِيَارَةٌ كُورُونِيَّة 

Views: 51

خالد بريش 

(كاتب وباحث لبناني/ باريس)

كورونا، كورونا… حَدِيثٌ عَلى كُلِّ الألسِنة. وبُورْصَة أعْدَادِ المُصابينَ والوَفَيات، تُصَدِّعُ الرُّؤوسَ. وتقْذِفُ الرُّعْبَ في النّفوسِ. تَطمينٌ مِنْ قِبَلِ السَّاسَةِ والمَسْؤُولينَ عَبْرَ العَالم، بِعدَمِ الهَلعِ. (https://spoonerberries.com/) أعْدادُ الإِصَابَات تزْدَادُ. وعَلائِمُ خَوْفٍ على الوُجُوه. تَغَيُّرٍ طارِئٍ على تصرُّفاتِ النَّاس. خَوْفٌ، لا    يُشْبهُهُ أيُّ شيءٍ آخر. وأحاديثٌ هَامِسَة عَنْ إِصَابَاتٍ تَمَّ الحَجْرُ عليْها

 

كانَ سامي مُطمَئِنًا مِنْ وَاقِع تجْرِبتِه معَ الأَمْراض. التي تتالتْ عليْهِ مُنْذ شَبابِه. كانَ بعْضُها  كفِيلًا بِأنْ يُرْسِلهُ لِلعَوالم الأخْرَى. لعِبَتْ قَدَرِيَّتهُ، ونَظرَتهُ لِلْأمُور، دوْرًا في عَدَم خوْفِه. فالإِنْسانُ لا يَمُوتُ إِلا فِي ساعَتِهِ. مُبَرِّرًا تعَبَهُ الشّدِيدَ، بِتقلبَاتِ الطقْسِ، وَرُطوبَةِ بَاريس. فهَذِهِ السَّنة لمْ يَروا بَرْدًا كعَادَتِهِم. ولم تنْزِلِ الثلوجُ. ولكِنْ كانَتْ حَرَارَةُ الطقْسِ مَا بَيْنَ ارْتِفاعٍ وهُبوطٍ. سَاعَاتُ الليلِ تَقْضُمُ مِنْ ضِياءِ النّهَارِ، زَاحِفَة بَطِيئَة. وَشَيْءٌ مَا يُعِيقُ تنَفّسَهُ. وَنَشفانٌ في حَلقِهِ. وسُعالٌ بَسِيط يَكْسُرُ صَمَتَ غُرْفَتِهِ. 

وَضَعَ يَدَهُ عَلى جَبينِه، مُتفَقِدًا حَرارَته. فلمْ يَجِدْ شَيْئًا. قامَ بِغَلْي إِبْريقِ زُهُورَات. وتحْضِيرِ خَلْطَةِ أعْشَابٍ يُطْلِقُ عَليْها « خَلْطَة الجَدِّ ». طالمَا مَارَسَها، مُنْذ أنْ امْتطى حِصَانَ الغُرْبَة، فِي سَبْعِيناتِ القرْنِ المَاضِي. تحَسَّنتْ حَالتُهُ نِسْبِيًا. فِي وَسَطِ الليْلِ، ارْتفَعَتْ حَرَارَتُهُ قلِيلًا. تعَرَّق جَسَدُهُ. تَعَسَّرَ تنفّسُهُ شيْئًا فشَيْئًا. حَالة مِنَ الارْتِباكِ، وأسْئِلة كثِيرةٌ. زَرَعَ غُرْفتهُ بِخَطْوِ أقْدَامِهِ، ذَهَابًا وإيَابًا. وَخَوْفٌ سَرَى في كيانِهِ. فتحَ جِهازَ الحَاسُوبِ. قرَأ عِدَّة مَقالاتٍ حَوْلَ هَذا الفَيْرُوس المُرْعِب. قرَّرَ الصَّبْرَ حتّى الصَّباحِ…

