الحجّ إلى مُونيخ ( 7) عُمرة في سُجون ماقبل الفيريس
*محمّد خريّف
من سجون القيم والمثل : معالم الحماسة ومجازاتها
كنت وأنا أخطو خطوات لزائر لا يثير انتباه أهل البلد في مونيخ ولست الفارسيّ أو البدوي في باريس ، فقط كنت ألاحق ببصري العلامات في مونيخ ومنها بلايك ومعالم أثريّة وتماثيل تذكرني بأبيات من الشعر الجاهلي ومنها قول الشاعر زهير بن أبي سلمى:
من لم يذد عن حوضه بسلاحه
يهدم .. ومن لا يظلم الناس يُظلم
وقيم العِرض كالدفاع بالسلاح عن الحياض والاستماتة في المقاومة دون الاستسلام حتى الموت لم تكن حكرا على العرب في الجاهلية دون غيرهم ففي “مارينا بلاتز”تقوم تماثيل الأسود والفوارس الذين يمتطون صهوات الخيل ما يدلّ على أنّ الألمان في بافاريا لا يزال يحنّ بل يرفع رايات البطولة والشجاعة ورفض الأسر وهنا يذكرني بما يرويه عمي على مسمعي وأنا صبي عن شجاعة الألمان وعدم استسلامهم أثناء هزيمة المحور في الرأس الطيب (الوطن القبلي) ولعل مشهد تمثال الجنديّ المسبول في قبره العاري في الحديقة المجاورة لقصر الحكومة بمونيخ وهي امتداد لساحة “مارينا بلاتز” والجنديّ يحتضن بندقيته في إشعار ضمنيّ بالبسالة والرغبة في مواصلة القتال دون التسليم في سلاحه، وهكذا فللزائر مهما كانت جنسيته أن يفهم أنّ ألمانيا الحداثة لا تفرّط في قيم ألمانيا ما قبل الحداثة وما بعدها.
وهكذا تحوم معاني العود على بدء ومنها غرض الحماسة ومجازاته إلى أقفاص سجونها المفتوحة في حدائق مونيخ دون أن تدفن بالكامل فيها شأنها في ذلك شأن الجندي المسبول في قبره المفتوح وللمثوى الطريف دلالات الفنّ فن النّحت غير المحدود ؟

و تمثال الجنديّ المسبول المجهول في قبره المفتوح كسائر التماثيل في “مارينا بلاتز”يقوم علامة من علامات النحت الفني في ثقافة غير ثقافة القول عندنا،لكن وان صارت عبارات الحفاظ على العرض والمقاومة وغيرها من القيم في الشعر الجاهليّ منبوذة أوهي أصبحت غير مستساغة في برامج التدريس بتأثير أجندة استعمارية صهيونيّة ترى في تلك النصوص المشحونة بقيم الدفاع عن الجسد والوطن ذرائع انخراط في منظومة الإرهاب فيقضى بذلك على روح المقاومة والدفاع عن العرض والأرض المغتصبة في البلاد العربيّة عموما وفي فلسطين المحتلة على وجه الخصوص ، ولم تعد “عبارة لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم “بصالحة ولاهي بمحبّذة، فتصبح كل قوّة وطنيّة مناهضة للصّهيونية رافضة للاحتلال والاضطهاد مهدّدة بثورات الفوضى الخلاقة ومشروعها مستنبط من تنظيرات ما يعرف بتنظيرات مشروع الرّبيع العربيّ الهادف إلى تهديم قيم الشعوب المقاومة بل بتسميمها عن طريق تلقيحها بفريسات قيم أخرى منها تأتي واليها تعود لكنها قيم ديمقراطية طوبائيّة بالية وأيّة ديمقراطيّة في بلدان لمّا تفارق المرحلة اللاهوتيّة ؟ وهكذا يشدّ المشروع المزعوم الأوطان إلى الوراء فتحيي فيها أوهام عودة المجد الزّائف زمن الخلافة وأيّة خلافة ؟
والخلافة الموعودة تجعل لها من الدّاعين إليها أنصارا مخرّبين متطرّفين يرفعون أسلحة الغدر والاِغتيال وقتل القيم الحيّة بمُمارسة العنف، عنف الغدر والأجهزة السّرّيّة ضدّ المناضلين المؤمنين بالحريّة والدّيمقراطية من أبناء الوطن الواحد المتطلع إلى قيم الحرية والعدالة والحداثة وهي قيم الغد المحمودة لا المنبوذة (والغدر كالاغتيال منبوذ ومرفوض منذ القدم ولنا في قيم العرض عند العرب منذ الجاهليّة ما يشهد بذلك وهل فلسفة المنتمين إلى الإسلام السياسيّ سوى سفسطة بل بدعة من بِدع القيم الدّخيلة ،بدع الناقمين في الداخل والخارج وهي قيم مرتزقة تم التدبير لها بكيد الهادفين إلى تكسير شوكة دول عدم الانحياز بطريقة غير مباشرة وبأقل التكاليف المادّية ؟

