“ودارت الأيام”
د. جان توما
في زمن الكورونا، سقط دوران الثّانية والدقيقة والسّاعة لمصلحة الأيام. عسى أن تقف هنا الأمور، ولا نعبر من إحصاء النهارات إلى تعداد الشهور.
هل أدرك مأمون الشناوي حين كتب لأم كلثوم أغنية لحنها محمد عبد الوهاب عام ١٩٧٠ :” ودارت الأيام .. ومرّت الأيام ” أننا سنصل إلى هذا التقويم في تعداد شهور المحجور ؟ أو كما
غنّى نصري شمس الدين للرحابنة: ” يوم ويومان وجمعة وشهر وشهران”.
غريب كيف استطاع الشّعراء أن يختصروا الآتي. ألم يتابع الشناوي قائلًا: ” ماقدرش أصبر..دا الصبر عايز صبر لوحده …وصفولي الصبر لقيته خيال”. هل يعقل أنّ ما نعيشه أشبه بخيال وخيال؟
لم يعد الصبر كافيًا، والعالم لم يعد يتّسع للحروب، فالحرب الباردة أهلكت الناس؛ لقمة عيش وتوقّف حياة. الطريف في قصيدة الشناوي ورود عبارة ” ليلي يا عيني على العاشقين، حيارى مظلومين عالصبر مش قادرين” بهدف السّلطنة والطّرب، فنشأت حرب باردة، يا ليت حربنا اليوم بهذا الرقي، لأنّ أمّ كلثوم اعتبرتها محاولة لتسوّل الـ “آه” من الجمهور. أصرّ عبد الوهاب فابتكرت “ثومة” حلاً ذكيّا، مكتفية بتكرار كلمة “عيني يا عيني” لتأتي أغنية “دارت الأيام” خلاصة من عبقريّة عبد الوهاب في اللحن، وذكاء ” ثومة” في الغناء.
من يجمع لنا في زمن الكورونا إبداعًا من عبقريّة وذكاء لنخرج سالمين من شهور الوباء، قبل أن نبدأ بعدّ سنوات البلاء، حيث لم تعد تكفي ” يا ليل ويا عين” لاستقدام الفرح واستبعاد الويل.