حَضَّرَ خَلْطة الجَدِّ مَرَّةً أخْرَى، مُحَاوِلًا بَعْدَها النَّوم. لمْ يَغْمَضْ لهُ جَفْن. سُعالٌ ارْتفَعَتْ حِدَّتُهُ. وحَرَارَةٌ سَرَتْ والألمُ إِلى كُلِّ جِسْمِهِ. وصَبَاحٌ لا يُرِيدُ أنْ يَنْبَجِسَ. كأنَّ هُنَاكَ مَنْ يَشُدُّ بِأسْتارِ الليْلِ مَانِعًا تشقّقهُ. انْبَلجَ أخِيرًا وَعَمَّ الدُّنْيا ضِيَاؤُهُ. اتّصَلَ بِطبِيبِهِ، فنَصَحَهُ أنْ لا يَخْرُجَ مِنْ بَيْتِه، وبِتنَاوُلِ دَواءٍ يَحْتوِي مَادَة « البَارَاسِيتامُول »، لِخَفْضِ حَرارَتِه. مَرَّ يومٌ عَصِيبٌ، مَا بَيْنَ قلقٍ، وآلامٍ، وَحِيرَةٍ. وَهَواجِسَ بِلا حُدودٍ. وَأسْئِلةٍ حَوْلَ المَوْتِ والحَيَاةِ. حَاوَلَ النّوْمَ مَسَاءً وَسَط سُعَالٍ اشْتدَّتْ وَتِيرَتُهُ. وَتَنفّسٍ مُتلاحِقٍ. كأنَّ الفَيْروسَ نَصَبَ حَواجِزَهُ، فمَنعَ الهَواءَ مِنَ الدُّخُولِ والخُرُوجِ إلى رِئتيْهِ. تنْخَفِضُ حَرَارَتُهُ قلِيلًا، فتهُبُّ بُرُودَةٌ عَلى جَبْهَتِهِ، وَيَتعَرَّقُ. ثمَّ تعُودُ الحَرَارَةُ، وَيَعُودُ لهِيبُهَا. 

فشِلتْ مُحَاوَلاتُ النَّوْمِ. فأمْضَى ليْلتهُ مُتوَتِّرًا. مَا بيْنَ النّوْمِ، وَالبَحْثِ عَلى الإِنْتِرْنِيتْ عَنْ مَقالاتٍ حَوْلَ هَذِه الجَائِحَة. فَوَجَد مُعْظمَهَا يَجْترُّ نفْسَ المَعْلومَاتِ. أنْهَكهُ الألمُ. قاسَمَهُ الكرَى ليْلتهُ. وَفِكْرُهُ يَصولُ وَيَجول. مَعَ الصَّبَاحِ، كانَتْ آلامُ صَدْرِهِ أشَدُّ حِدَّةً، مَصْحُوبَة بِسُعَالٍ لا يَتوَقّفُ. اتَّصَلَ بَصديقٍ لهُ مِنْ أبْناءِ بَلدِهِ. يَعْمَلُ رَئِيسَ قِسْمِ الأمْرَاضِ المُعْدِية فِي إحْدَى مُسْتشْفيات باريس. فَطلبَ مِنْهُ الهُدُوءَ، وَعَدَمَ الخَوْفِ. طرَحَ عليْهِ بَعْضَ الأسْئِلةِ حَوْلَ حَالتِهِ. ثمَّ طلبَ عُنْوانَهُ كامِلًا، رَقْمَ بِطاقتِهِ الصِّحِيَّة، وبَعْضَ المَعْلومَاتِ الأخْرَى.

اتَّصَلَ بهِ أحَدُ العَامِلين فِي جِهازِ مُكافَحَةِ وَباءِ كورُونا. لِيَتأكّدَ مِنْ بَعْضِ المَعْلومَات. رَنَّ جَرَسُ بَيْتِهِ بَعْدَ قُرابَةِ السَّاعة. وَجَدَ نفْسَهُ أمَامَ شخْصَيْنِ، كأنّهُمَا رُوَّادا فَضَاءٍ، بِثِيَابٍ بَلاسْتِيكِيَّةٍ، تُغَطّي جَسَدَيْهِما. وأقنِعَةٍ وَاقِيَةٍ، تَحْتهَا كمَّامَات خَاصَّة، وَقفّازَاتٍ طِبيَّةٍ…

