شقيقة السندباد (قراءة في قصيدة “اشتقت” للشاعرة فهدة شدياق)

Views: 340

د. جوزاف ياغي الجميل

 

اشتقت…..

كنت بعمر الزهر ، وحِبّك قد عطرو،

هونيك…

 عا درج الأحلام وقفت….

وأنطرك

….وتطل…

ويلعبوا مشاعرنا ، ويستوي الخجل بعيوني…..وتقطف فرحتي…

وتمرق الإيام…وإكبَر …ويكبر عمرك فييّ…ولملم صدى صوتك وخبيّه تحلاية لبكرا ….

وإجمع دمع الشوق المصلوب عا غربة المسافة…وملّح وجع الإيام……وتتغيّر طعمتا…بحبّك

فهدة شدياق

 

 

اشتقت…عنوان قصيدة الصديقة فهدة شدياق. كلمة واحدة تختصر ماضيًا من الشوق الجريح. اعتراف باقتراف لم يمر عليه الزمن. ما زالت الجريمة تحت وابل العقاب.

اشتقت. وهل في الشوق الا العذاب؟

بين فهدة شدياق وقلبها صراع. كيف تبوح امرأة بالشوق، في عالم بلا اتساع؟ كيف تختصر المسافة بين كبريائها والجنون.

 التاء ضمير متكلم يختصر عذاب الأنا ويموج بالأماني العذاب. لعلّ الحبيب يوقظ ضميره من جديد، يعيد رسم خطوط المكان، بين المستحيل والإمكان.

في القصيدة بنيتان متوازيتان: بنية الزمان وبنية المكان.

الزمان موغل في القدم. هو زمان الصبا، “عمر الزهر”. والأزهار عمرها قصير. عمر مراهِقة اكتشفت بعد مرور الزمان أنها كبرت، ونأت عن عالم سعادتها، في الجنة المفقودة. ويكبر الشوق في ذاتها والحنين. شوق إلى عمر تهافت على ضوء شمعة فاحترق جناحاه. شوق غدا لعبة بين أيدي كبار فتحول إلى صليب عذاب.

بين الماضي الحلم والحاضر المصلوب تحوّل صوتُه إلى صدى أمل بعيد، تلملِمُ بقاياه من ذاتها القلقة حتى الندم.

وبنية المكان تحوّلٌ من “هونيك / عا درج الأحلام…” إلى ” غربة المسافة”، ذلك المكان المجهول، المعلّق في فراغ القلب والعواطف.إنه مكان الجفاء والوحدة والشوق الذي تلقّى صفعة مرور الأيام. شوق تحاول الشاعرة أن تخبّئه “تحلاية لبكرا”، لغدِ واقع جديد، فتتحول الحلاوة إلى ملح وجع، وعذاب صلب، وحرقة انتظار. يتغيّر طعم الحلاوة. (https://kidsrkids.com/) ولكن العاشقة الأزلية لا تتغير. تبقى على الوعد والحب” بحبك”. ولكنه حب خارج بنيتي المكان والزمان. هو الحب الحلم، والشوق، والسراب. حب يخترق الزمان الواقعي إلى الذكريات. ذكريات اشتياق يسيطر عليه الكبت المرصّع بالألم والدمع والحنين.

كيف تفجّرت المسافة بين عمرها والنسيان؟

كيف تحوَّل انتظار الأنثى إلى رحيل بلا عودة؟

أيكون اللقاء والكِبر خطين متوازيين لا يلتقيان إلا في عالم افتراضي مجنون؟

أهكذا يتلاشى العطر، ويندثر  الزهر، كأن المشاعر قد انتهى أوان لعبها واللقاء، مع انتهاء عهد الطفولة والنقاء؟

حدثٌ غريب أن تعترف امرأة بالشوق والحب. ولكن الغرابة تزول حين يظهر زمان جديد، خارج حدود الزمان. إنه زمان الشعر، والحلم، والرغبة. زمان ليس يحتويه مكان، أو حدود. إنه زمان الحب. وفي الحب عبقُ أمكنة ومشاعر، أعمق من أمس هارب وغدٍ كالنفس في فلسفة ابن سينا، يهبط على الوجود من المكان الأرفع. وفي ذلك المكان المتخيَّل تنبت جذور في سماء الإلهام.

فهدة شدياق، عظيم إيمانك بالحب، يا امرأة الشوق والحب والسلام. عظيمة لهفتك تنتصر على أرق القلق الوجودي. تضعين الملح على الجراح كي تضطرم النار أكثر، في الحب، فيولد من جديد، من بين الرماد.

رحلتك بعيدة، يا شقيقة السندباد. وخلف حدود البعد والقرب رسالة إلى القارئ: كل شيء ما خلا الحب باطل. هو البداية والنهاية، إلى منتهى الأجيال.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *