كيف يجري التاريخ؟

Views: 61

أ.د. مشير باسيل عون

حين يتناول المرء التاريخ، لا بدّ له من التفكّر في صفة الإنسانيّ، إذ إنّ التاريخ لا يصنعه إلّا الإنسان. لا تقوى الكائناتُ الحيّة الأخرى والجوامد على أن تنشئ التاريخ لأنّها محرومةٌ من الإرادة الحرّة. الكون حراكٌ صامتٌ من دون الإنسان. حتّى لو تضاءل مقامُ المبادرة في الفعل الإنسانيّ في قرائن الضرورات البيولوجيّة والجيولوجيّة والبيئيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة، يظلّ الإنسان هو المحرِّك الأوّل في التاريخ. لا يعنى هذا القول أنّ الإنسان سيّدُالكون برمّته. هو سيّدُ التاريخ الذي يصنعه بمحض مشيئته. الكواكب والمجرّات والنيازك عديمة التاريخ حتّى تطأها حرّيّة الإنسان. حينئذ تنشط فيها تمخّضاتُ المشيئة الإنسانيّة وتموّجاتها وتردّداتها وتناقضاتها، وفيها أيضًا تنبض قراراتُ الوجود الحيّ، وعزائمُ الإنشاء، ومبادراتُ الإبداع.

يسأل المرء عن معنى الأحداث التي تعصف بالمجتمعات الإنسانيّة المعاصرة، وفي طليعتها جائحة الكورونا التي هزّت الأوصال هزًّا مريعًا حتّى طفق المحلِّلون يتدبّرون في إثرها وجوهًا جديدة للوجود الإنسانيّ المقبل.فهل ينطوي تاريخ الإنسان على غائيّة ناشبة في ثنايا الواقع، أم أنّ الأحداث تتعاقب على غير هدًى؟ وهل يحتمل المجرى الزمانيّ أن يخضع لقانونٍ ناظم حتميّ يرسم له سبُلَه وتعرّجاته وانعطافاته ويعيّن له مرماه الأخير، أم أنّ الأمور تتدافع تدافعًا اعتباطيًّا تعسّفيًّا عبثيًّا؟ وهل من مرمًى أخير في نهاية الطواف البشريّ في الكون، أم أنّ الإنسان في ترحال مطّرد يضرب في الأرض وفي الكون الفسيح أنّى تهيّأت له أسبابُ العيش والديمومة؟

 

في هذا السياق، ينبغي التذكير بالتصوّرات الفلسفيّة الكبرى التي تناولت التاريخ البشريّ في مسراه العامّ. معروفٌ تصوّرُ الفيلسوف الألمانيّ هيغِل (1770-1831) الذي كان يعتقد أنّ التاريخ يجري بمقتضى قانون الفكر المثاليّ أو الروح الأعلى أو العقل الكونيّ، بحيث يضحي التاريخ جسدَ الروح، فيه تنتشب تجلّياتُ الفكر، أو تجسيداتُ الروح، أو تحقّقاتُ العقل. ذلك بأنّ التاريخ يسير وفاقًا لمخطّط عقليّ كونيّ يستثمر حتّى التواءات الأحداث وانحرافات المسالك، ويضمّها ضمًّا صَهريًّا في بوتقة مؤالفاته الإنضاجيّة. مشهورةٌ أيضًا نظريّةُ ماركس (1818-1883) وإنغِلز (1820-1895) التي تجعل صراع الطبقات محرِّك التاريخ. فالمجتمعات تتصارع تصارعًا متنوّع الهيئات، بينما العامل الجوهريّ يكمن في علاقات الظلم البنيويّ التي تحرم العمّال من ثمار عملهم، فتحصرها في صندوق أرباب العمل. استنادًا إلى مثل هذا الصراع، تتراصف التصوّرات الذهنيّة والبناءات الفكريّة والعمارات الثقافيّة التي تجتهد في تجميل الخلل الاقتصاديّ البنيويّ. ذلك بأنّ العامل الاقتصاديّ هو محرِّك النشاط العقليّ، وهو البنية التحتيّة الخفيّة التي تنهض عليها الأنظوماتُ كلُّها. وحده العنف الثورويّ يفضح العلاقة المريبة بين البنية الاقتصاديّة التحتيّة والبنية الثقافيّة الفوقيّة. فيقلب الموازين، ويهدم الهيكل، ويقوّم الاعوجاج، ويُنصف الناس، ويُنجز ملكوت العدالة الأرضيّة.