قامَ أحَدُهُما بِفَحْصِهِ. أخَذ عَيِّنة مِنْ لعَابِه، وَضَعَهَا فِي أنْبُوبٍ. سَحَبَ بِحُقْنَةٍ عَيِّنة مِنْ دَمِهِ. أخْرَجَ الثاني مِنْ مِحْفَظتِهِ كيسًا بَلاسْتِيكِيًا مَخْتُومًا، حَوى زُجَاجَة دَوَاءٍ للسُّعالِ، وَدَواءً لِتَخْفِيضِ الحَرَارَةِ، وَحبَّة دَوَاءٍ يَتنَاوَلهَا فِيمَا لوْ لمْ يَسْتطِعِ النَّوْمَ. وَأخْبَرَهُ بِأنّهُ لنْ ينْقُلهُ إِلى المُسْتشْفى، لأنَّهُ لا يُوْجَدُ أماكِنَ شاغِرَةٌ في المِنْطقةِ البَارِيسيَّةِ، إلا لِلْحَالاتِ الخَطِرَةِ. ولِأنَّ نقْلهُ رُبَّمَا سَبَّبَ لهُ مُضاعَفاتٍ سَلبِيَّةٍ. بَعْدَ بِضْعِ سَاعَاتٍ، ازْدَادَتْ حِدَّةُ سُعَالِهِ، وَعُسْرُ تَنفُّسِهِ. وَأصْبَحَتْ خَلطة الجَدِّ، لا تُؤَدِّي فائِدَةً تُذْكَر. آلامٌ وَهَواجِسَ جَعَلتْ مِنْهُ وَرَقَة في مَهَبِّ الرِّياحِ…

اسْتَيْقظَ مُنْهَكًا مُتْعَبًا على جَرَسِ البَيْتِ. فَتحَ البَابَ. فَوَجَدَ كائِنَيّ الفَضاءِ أمَامَهُ. بِيَدِ أحَدِهِمَا كِيسٌ كبيرٌ مُغَلفٌ بِالبِلاسْتيك، وَصُنْدوقَ زُجَاجَاتِ مِياه. قامَ أحَدُهُمَا بِفَحْصِهِ. طالِبًا مِنْهُ أنْ يُعَرِّيَ القِسْمَ الأَعْلى مِنْ جِسْمِهِ. فقامَ الآخَرُ بِعَمَلِيَّةِ تَدْلِيكٍ خَفِيفٍ للصَّدْرِ وَالظّهْرِ، مِمَّا سَاعَدَهُ عَلى التّنَفّسِ، وَإِخْرَاجِ بُصاقٍ كثيفٍ وَبَلغَمٍ. خَرَجَا تَارِكَيْنِ لهُ صُنْدوقَ زُجَاجَاتِ المِيَاهِ، وَالكِيسِ الذي حَوَى وَجْبَة غَدَاءٍ، وَأخْرَى لِلعَشاءِ. وَبلغَاهُ سَلامَ صَدِيقِهِ الطبيب. 

اتَّصَلَ بِصَدِيقِهِ الطبيبَ. تَرَكَ لهُ رِسَالة صَوْتِيَّة. مُعْرِبًا عَنْ شُكْرِهِ، وَامْتِنَانِهِ. مُتَمَنِّيًا لهُ، وَلِأفْرادِ أسْرَتِهِ السَّلامَة. دَقائِق وَاتَّصَلَ بِهِ صَدِيقُهُ مُطْمَئِنًا، مُهَدِّئًا لِأَعْصَابِهِ. مُؤَكِدًا أنَّ صِحَّتَهُ سَوْفَ تَتَحَسَّن. وَأنَّ بَقاءَهُ فِي البَيْتِ أفْضَلُ لهُ. وَأنَّ الطبِيبَيْنِ سَوْفَ يَزُورَانِه يَوْمِيًا. اطْمَأنَّ نَوْعًا مَا. لكِنَّ الأوْجَاعَ، كانَتْ تَحْفُرُ في أنْحَاءِ جِسْمِهِ. لامَسَ جَبْهَتهُ. شَعَرَ وَكأنَّهَا لا تُحِسُّ بِمَلْمَسِ أصَابِعِهِ…! 

