بيروت.. من الصَّحْوَة إلى الغَفْلَة
د. جوني منصور
ليست كثيرة هي المُدن الساحليّة التي لعبت دَوراً تاريخيّاً بارزاً وتَركت أثرها على صفحات التاريخ. لكنّ الحديث عن مدينة بيروت فيه ما يدفعنا إلى تبنّي آليّة التأثير والتفاعُل والتشكيل الحضاري الذي كوَّنته عبر عصور عديدة، وإنْ كان بعض منها غير مُلفت للنظر في مجرى تاريخها كمدينة مرفأ. لكنْ كونها مدينة المرفأ الوحيدة عاصمةً لدولة، وفّر لها ميزات خاصّة رفعت من أسهمها في نَظَرِ دُولٍ مُحيطة وبعيدة.
بيروت التي غنّى لها فنّانون وفنّانات كِبار في العقود الأخيرة، تُحاول أن تنهض من تحت الرَّدم، ولكنْ بصعوبة فائقة. وما أن تعتقد أنّها نجحت في مسعاها حتّى تتلقّى ضربةً أخرى تُلقيها أرضاً. ويأتي تفجير مرفأ بيروت في مطلع شهر آب (أغسطس) الفائت ليكشف المستور ويُعيد الذاكرة إلى الماضي.
صدمة المرفأ ليست كأيّ صدمة، ففيها السياسي والأمني والانتقامي والنّزاعي والطائفي والمَصالحي المحلّي والإقليمي والعالَمي. تفجير المرفأ قد لا يكون وليد اللّحظة بفعل شرارة أَشْعَلت وأَلْهَبت موادّ كيماويّة وسواها، بل ربّما أنّه محوٌ مادّيٌ ينعكس في محوٍ وطمْسٍ اجتماعي واقتصادي وأخلاقي. وإنْ كانت مَشاهِد الشباب حاملي الرفوش والمَجاريف والمَكانس تبعث نوعاً من الأمل، إلّا أنّها تبعث في الوقت ذاته نَوعاً من الألم والشدّة والقسوة والنقمة. فلماذا على هؤلاء الشباب أن يكنسوا جرائم غيرهم ويتيحوا الأرض لتدخُّل دول وجهات خارجيّة مُختلفة؟
تدمير المرفأ بهذا الشكل أتاح بقاء ميناء مرفأ آخر، ووحيد بقدراته التعامليّة، هو حيفا على طول الساحل الشرقي لحوض المتوسّط. فإنْ كان مرفأ بيروت قد لعب دَوراً في تحوُّله إلى بوّابة سوريا والعراق وعددٍ من دُول الخليج، فإنّ تفجيره قد طوى هذه الصفحة (وإنْ مؤقّتـاً لفترة إعادة البناء) وضرَبَ الصورة التاريخيّة للعاصمة بانتظار ميلاد صورة تحوليّة جديدة.
لكنْ، وسط كلّ هذه التحليلات ومحاولات الربط بين أحداث ومُفترقات سياسيّة عملانيّة، فإنّ نظرة على مرفأ بيروت من نافذة الدَّور الذي لعبه، تُبقي بصيصاً من أمل العودة إلى حضوره وفاعليّته وتأثيره.
فالمرفأ في بيروت يحمل وجهَين: الأوّل لبنان والمَشرق العربي، والثاني الغرب بمكوّناته كافّة. إنّه نقطة الالتقاء الحضاريّة عبر الزَّمن من أيّام الفينيقيّين مروراً بالرومان وبيزنطيّة والأمويّين وسواهم. وما كان يُمكن لبيروت أن تشهد ازدهاراً ونموّاً وتطوّراً في مجالات عديدة، إلّا بفعل المرفأ ونمّوه وتطوّره.
