أمّي: ١٤ سنة من الحضور
جان توما
تعبر الأيام والليالي ثقال. يبقى وجهك الباسم مَعبَري إلى الماضيات. كيف تمّحي المسافات وتترى الذكريات؟ تتساقط في بالك كشهب لمّاعة في الخاطر والبال. كأنّ القلب عاصفة من الرجاء وهدأة نبض في عجقة العالم.
أعرف يا أمي أمرَين: الأوّل أنّك لم تغادري، ولم ترحلي، ولم تعبري بَعْدُ إلى الفيافي البعيدة، والآخرُ أنّ الفجر عندي باقٍ على انفجاره البهيّ، لكأنّ عَينَيك لم تغلقا بَعْدُ، فيما تنظران إليّ من العلياء.
ليس سهلًا أن يرسم الحبر صورة الأم، ولو بقي غطاء المحبرة مرفوعًا لتوارد الخواطر وتنزيل بركات على ريشة اليراع. كيف ترتسم بين أناملك صورة أمّ ما رَحَلَتْ، وما بَرحَتْ وما غادرَتْ؟ كيف ترسم من أنت، رغم سنوات الانتقال، باقٍ في حضرتها، تغسل وجهك عند جُرْنَي مآقيها، وتقبّل يديها كلّ صباح لرضى يرافقك في عبورك هذا العالم.
كأنّك بعد رحيل الوالدة، منذ أربعة عشر عامًا، وفي التاسع من هذا الشّهر، ما زلتَ تتنقل في محطات العبور. تكرّ الأيام خجلى، فالشوق في القارورة ،التي أودعتها قلبك قبل أن تغمض أمّك عَينيها وتغيب في عَينيك، كياسمين العمر ما زالت تفوح ، وما زالت راحة اليد التي مشّطت بها شَعْرَكَ يومًا تُقَلّبُ صفحات الحياة بإلفة ومحبة وبراءة وعفوية.
هكذا أقف، يا أمّي، عند قبرِك، أرمي سلامي، أتلو صلاتي، أتمتم بآهاتي. يهبّ نسيم البحر فابتسم. أحسّ به يقلّب بعض خصلات شَعْري تعويضًا عن غيابك، لكنه لا يعرف أنّ يدك ما زالت على كَتِفَيّ تأخذ قياسهما كلّ ليلة لتكملي بصنارتّي الذكرى نسج كنزة البركات لتقيني غدرات الزمن وزلّات العمر.
أمي الّتي لم تكن تعرف القراءة والكتابة، ولكنّها كانت أفصح مني لسانًا، أودعت أصابعي أبجديتها، وأطلقت شَفَتَيَّ في آداب التعبير، وما زلت أشعر أني واقف أمامها وبين يديّ كبكوب الصوف فيما تقوم هي بسحب خيطه ولفّه بإتقان مرّات ومرّات كأنّها ترسم به الكون من جديد، تضيء به الآتي، وتقذف في قلبي نورًا من الحبّ لثبات في مواجهة أعباء الحياة.
(*) اللوحة للفنان حبيب ياغي