هَلعٌ أصَابَهُ وَقدْ تَذكّرَ قَوْلهُ تَعَالى  [فيُؤْخَذُ بِالنّوَاصِي وَالأَقْدَام ]. لَحْظَةُ ضَعْفٍ إِنْسَاني. انْهِيَارٌ لِلمَعْنَوِيَّاتِ. شَعَرَ أنَّ النِّهَايَة قدْ بَدَأَ عَدُّهَا التَّنَازُلي. قامَ مُسْرِعًا وَتَوَضَأَ. صَلى رُكْعَتَيْنِ جَالِسًا، بِسَبَبِ آلامِ صَدْرِهِ، وَضِيقِ تَنَفّسِهِ. دُمُوعٌ شَقّتْ طرِيقَهَا عَلى وَجْنَتيْهِ بِلا توَقُفٍ. دَخَلَ في نَوْبَةِ سُعَالٍ. اسْتَلقى عَلى سَريرِهِ. يَنْتظِرُ سَفَرًا نِهَائِيًا. رَعْشَةُ خَوْفٍ، اضْطِرابٌ. رَدَّدَ أدْعِيَة، واسْتِغْفَارَاتٍ، وَآياتٍ قُرْآنِيَّةٍ..

سَيْطرَتْ عَليْهِ سَوْدَاوِيَّةٌ، وَرُعْبٌ مِنْ مَجْهُولٍ ظنَّ أنَّهُ يَنْتَظِرُهُ. ضَيَاعٌ فِي بَوْصَلةِ كَيَانِهِ. تَنقّلتْ نَظرَاتُهُ فِي أَنْحَاءِ غُرْفَتِهِ. صُوَرُ أفْرَادِ أسْرَتِهِ. أغْرَاضُهُ الخَاصَّة، وَمَا تَحْمِلُهُ مِنْ ذِكْرَيَاتٍ وَتارِيخٍ بِالنِّسْبَةِ لهُ. كُتُبُهُ المُسْتَرِيحَةِ عَلى الرُّفُوفِ، وَتَحْتَ السَّرِيرِ. ألْقَى نَظْرَةَ تَحَسُّرٍ عَلى أوْرَاقِ مَشَارِيعِهِ الكِتابِيَّة، المُرَتَّبَةِ في مَلفّاتِهَا، أوْ المُبَعْثَرَةِ عَلى مَكْتَبِهِ. مَلفّاتُ مُرَاسَلاتِهِ مَعَ أصْدِقَائِهِ. ضَغَطَ بِأسْنَانِهِ. أسْئِلةٌ حَوْلَ الدُّنْيَا، وَالعُبُورِ السَّرِيعُ فِيهَا. تَذَكّرَ كلِمَاتِ وَالِدِهِ « الدُّنْيَا لا تُسَاوِي قِشْرَةَ بَصْلة ». حُزْنٌ سَيْطرَ عَلى أعْمَاقِهِ وَأسَى. نَوْبَاتُ سُعَالِ تَشْتَدُّ. أحَسَّ فِي لحْظةٍ أنَّ رُوحَهُ فَارَقَتْهُ، وَأخَذتْ تَنْظُرُ إلى عَذابَاتِهِ مِنْ عَالمِهَا. ارْتعَشَ جِسْمُهُ. قَالَ فِي نَفْسِهِ: لعَلّهُمْ لمْ يَنْقلوهُ إِلى المُسْتَشْفَى، لأنَّ حَالتَهُ مَيْؤُوسٌ مِنْهَا، بِسَبَبِ مَا عَانَاهُ مِنْ أَمْراضٍ سَاِبقًا. مَرَّتْ سُوَيْعَاتٌ. تَجَاوَزَ عَدَدَ جُرُعَاتِ دَواءِ السُّعَالِ. 