لكن ولعل ما يُسمح به في ألمانيا ذات السّيادة الوطنيّة من رفع قيم الحماسة والذود عن شرف الجنديّ المسبول في قبره العاري على وجه المثيل دون التفريط في سلاحه حتى الموت لا يُسمح به في بلد عربيّ وفق سياسة تحويل وجهة الإرهاب من الخارج إلى الدّاخل فيكون أمر الشعوب الخارجة عن السيطرة وقفا بل تنفيذا لتعليمات أصحاب نظرية الفوضى الخلاّقة وعلى رأسهم منظرهم الكبير “برنارلويس(1916-2018″)، فتجري هكذا مقولة”حرام عليكم حلال علينا ” عملة بل علامة صالحة في منظومة العولمة، وان كانت العلامة في علم السّيمياء أمنحوتة كانت أم مقروءة تظل فارغة ما لم يشحنها شاحن ويفرغها مفرغ من معانيها الحافة ؟
فلذلك كان من الحقّ المشروع للمفكّر الفلسطيني ادوارد سعيد باعتباره مفكّرا وطنيا ومناضلا فلسطينيّا أن يعارض مثل هذه النظريات الهدّامة ومنها حلم برنار لويس ولم يكن في الواقع سوى حلم صهيونيّ عنصريّ بامتياز يشرّع لقيم السطووالسّلب واغتصاب الأرض والعِرض في فلسطين المحتلة بأساليب خبيثة في ظاهرها رحمة بالإسلام والمسلمين وداخلها نقمة ولا تعنيه سلامة الإسلام ولا استرجاع مجده التليد الموهوم، ولم يقتصر الأمر على برنار لويس بل اقتفى أثره برنار ليفي هنري(1948 الجزائر). فمثل هذه المشاريع التخريبيّة الصهيونيّة التي قد تغري الغاضبين من الإسلاميين على الحكومات العربيّة القائمة على مبادئ الوطنيّة والقوميّة والعلمانيّة بما فيها الاشتراكية، وقد يحتمي بها من أُصيب بالصّادية ممّن أقام في السّجون والمنافي زمنا طويلا لاسباب أمنيّة(ولعل من يقرأ كتب “صاد” يدرك نسبيّا ما يخلّفه المكوث في سجن طويل الأمد في المسجونين امن أمراض نفسيّة وعقد) فكيف لهؤلاء المرضى أن يتولّوْا أمر إدارة شؤون الحكم بفضل ما يفضي إليه صندوق الاقتراع في بلد مثل تونس يعزف فيه أغلب الناس عن الانتخابات ؟ وللبلدان الراعية الحاضنة للإسلام السياسي في أوروبا أو أميريكا أن تأمن وقتيّا من شر الإرهاب ولن تأمن، لكنها لا تسلم منه لأنها تراهن على حصان خاسر.

إذن ما نراه في مُونيخ من معالم أثريّة وعلامات قد تُوحي لزائر مثلي يلاحق دوالّ المعالم و العلامات دون قراءة نصوصها بالألمانيّة فيكون تأويله متماهيا مع تأويلات العلامات الخاصة بقيم الحماسة ومجازاتها ومنها قيمة الذود عن النفس والوطن بالسلاح عند الاقتضاء وهو أمر يدعو إلى التفكير والتأمّل والإدراك النسبي بأنّ تلك القيمة الأخلاقية لم تكن العناية بتخليدها من باب ممارسة النحت الاعتباطيّ ولا هي من باب العبث السرياليّ وإنمّا لها من الدلالة على أنّ أصحاب الحلّ والعقد في مونيخ المدينة- حسب فهمي المتواضع- يحافظون بواسطتها على مفاهيم تتعلّق برموز وجودهم من خلال إقامة تماثيل الفوارس وصيانة قصور ملوك بافاريا القدامى وحمايتها من الاندثار والانهيار والماضي في خدمة الحاضر، وما المعالم التاريخية سوى علامات لا تزال موحية بمعاني النهضة الفكرية والفلسفية والفنّيّة دون الغرق في سبات المثاليّة المؤدّية إلى النّوم والغفلة عن الواقع، وإذا بالنّوم نوم التّخدير في البلادالعربيّة الإسلامية سبيل من سبل تخدير الوعي الفردي الجماعيّ فيكتسب بها التطبّع الشَّرْطيّ على الدّوام طبع الإحساس باليأس والإحباط والاستسلام- ولا إسلام خارج منطق التاريخ وأخذ الحذر من خطاب التّمويه والسّفسطة تروّج له قنوات “الشوهة” وغيرها من وسائل الإعلام الدائرة في فلكها ، وقد قال هُوبْس “الإنسان ذئب للإنسان” و قال المتنبي في غريزة الظلم:
وَالظّلمُ من شِيَمِ النّفوسِ فإن تجدْ
ذا عِفّةٍ فَلِعِلّةٍ لا يَظْلِمُ
وما السّعي إلى القضاء على القيَم الإنسانيّة الطبيعيّة من قيل القوى السلفية الرجعيّة اللاّ إنسانية ،إلاّ مشروع تهديم أركان الدولة المدنيّة وكيانها، قصد استبدال قوانينها الوضعيّة العلمانيّة بقوانين خُرافيّة ما ورائيّة أسطورية فيجعل منها المدافعون عن المشروع الصّهيوني حِيَلا و ذرائع بل فخاخا للإيقاع بأنظمة قائمة في طريقها إلى النموّ لتسقط فريسة تنهشها ذئاب من البشر لا همّ لهم سوى التملكّ والاستيلاء على الملك العام بمنطق “الحوز والتّصرف”، فيكون لهم ما يكون من غنائم السّبْي والتسلّط بفضل ماتزكّيه و تشرّعه ،فتبرّره فتاوى مجالس الشورى وبدعها الشعبويّة الساسويّة
( يتبع…)
***
(*) كاتب تونس- مونيخ- مارس/أفريل2020
(Valium)