لكنْ لا يُمكن الحديث عن المرفأ وبيروت بمعزل عمّا أحدثه المَعْلَمان في مشهديّة التطوّر الحضاري والثقافي والاجتماعي والفنّي في الشرق. فعبر هذا المرفأ دخلت إلى بيروت قوى الاستعمار جالبةً معها مكوّنات حضاريّة عرف اللّبنانيّون كيفيّة تبنّيها وإعادة تشكيلها وصياغتها بقوالب مُلائمة للواقع. وفي مقدّمتها إحداث نقلة نوعيّة عمرانيّة وثقافيّة واقتصاديّة لمدينتهم – عاصمتهم عبر عقود طويلة من الزمن. وعبر مينائهم هذا عرف اللّبنانيّون كيف ينقلون مكوّناتٍ أساسيّة للحضارة العربيّة إلى العالَم. فشَهدت بيروت في الفترة الزمنيّة بين أربعينيّات ومطلع سبعينيّات القرن الماضي نقلةً نوعيّة في مَظهرها وجَوهرها، وخصوصاً في خمسينيّات القرن ذاته وستّينيّاته.
كانت قوافل اللّاجئين الفلسطينيّين التي وصلت إلى لبنان إثر النكبة الفلسطينيّة في العام 1948 مؤلَّفة من ريفيّين استقرّ معظمهم في مُخيّمات اللّجوء في ضواحي المُدن اللّبنانيّة الساحليّة في غالبيّتها، في حين أنّ المَيسورين والقادمين من المُدن استقرُّوا في المُدن الرئيسة، وفي مقدّمتها بيروت، وأسهموا بواسطة ثرواتهم في بناء اقتصاد لبنان ودعْمه وتطويره، بل تحويله إلى اقتصاد إقليمي جاذب لاستثمارات عربيّة نفطيّة خليجيّة تحديداً رفعتْ من قدرة لبنان الأدائيّة على التعاطي مع الشأن العربي والإقليمي والدولي بقوّة دبلوماسيّة وحضاريّة مشهود لها من أطراف كثيرة.
هذه الاستثمارات بألوانها المُختلفة وَجدت لها في بيروت مستقرّاً دافئـاً وداعِمـاً دفعَ بالمُجتمع اللّبناني إلى تفعيل ديناميكيّته ومرونته للتعاطي معها بعيداً من التوليفة السياسيّة الحزبيّة الطائفيّة، حيث إنّ الكلّ مُستفيد والكلّ على بَيّنة أنّ ثمّة فرصة أمامهم للحفاظ على هذه الحالة.
فممّا لا شكّ فيه أنّ ضخّ الأموال الخليجيّة والعربيّة الأخرى نحو بنوك لبنان وتحويلها – أي البنوك – إلى ما قبل انهيار بنك إنترا، إلى مَصدرٍ لتمويل مشروعات إنشائيّة مُختلفة، رفعَ من الدور المالي/ المصرفي لبنك لبنان المركزي ولبنوك تجاريّة أخرى؛ وبالتالي تحوّلت الاستثمارات إلى مشروعات عمرانيّة متوالية عاشتها بيروت خصوصاً، ولبنان عموماً لسنوات طويلة.
هذه الأجواء الاستثماريّة شكَّلت جهة حيويّة واسعة للاستفادة من القدرات والإمكانات المُتوافِرة في بيروت ولدى اللّبنانيّين عموماً، فتفجّرت الطاقات الإبداعيّة في مَيادين ثقافيّة عدّة، لدرجة أنّ بيروت نافَست الإسكندريّة بمينائها والقاهرة بثقافتها وغدت سريعاً مَصدر إشعاع ثقافي مشهود له في الشرق والغرب. وانطلقَ الإبداع من خلال لوحات فنيّة متعدّدة كالمسرح الدرامي والهزلي والناقد المُوارب والمُباشر، والغناء التراثي والحديث المازِج الشرقي بالغربي. وبرزت مشروعات فنيّة لم يشهد مثلها العالَم العربي من قبل. وتشكّلت مؤسّسات لإنتاج ثقافة، كما تأسّست شركات في الخليج لإنتاج المال. فالثقافة المُنتَجة في لبنان، وحصريّاً عبر بيروت، شكّلت رافعة للعالَم العربي، بما في ذلك الخليج الذي بدأ يشهد شمس المَعارف من خلال هذه المدينة، وما تحمله من مخزونٍ حضاري وثقافي متنوّع ومتعدّد وذي مرونة لتقبُّل ثقافات أخرى من دون أن يتنازل ويفقد ثقافته.