ضَاقَتْ الدُّنْيَا فِي نَاظِرَيْهِ. قَفَزَ تَفْكِيرُهُ إِلى عَالمٍ يَخَافُه البَشَرُ. حَسَرَاتٌ، وَسُؤَالٌ عَنِ اللحَظاتِ وَالدَّقَائِقَ المُتَبَقِّيَةِ لهُ…؟ فَقدْ غَدَا أحَدُ قاطِنِي غُرْفَة الانْتِظارِ لِتنْفِيذِ قَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ. ضَمَّ يَدَيْهِ إِلى وَجْهِهِ، تَأَوُّهَاتٌ، صّرْخَةٌ مِنْ أَعْمَاقِهِ: يَا رَبّ… يَا رَبّ…

فَتَحَ حَاسُوبَهُ كَتَبَ وَصِيَّة لِأَحَدِ أَصْدِقَائِهِ الخُلصَاءِ. ذكَرَ مَوْضُوع الدَّفْنِ. الرَّقْمَ السِّرِّيَ لِحِسَابِهِ المَصْرِفِي، وَهَاتِفِهِ الجَوَّالِ، وَالحَاسُوبِ، وَبَعْضَ التَّفَاصِيلِ… طَبَعَهَا وَعَلّقَهَا عَلى المِرْآةِ عِنْدَ مَدْخَلِ البَيْتِ. لعَنَ الشّيْطانَ لِأَنَّهُ نَسِيَ حَبَّةَ الدَّوَاءِ التي لوْ تَنَاوَلهَا، لكَانَ الآنَ سَابِحًا فِي عَالمِ النّوْمِ… 

قَلَقٌ اسْتَغْرَقَهُ، وَفِي ظَنِّهِ أَنَّهُ مُفَارِقٌ، غَيْرُ مُلاقٍ. اتَّصَلَ بِصَدِيقِهِ الذي كَتبَ لهُ الوَصِيَّة. أخْبَرَهُ بِحَالِهِ، وَبِالوَصِيَّةِ. سَادَ المُكالمَة عِبَاراتُ الحُزْنِ، والحَوْقلةِ، والاسْتِغْفَارِ. أقْفَلَ صَاحِبُهُ الخَطّ مُرَدِّدًا: الأَعْمَارُ بِيَدِ الله… سَهَتْ عَيْنَاهُ سُوَيْعَة. أيْقظهُ سُعَالٌ لعِينٌ، وَوَجَعُ رَأْسٍ، وَحَرَارَةٌ تَنْبَعِثُ مِنْ كُلِّ جَسَدِهِ، وَضِيقُ تَنَفّسٍ. تَحَسَسَ أعْضَاءَهُ وَجِسْمَهُ. وَجَدَ أنَّهُ مَا زَالَ حَيًّا يُرْزَقُ. أخَذَ يُفَكِّرُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا التَّافِهَةِ حَقًا. وَرُكُوبِهِ مَرَاكِبَ الرَّحِيلِ. دُونَ أنْ يَدْرِي فِي أيِّ مَرْحَلةٍ مِنْ مَرَاحِلَ سَّفَرِهِ هُوَ الآنَ. تَذَكّرَ أمْرًا مُهِمًا. فَتَحَ جِهَازَ الحَاسُوبِ. أضَاف عَلى سُطورِ وَصِيَّتِهِ أمُورًا نَسِيَهَا. 