لا بدّ أيضًا من الوقوف على التصوّر التقدّميّ الحضاريّ الذي صاغه قبل ذلك الحين الفيلسوف الألمانيّ كانط (1724-1804) في تناوله مسألة الوعي الإنسانيّ الفرديّ في توقّله التصاعديّ نحو المثال الأخلاقيّ الأرفع.كان صاحب الثلاثيّة النقديّة الشهيرة يتصوّر التاريخ مسرحًا للإنجازات الارتقائيّة التي تجسّد القابليّات السنيّة المنطوية في الطبيعة البشريّة. فالتاريخ يتيح للإنسان أن يحقّق ما انفطر عليه كيانُه من إمكانات التهذيب الخلُقيّ والفكريّ والروحيّ. فينتقل من حال العراء التهذيبيّ الأولى إلى حال الاكتمال الكيانيّ الأشمل، وذلك على قدر ما يهتدي بإرشادات العقل، حتّى لو غابت عنه في بعض التصرّفات والأوضاع المقاصدُ القصوى والغاياتُ العليا. إنّها حيَلُ الطبيعة الإنسانيّة تستخدم الانعطابات والانحناءات والاستدارات من أجل بلوغ الهدف الإنسانيّ الأسمى. شأنها في ذلك شأنُ حيَلِ العقل التي يعتمدها هيغِل في تسويغ بشاعات الوجود الإنسانيّ في سعيه إلى تجسيد بهاءات الروح الأعلى. قد تكون الآفات والحروب والكوارث والأمراض والجوائح والمفاسد والمظالم والانتهاكات سبيلًا من السبُل التي تستعين بها الطبيعة أو يلجأ إليها العقل، على غفلةٍ من الإنسان، من أجل تجاوز إعضالٍ من الإعضالات، أو التغلّب على محنةٍ من المحن، أو الانتصار على سلبيّة من السلبيّات التاريخيّة.

إذا اكتفى الإنسان بالتصوّرات الثلاثة هذه، تَبيَّن له أنّ التاريخ يستحقّ أن يتناوله العقلُ تناولًا فلسفيًّا، إذ إنّ المسألة التاريخيّة هي الأصعب والأعقد والأخطر. فالناس يختلفون أوّلًا على تأويل التاريخ، قبل أن يختلفوا على اختبار الحاضر وإدراك المستقبل. في عُرفي أنّ تأويل التاريخ هو القضيّة الثقافيّة التي تُعيّن لنا سبُل المعايشة الحضاريّة السلميّة بين الشعوب. من المفيد إذًا، والحال هذه، أن توجز الفلسفةُ طرائقَ تناولها مفهومَ التاريخ ومقامه ووظيفته وتباين تأوّلاته الثقافيّة. موجز القول أنّ الفلسفة تتناول التاريخ في ثلاثة حقول متنافذة، عنيتُ بها حقل استجلاء الهدف أو المرمى أو الغاية أو المقصد، وحقل التحرّي عن المحرِّك الأساسيّ، وحقل استخراج القانون الناظم. أمّا البحث في الأحداث وتعاقبها وترابطاتها وتعليلاتها، فتضطلع به علومُ التاريخ على تنوّع مقارباتها.

 

في الحقل الأوّل يعتقد الفلاسفة أنّ التاريخ ينبسط إمّا في صورة التطوّر الهادف، وإمّا في صورة التكرار المماثل، وإمّا في صورة التذبذب الرجراج. في كلّ صورة من هذه الصوَر، يعتلن مقامٌ من مقامات الإنسان الفاعل، ويتجلّى معنىً من معاني الوجود الإنسانيّ. فالتصوّر الغائيّ يحتمل ضروبًا شتّى من المقاصد، أشدّها تواضعًا الاجتهادُ المطّرد في تحقيق ذاتيّة الإنسان فردًا وجماعةً، وأعظمها تطلّبًا بلوغُ ملكوت الكمال، سواءٌ في قرائن الإنضاج الكونيّ الذاتيّ أو على تخوم الترميم الإلهيّ الختاميّ. من المعلوم أنّ الفكر الآسيويّ القديم يتصوّر التاريخ في هيئة الخفقان اللولبيّ أو الإهليلَجيّ، والفكر الإغريقيّ القديم يتصوّره في هيئة الدوران التكراريّ، والفكر الدِّينيّ التوحيديّ اليهوديّ والمسيحيّ والإسلاميّ يتصوّره في هيئة الخطّ البيانيّ الارتقائيّ الساعي إلى الاختتام المجيد.