ووَجدت عدّةُ شركاتٍ لإنتاج الأعمال الفنيّة، على أشكالها وتوجّهاتها، أرضاً خصبة ويانعة في بيروت لإطلاق مشروعاتها كالأفلام وتسجيل الأغاني والترويج لها بآلة إعلاميّة متميّزة بلغتها العربيّة الحداثويّة المُنعتِقة من قيود وأحابيل المُوارَبة والغموض والسَّتر. وتمثَّل ذلك بدُورِ نشْرٍ بأعدادٍ كبيرة، ودُور طباعة لا حصْر لها، ومؤسّساتٍ صحافيّة امتلكت جرائد ومجلّات ونشرات دوريّة وسواها غمرت السوق العربيّة المتعطِّشة لكلمة ترفع من معنويّات الإنسان العربي وصورة تعكس وجهه الحقيقي بعيداً من التشويه والطمْس وسياسات القمْع.
إلى جانب هذه المشروعات، وإن كانت مُرتكزاتها مؤسَّسة على قواعد الربح والكسْب – وباعتقادنا أنّ هذا أمرٌ شرعيٌّ جدّاً-، تشكّلت في المدينة مؤسّسات تعليميّة، وإنْ كان بعضٌ منها قائماً منذ عشرات السنين، إلّا أنّ تبنّي هذه المؤسّسات مَوجة الحداثة التي غَمَرَت بيروت، دَفعت بها إلى إحداث تحويلاتٍ جذريّة في رؤاها وتطلّعاتها المُستقبليّة. وسرعان ما تحوّلت المدينة لتكون مَوئلاً لجذْب آلاف طلبة العِلم والمَعرفة من الدول العربيّة والأجنبيّة للدراسة في جامعاتها وكليّاتها، وخصوصاً تلك التي كانت تحمل اسماً عالَميّاً أسوة بكمبريدج وأكسفورد البريطانيّتَين.
كوزموبوليتيّة بيروت
صفة الكوزموبوليتيّة التصقت ببيروت بسرعة لم يكُن يتوقّعها أحد، لدرجة أنّها خطفت هذه الصفة من الإسكندريّة والقاهرة وبقيت الوحيدة على طول الساحل الشرقي لحوض البحر الأبيض المتوسّط متربّعة على هذا العرش السامي عالَميّاً.
لقد تشكّلت الكوزموبوليتيّة البيروتيّة بفعل تمازُجٍ بين استعدادها للانتقال من حالة الانغلاق على الذّات كالموانئ القديمة التقليديّة، إلى حالة الانفتاح على المُحيط وما بعده. هذا الانفتاح أَسهم في أن تكون بيروت عاصمةً فعليّة للدولة، أي لأجهزة إدارة الدولة؛ وعاصمةً للمال العربي، بخاصّة الخليجي؛ وعاصمةَ الثقافة العربيّة لفترة طويلة؛ وعاصمةً للثقافة العالَميّة عابرة القارّات والشعوب. لهذا، فإنّ هذه المكوّنات المحليّة والإقليميّة والعالَميّة دفعت ببيروت إلى التربُّع على عرْش العالَميّة، وبالتالي إلى نقْل المكوّنات الحضاريّة اللّبنانيّة والعربيّة والإقليميّة إلى كلّ أرجاء العالَم عبر وسائل وطرائق مُختلفة، سواء إنسانيّة مباشرة كما تقوم بها الجاليات اللّبنانيّة في كلّ دُول العالَم، أم عبر إنتاجها الفنّي والصحافي والكِتابي المُتمثّل بالنَّشْر على أشكاله، أو من خلال الغناء والموسيقى المُلتزِمة ذات الجذور العميقة وليست كتلك العابرة والمُقامَة على سطح الرمال.