عَادَ إِلى سَرِيرِهِ. سُعَالٌ لا يَتوَقّفُ. عَرَضَتْ شَاشَةُ فِكْرِهِ صُوَرَ أفْرَادِ عَائِلتِهِ، وَبَعْضِ أقْرِبَائِه، وَأصْدِقَائِهِ، وَحَوَادِثَ  كثِيرَةٍ. وَالِدَيْهِ، وَهُوَ يَوَدِّعْهُمَا عَلى عَتَبَةِ البَيْتِ، يَوْمَ رَكِبَ قِطارَ الغُرْبَةِ. أخُوهُ، وَتَوْأَمَ رُوحِهِ، المُبْتسِم دَوْمًا. وَكيْفَ غَادَرَ الدُّنْيَا فَجْأَةً تارِكًا وَرَاءَهُ ثَلاثَة أطْفَالٍ. صَدِيقُهُ رِضَا. وَصَبيحَةُ خَرِيفٍ مُشْمِسٍ عَلى رَصِيفِ مَقْهَى اللوٌكْسُمْبُورْغْ، بَعْدَمَا سَلّمَا نُسَخَ رِسَالةِ الدّكْتُورَاه لِلجَامِعَةِ. قَامَ رِضَا مُسْرِعًا، فَرِحًا، مِنْ المَقْهَى، لِيَشْتَريَ عُلْبَةَ سَجَائِر. صَدَمَتْهُ دَرَّاجَةٌ نَارِيَّةٌ وَهُوَ يَهُمُّ بِقَطْعِ الطريقِ. وَقَعَ وَارْتَطَمَ رَأسُهُ بِحَافّةِ رَصِيفٍ أَصَمٍّ. فَكَانَتْ عَيْناهُ النّاظِرتيْنِ إِلى السَّمَاءِ آخِرُ مَشْهَدٍ فِي فِيلْمِ حَيَاتِهِ. مِنْ قبْلِ أنْ يَتَحَقّقَ حُلمُهُ، وَحُلمُ وَالِدَيْهِ وَيُصْبِحَ دُكْتُورًا. صُوَرٌ لِأَصْدِقاءٍ كُثُر. غَادَرُوا الحَيَاةَ. وَلكِن، بَقِيَتْ ابْتِسَامَاتُ وُجُوهِهِم، حَاضِرَةً فِي دَاخِلِ صُنْدُوقِ رُوحِهِ. مُحْتَفِظةً بِألقِهَا. كَأنَّهُم مَا زَالوا بِجَانِبِهِ، بِحَرَارَةِ أجْسَادِهُم، وَعُمْقِ نَظرَاتِهُم، وَنقائِهَا. سُنَّةُ الحَيَاةِ. تَبْدَأ بِبُكَاءٍ بَرِيءٍ، وَابْتِسَامَاتِ وَالِدَيْنِ وَأقَارِبَ. وَتَنْتَهِي بِقَدَرٍ مَحْتُومٍ. صَمْتٌ فَجٌّ يَلُفُّ كَيَانَهُ. تَنَاوَلَ وَرَقَةً بِجَانِبِهِ. كَانَتْ آخِرَ مَا كَتَبَهُ. رِسَالَةُ تَعْزِيَةٍ لِأَهْلِ صَدِيقِهِ نَدِيم. فَوَجَدَهَا تَصْلُحُ لَهُ أيْضًا… 

أمْضَى الوَقْتَ مَا بَيْنَ نَوْمٍ وَاسْتِيقَاظٍ. رُنَّ الجَرَسُ. نَظَرَ إِلى المُنَبِّهِ. عَلِمَ أنَّهُ كَائِنُ الفَضَاءِ. حَمَلَ لهُ كالعَادَةِ طعَامًا، وَمَاءً. وَطَمْأنَهُ أنَّ إِصَابَتَهُ بِالكُورُونَا خَفِيفَةٍ قِيَاسًا بِغَيْرِهِ. أخْبَرَهُ عَنْ عَدَمِ إِحْسَاسِهِ بِجَبْهَتِهِ. تَنَاوَلَ الطّبِيبُ مِنْ مِحْفَظَتِهِ إِبْرَةً. نَزَعَ غِلافَهَا. شَكَّ جَبْهَتَهُ فِي أمَاكِنَ مُتَفَرِّقَة. خَرَجَ الدَّمُ دُونَ أنْ يُحِسَّ. شَرَحَ لهُ أنَّ بَعْضَ المُصَابِينَ يَفْقِدُونَ حَاسَةَ الشّمِّ، أوْ السَّمْعِ، أوْ قَدْ تَظْهَرُ عَليْهِمُ أَعْرَاضٌ أخْرَى. وَأنَّ عَليْهِ أنْ لا يَقْلق… المَرَضُ ضَعْفٌ، يُشَرِّعُ الأَبْوَابَ لِلهَوَاجِسِ لِكَيّ تَدْخُلَ. فَتَدُكَّ مَضَاجِعَ الإِنْسَانِ. وَتُحَطِمَّ قِوَاهُ، وَلذّةَ الحّيَاةِ. وَتُفْقِدَهُ الأَمَلَ، الذي يَتْرُكُ السَّاحَة لِلشَّكِ يَنْخُرُ بِسُوسَتِهِ رُوحَهَ وَوُجُودَهُ. 

