مدينة الملح
د. جان توما
يرتاح البحرُ من السّفر في مدينتي كما يرتاح شراع المراكب إلى خفقة النسيم. ما لها ألوان الدنيا لا تقوى على رسم بلدتي المشغولة ضفائرها بليالي السهر وغفوة القمر؟
في تلك المنعطفات في الأزقة المتثائبة تغفو حبّات الياسمين على أسوار البيوت، فيما حكايات ألف ليلة وليلة تسبح على بساط الريح الطالع من فانوس علاء الدين، كما طلوع الأساور في معاصم الصبايا المعجوقة بماء الزّهر مساكب النعناع، عند مصطبة البيت، والحبق.
كيف اتسعت شرايين البلدة الوادعة لخطى رجالها حين عبروا المسارب فجرًا خارجين إلى عرض البحر طلبًا للرزق؟ ماذا تمتمت النساء من صلاة حين خرج رجالهن إلى المغامرة اليومية؟ كم لهجت الزوجات فيما ينظرن إلى وجوه أولادهن في غفوتهم
بأمان عودة الآباء إلى بيوتهم سالمين؟ وكم خفقت قلوب الصبايا لعودة الشباب آمنين من مسعاهم البحري لبناء بيوت من ملح؟
هذه مدينة الملح، فوسع البحر كان يبتلع الحيّ العتيق مساحة قبل اكتساح العمران. يومها كان البحر رصيف المدينة واليوم صارت الأخيرة رصيف اليمّ. قضمت المدينة من البحر وأبعدت مياهه عن النوافذ لكن البحر بقي ساكن المقلتين والقلب والرئتين. (https://www.srmfre.com/) ما زالت أرواح أبناء بلدتي قابلة للرطوبة … لتحيا.
(*) اللوحة للصديق زياد غالب للميناء