في الحقل الثاني يعاين الفلاسفة في التاريخ نِسَبًا متفاوتة من الحرّيّة الإنسانيّة، أو من التدبير الغيبيّ، أو من الانبساط الطبيعيّ العفويّ. بعضُهم يعاين التاريخ في قبضة المبادرة الإنسانيّة، وبعضهم الآخر يوكله إلى تدبير العناية الإلهيّة، وبعضهم أيضًا يجعله حقلَ تفاعلٍ ذاتيّ المنشإ، على نحو ما يذهب إليه الفيلسوف الهولنديّ باروخ سبينوزا (1632-1677) حين يرسم في الطبيعة عينها وجهَين متكاملَين كوجهي الإله جانوس، ألا وهما الطبيعة الطابعة والطبيعة المطبوعة. وبذلك تنحصر حركيّة التاريخ في نطاق الطبيعة نفسها. سواءٌ أكان المحرِّك الأساسيّ الإنسان أم الله أم الطبيعة عينها، فإنّ التاريخ لا يتحرَّك من تلقاء ذاته، بل يُعوزه دفعٌ أو حثٌّ أو تنشيطٌ يأتيه من خارج ظهور الأحداث وتعاقبها وتدافعها وتفاعلها. زد على ذلك أنّ تعيين هويّة المحرِّك يبيّن طبيعة الغاية. حينئذ لا بدّ من الاستفسار الرصين عن الأسباب التي تدفع بالناس إلى افتراض التباين الجوهريّ في الغايات حين يختلفون في تعيين هويّة المحرِّك الأساسيّ. فهل تكون غاية الإنسان الرشيد من التاريخ هي غير غاية الإله المحبّ وغير غاية الطبيعة الحاضنة؟ أظنّ أنّ الجواب الرزين هو الذي يرسم للشعوب سبيل التلاقي والتفاهم والتعاون والتقابس والتناصح التهذيبيّ الارتقائيّ.

أمّا الحقل الثالث، فيقترن اقترانًا خفِرًا بالحقل الثاني لأنّه يتحرّى عن هويّة القانون الناظم في التاريخ. في صدد مثل هذا الاستقصاء استدلّ الفلاسفة على ثلاثة احتمالات: فإمّا أن يكون قانون التاريخ هو الحتميّة القاهرة، وإمّا أن يكون الحرّيّة الذاتيّة، وإمّا أن يكون الصدفة المحض. الأعقل فيهم تَفطَّن إلى أنّ الحكمة تقتضي أن ينطوي قانونُ التاريخ على خليطٍ رقيقٍ سلسٍمن الحتميّات الملزِمة، والحرّيّات المنعطبة،والمصادفات المحيِّرة. في كلّ حدث من أحداث حياتنا يمكننا، بعد الفحص المتروّي، أن نتلمّس تواطؤ هذه القوانين الثلاثة المتشابكة. في حدث الكورونا تظهر للعيان حقيقة مثل هذا التواطؤ. ذلك بأنّ الكوفيد التاسع عشر هو ثمرةٌ مرّةٌ عَلقميّة من ثمار التفاعلات البيولوجيّة الحتميّة بين الكائنات الحيوانيّة، وفي طليعتها الإنسان، الحيوان الناطق الأرقى، والطموحات الإراديّة الذاتيّة الحرّة، الفرديّة والجماعيّة، والمصادفات الفجائيّة التي تلامس في انعقاد عناصرها حدودَ الاعتباط والعبث والخُلف.

