أراني اليوم صامتةً
د. غادة السمروط
رحتُ إلى الجهةِ الأخرى من الصّمت، في أعماقِ الوقت، أتأمّل في سفرِ الهواءِ، وفي اتّساعِ نقطةِ الماء. أُصغي إلى الأشياءِ في ظلّها تطرحُه أمام العين. كلُّ شيء أراهُ، صامتٌ، يناديني ويوقظ فيّ صمتَ الكلام.
السّماءُ تفتحُ الآفاقَ وتضمُّ أزهارَ الشّمس، تدعوني للغوصِ في آياتِها. الضّوءُ يجلو ظلمَتي. وما بينهما من تراسلٍ، لا أراهُ ولا أسمعُه، يُبحرُ بي إليه.
الكونُ بكلّ ما يعبقُ به، يملؤني دهشةً تنزعُني منّي، فأصمتُ. وأراني في صمتي، أمحو الصّمتَ، أتجذّرُ في كلّ شيءٍ حولي، أفرغُ منّي، وأمتلئُ به.
أُصغي إلى ألحانِ الكون تُطربُ أذنيّ، تأخذُني منّي إليّ، أذوبُ فيها. أتحرّرُ من العالمِ ومنّي، أدخلُ في واحةٍ من حضورٍ تغيبُ فيها سلسلةُ الكلمات.
أصيرُ لوحةً مصقولةً، مرآةً ما بيني وبيني، أُتقنُ لغةَ الوجدِ والخشوع. فأرتجي سلامًا، وأرقبُ سحرًا.
أين أنا الآن؟ مَن أنا الآن؟
واحةُ الصّمتِ تتّسعُ فيّ وبي، تنسجُني سرابًا يهيمُ في عشبةٍ يشلّعها الهواء، في زقزقةٍ تَطرَبُ لها أوراقُ الليل، في ساقيةٍ تهمسُ في الانتظار، وفي نورٍ ينبسطُ إلى الأعماق.
أنا الآن في حديقةٍ نامَ فيها المكانُ والزّمان.
أنا هنا على حافةِ الشّوق، عند ضفافِ الكون، صامتةٌ. يعبرُني الصّفاء، يكتبُني صوتًا في الهواء، شعاعًا في الفضاء، زهرةً من ماءٍ تَتَفتّحُ وسطَ الماء !!
(Zolpidem)