وعاشت بيروت فترة عزّها ومَجدها إلى أنْ ضربَ بها زلزال الحرب الأهليّة فجرّدها من امتيازها الخاصّ، والذي لم تتمكّن إلى الآن أيّ عاصمة أو مدينة عربيّة أنْ ترثه. حتّى تلك التي تُحاول أنْ تتبنّاه، فإنّها سرعان ما تتحوّل إلى أشباه مُدن كوزموبوليتيّة ولكنّها ليست كبيروت، ولن تكون مثلها في قادم الأيّام.
الحرب الأهليّة زعْزَعت أركان بيروت ونَقَلَتْها إلى مكانٍ آخر كليّاً. واستمرّ هذا الانهيار طويلاً إلى أنْ عاودت النهوض في التسعينيّات مُحاوِلةً استعادة ذاتها، إلّا أنّها تعرّضت لانتكاسةٍ جديدة تفاعلت بانهيار مؤسّسات ونزوح كثير عنها ووقوعها في فخّ التبدّلات الديموغرافيّة المشوِّهة لطبيعتها ونموّها العاديّ، وتفشّي رؤى مَصالحيّة ضيّقة عملت على طمْس بيروت الحقيقيّة وإخفائها، وخلْق بيروت على نسق مُدن اصطناعيّة.
لكنّ نظرةً خاطفة على بيروت، ما كانت وما آلت إليه، وما يُمكن أن يُعيد ألقها من جديد، تشير إلى عقدة صعبة الحلّ؛ فاللّبنانيّون بطبيعتهم ميّالون إلى العيش في الماضي وعلى الماضي بكونه رصيداً قويّاً لهم. لكنّ الأزمة لديهم تكمن في كيفيّة الانتقال إلى الحاضر في ظلّ الواقع المتحوّل وغير الثابت. فالثابت الذي كان قد انتهى ولم يبقَ منه إلّا ذكرى وكلام استئناسي ونوستالجي فقط. في حين أنّ الواقع الذي أفرزته الحرب الأهليّة، ثمّ صراعات المكان واندفاعيّة فئات للاستحواذ على بيروت، لم ينجح في تشكيل بيروت جديدة ذات تأثير محلّي منظور ولا ذات تأثير عربي إقليمي.
بيروت منذ انتهاء الحرب الأهليّة وإلى يوم تفجير المرفأ، حاولت أن تكون ما أرادت أن تكونه، لكنّها لم توفَّق في هذا المَسعى، بل أكثر من ذلك، جاءتها عمليّة التفجير لتَئِدها ثانية.
وعودة إلى الشباب والصبايا حاملي الرفوش والمَكانس وأدوات التنظيف في مَشهد مؤثِّر آنيّاً، فهُم وبنيّةٍ طيّبة أرادوا المُشارَكة في إزالة الركام والهدْم والردْم من دون أن تتوافر لديهم فرصة إزالة منظومة الحُكم والمُجتمع القائمة التي يُمكن اعتبارها أحد أسباب أزمات لبنان وعَيشه في أجواء حياتيّة بالية وفقدان بوصلة المُستقبل.
يبقى السؤال المركزيّ: كيف سيُعاد تشكيل مرفأ هذه المدينة؟ وبأيّ صورة سيكون؟ وهل للبيروتيّين دَور في وضْع لَمساتهم التاريخيّة والحضاريّة في عمليّة إعادة الإعمار؟ إنّها أسئلة تدعو الى التبصّر والنّظر نحو المُقبل من الأيّام.
***
(*) مؤرِّخ وكاتِب من فلسطين
(*) مؤسسة الفكر العربي- نشرة أفق