 

إذا كانت الأمور على هذه الحال، كان لا بدّ للإنسان المستبصر أن يتروّى قبل أن يُطلق الأحكام، ويصوغ المسوِّغات، ويعتمد السبُل، ويبني الاستنتاجات. في كلّ حقل من هذه الحقول الثلاثة، يحلو لبعض الناس أن يستبيحوا قواعد المنطق السليم في التفكير. في الحقل الأوّل، يظنّ بعضُهم أنّ الكوفيد التاسع عشر أتى يدفع بالتاريخ إلى أقاصي غاياته، إذ إنّ المقاصد واضحةٌ في استجلاء نهاية التاريخ. فالأزمنة قد نضجت، والبشر قد أسرفوا في العدوان البيولوجيّ والبيئيّ، والأنظمة قد أمعنت في إذلال الشعوب، والأرض قد استنفدت كلّ طاقاتها. فآن الأوان لحلول الخاتمة المرعبة. ومنهم من يعتقد أنّ هذه الجائحة تضرب البشر على نحو ما ضربتهم جائحاتٌ وآفاتٌ وأوبئة غيرها. وما من جديد تحت السماء، ولو تغيّرت الأسماء، على نحو ما جاء في المثل اللاتينيّ القديم: “ما من أشياء جديدة، بل الأشياء عينُها في هيئة جديدة” (non nova sednove).

تتفاقم الظنونُ في الحقل الثاني من مبحث التاريخ لأنّ المطلوب معرفة الفاعل المسبِّب الذي جنى على البشريّة وابتلاها بمثل هذه المصيبة. منهم من يجرّم الإنسان الذي تفلَّت من كلّ مبادئ الأخلاق، وسُنن الفضيلة، وشرائع الخير. فأخذ يعيث في الأرض فسادًا. مستند هذا التجريم إدانة الحرّيّة الإنسانيّة التي يجب من الآن فصاعدًا ضبطها وتقييدها وإخضاعها. ومنهم من ينسب إلى المشيئة الإلهيّة افتعال هذه الآفة اقتصاصًا من الناس الذين كفروا وأشاحوا بنظرهم عن الدِّين القويم. (smartairfilters.com) ولكلّ قومٍ دينُهم القويم الذي لا يخلص الناسُ إلّا به. من جرّاء هذا التصوّر الغيبيّ، يتوهّم بعضُهم أنّ استعطاف العزّة الإلهيّة بالدّعاء يرفع عنهم وباء الكورونا. فإذا بهم يهينون الاختبار الإيمانيّ والحرّيّة الإنسانيّة على حدّ السواء. إذا ثبت للمؤمن أنّ الاختبار الإيمانيّ ضروريٌّ، فإنّ الله، بحسب اللاهوت القويم، لا يريد بالإنسان سوءًا، ولا يقتصّ منه اقتصاص الإذلال والإماتة. عوضًا من إقحام الله في عمليّة ردِّ البليّة، ينبغي للمؤمن أن يطلب المعونة الإلهيّة من أجل تغيير ما بنفسه من وهن وجبن وحقد وخبث وجشع حتّى تنقلب عزيمته ناصعةً صالحةً ماضيةً. فالله لا يغيّر في الوقائع المادّيّة تغييرَ الساحر المتفنّن، بل يُلهم الفؤاد الإنسانيّ حتّى يغيّر هو ما حلَّ بالبشريّة من مصائب جرّتها عليها شرورُ الإنسان المتفاقمة. ليس الدِّين سحرًا، بل اختبارُ نضج أخلاقيّ والتزام إنسانيّ ورقيٍّ حضاريّ.

وكذلك الأمر في الحقل الثالث حيث يُصرّ الناسُ على نظريّاتهم في تسويغ الحدث التاريخيّ. منهم من يغالون في الدفاع عن حتميّة المسرى التاريخيّ، فيبطلون به كلّ إمكانات الفعل الإنسانيّ الحرّ؛ ولكأنّ الإنسان دميةٌ من دمى الزمان يطوّح بها كيفما شاء وأنّى أراد؛ ولكأنّ الزمان يحمل في تضاعيفه بذورَ قرارٍ منفصل عن إرادة الإنسان، فردًا وجماعةً؛ ولكأنّ قرارات الدهر تنطوي على حكمة تفوق مجموع العبَر الثمينة التي استخرجها الناسُ منذ تفتّح الوعي الإنسانيّ. منهم من يستسلمون لنظريّة الصدفة المحض التي تخبط خبط عشواء. فتارةً تُسعد الناس بما تُفرج عنه من مفاجآت الهناء والحبور، وتارةً أخرى تنكبهم بما ينفجر فيها من طاقات الإساءة والإهانة، ولكأنّ التاريخ مطيّةٌ خانعةٌ تركبها الصدفة ركبًا قاهرًا، وتسير بها حيث لا تشاء. فات هؤلاء جميعًا أنّ التاريخ لا قانون له سوى القانون الذي يستخرجه العقلُ الإنسانيّ من معاينته الحكيمة وتأمّله الحصيف في الوضعيّة الطبيعيّة الشاملة التي ينتظم بها وجودُه الإنسانيّ على وجه العموم.