بَعْدَ عَشْرَةِ أيَّامٍ تَحَسَّنَتْ حَالُهُ. وَخَفّتْ حِدَّةُ سُعَالِهِ. وَغَدَا تَنَفّسَهُ شِبْهَ طبيعِيّ. أخْبَرَهُ الطبِيبُ بِوُجُوبِ مُدَاوَمَةِ دَوَاءَ السُّعَالِ إلى أنْ يَخْتفِيَ. وَأنَّهُ لنْ يَعُودَ لِزِيَارَتِهِ. تَارِكًا لهُ رَقْمَ هَاتِفِهِ الخَاصّ، فِيمَا لوْ حَصَلَ أيُّ عَارِضٍ. عِنْدَ البَابِ، أخْبَرَهُ أنَّ صَدِيقهُ الدَّكْتُور، أدْخِلَ العِنَايَة المُرَكّزَةِ مُنْذُ يَوْمَيْنِ. صَاعِقَةٌ نَزَلتْ عَليْهِ. خَبَرٌ سَيِّءٌ، مَا كانَ يَوَدُّ سَمَاعَهُ. عَلامَاتُ تَأثّرٍ غَطّتْ وَجَهَ الطبِيبِ. بَيْنَمَا هُوَ فِي حَالةِ ذُهُولٍ. 

كَتَبَ فِي اليَوْمِ التَّالِي رِسَالة لِلطّبِيبِ عَلى هَاتِفِهِ مُسْتَعْلِمًا عَنْ صِحَّةِ صَدِيقِهِ. رَدَّ بِأنَّهُ يّأمَلُ خَيْرًا… كَرَّرَ الرِّسَالة بَعْدَ عِدَّةِ أيَّامٍ، لكِنْ دُونَ جَوَاب…! ظنَّ أنَّ الطّبِيبَ مُنْشَغِلُ، وَسَيَرُدُّ لاحِقًا. فِي اليَوْمِ التَّالِي، وَصَلَتْهُ رِسَالةٌ مِنَ الطّبِيبِ. يُخْبِرُهُ أنَّ صَدِيقَهُ الطّبِيبَ قَرَّرَ عَدَمَ البَقَاءِ مَعَنَا. وَغَادَرَنَا بِشَكْلٍ أبَدِي… دَارَ رَأسُهُ. كَادَ أنْ يَقَعَ مُنْهَارًا… حَاوَلَ الاتِّصَالَ بِالطّبِيبِ لِيَسْتَفْسِرَ أكْثَرَ. فَوَجَدَ هَاتِفَهُ مُقْفَلًا. تَرَكَ لهُ رِسَالة صَوْتِيَّة. اتّصَلَ الطبِيبُ بَعْدَهَا، وَبِكَلِمَاتٍ حَزِينَةٍ أخْبَرَهُ، أنَّ صَدِيقَهُ الأقْرَبُ إلى رُوحِهِ قدْ مَاتَ. وَأنَّ مَرَاسِمَ الدَّفْنِ تمَّتْ بِسُرْعَةٍ. مُعْتَذِرًا عنْ إِكْمَالِ المُكَالمَةِ طالِبًا مِنْهُ الاهْتِمَامَ بِنَفْسِهِ. خَاِتمًا مُكَالمَتهُ بِعِبِارَةِ الفرَنْسِييِّن المَشْهُورَةِ « هَذِهِ هِيَ الحَيَاة»…

باريس في 04 / 05 / 2020

Comments: 1

Your email address will not be published. Required fields are marked with *

  1. قصة جد مؤثرة محبوكة بخيوط واقع مرير نعيشه .. قد أجاد الكاتب صياغتها بلغة واضحة و وصف جد دقيق ..ناهيك عما تتصمنه من أفكار غدت تستوطننا بحكم هذه الجائحة حول خيالالحياة أمام حقيقة الموت.. تحياتي وتقديري للكاتب المبدع الأستاذ خالد بريش