 

في هذا الاجتهاد التفكّريّ يتّضح أنّ المسؤوليّة الجليلة ملقاةٌ على عاتق العقل الإنسانيّ وحده لأنّه هو القادر على وزن الأمور بميزان الاستقامة والسلامة والنباهة والإصابة الإدراكيّة. وحده العقل السليم يستطيع أن يدرك أنّ التاريخ كتلةٌ من الوقائع، لا كتلةٌ من القوانين. لذلك تجتهد فلسفة التاريخ في استجلاء معنى الوقائع من دون أن تُطبق عليها في قوالب انتظاميّة قاهرة. فالحكمة تقتضي اجتناب محنة الانغلاق الشموليّ على المعنى، أي إغلاق معنى التاريخ إغلاقًا إقصائيًّا استعلائيًّا تحجيريًّا، بحسب ما كان ينبّه إليه عالم النفس الفرنسيّ جاك لاكان (1901-1981). انفتاح التاريخ الإنسانيّ رحمةٌ للناس وللعقل. فالإنسان، حين يحجر على نفسه في تصوّر تاريخيّ ضيّق يحدّد له إمكانات مسعاه ونضاله وكدحه، يُصاب بضرب من الخيبة والتعثّر، إذ إنّ استباق الخاتمة على وجهٍ من الوجوه يُفقد الطموح الإنسانيّ المحفِّزات البنيويّة التي ينطوي عليها المجهولُ يستشرفه الإنسانُ في أبهى إطلالالته المقبِلة.

في المنعطفات الخطيرة، يحلو للناس أن يتناظروا في استخراج معنى الاضطرابات الكونيّة. فيذهب بعضُهم إلى التنبّؤ بقيام الساعة، ويُصرّ بعضهم الآخر على عبثيّة المجرى الزمانيّ الاعتباطيّ، فيما يكتفي بعضهم بمعاينة التحوّلات التاريخيّة الطارئة من غير أن يُلبسوها رداء تصوّراتهم واقتناعاتهم وترقّباتهم وآمالهم. لا تُربكني هذه الاجتهادات إلّا حين تتصلّب الأذهان في تسويغها والدفاع المستميت عنها خلافًا لأصول المنطق السليم. ذلك بأنّ الإنسان تحييه حرّيّته الواعدة التي تمنحه بهجة المجازفة واختبار الحدود القصوى. أمّا إذا انطوت أيّامُه على التكرار المملّ في تصوير الغاية المعروفة، فإنّه ذاهبٌ لا محالة إلى الانقباض الاكتئابيّ. فما الفارق الجوهريّ بين حقبةٍ من التاريخ القديم وحقبةٍ من التاريخ الحديث وحقبةٍ من التاريخ المعاصر؟ في جميع هذه الحقَب، اختبر الناس كلّ أصناف السعادة والحزن، وكلّ ألوان العدالة والظلم، وكلّ ضروب الصلاح والفساد، وكلّ طبقات العلم والجهل، وكلّ هيئات التعقّل والجنون، وكلّ أنواع الرجاء واليأس. الأعظم في هذا كلّه أن يستدرك الإنسانُ مآلات واقعه، فينصرف بالتأمّل الهادئ والمعاينة الثاقبة إلى إكرام الكنز المدفون في أعماق كيانه، كنز الكرامة الذاتيّة والحرّيّة المسؤولة والرقّة التعاطفيّة التضامنيّة الكونيّة. في غير هذا السبيل نسير جميعًا نحو الهاوية، فنجعل التاريخ البشريّ مستنقعًا لأبشع ضروب الفساد والشرّ والموت.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *