نتشابه ولا نُشبهُ بَعضَنا…

Views: 835

لميا أ. و. الدويهي

تركيبتنا واحدة، حاجاتُنا واحدة، رغباتُنا واحدة ولو كانت مُتنوِّعة وتختلف من حيثُ الأولويَّة، إلّا أنَّنا لا نُشبهُ بعضنا… فالفرادةُ تحكُمُ بيننا وفينا…

كُلٌّ منا يحتاجُ أن يُحقِّقَ ذاته وقد تعكسُ له أفكاره بأنَّ الاخر يُشابهُه لأنَّه عاشَ خُبرات مُماثلة… إلخ… فينتقي الناسُ الأشخاصَ من حَولهم، بناءً على هذا «التَّشابُه»…

كُلُّ واحدٍ منَّا مَوجود لتَحقيق فرادَتِه المُعطاة له كهِبَة من عَلياء… وفي خلالِ رحلة الفرادة هذه، نحتاج أن نستندَ على الآخرين، فالبعض يخاف، والبعض الآخر يتردَّد وغيرهم يقلقون وآخرون لا يملكون البَصيرة… إلى ما هنالك من عوامل، فيقتنع البعض بوجوب التخلِّي عن تحقيقِ الصُّورة المَخلوق عليها كُلّ منَّا منذُ البدء، علمًا بأنَّ الحياة لا تنفكُّ تمنح الفرص- بالنسبة إليّ هو تدبيرٌ سماويّ- فرصة تلو الأخرى كي يُحاولَ كُلٌ منَّا قراءة ذاتِه فالمُصالحة مع نفسهِ حتَّى يبلغ الاكتمال بهذه الصُّورة، فتظهر فرادته…

قد يبدو ما أقوله محاولة للاستقلال أو الانشقاق عن المجتمع والآخرين وحتَّى العائلة والأصدقاء… طبعًا لا، فالإنسان لا يكتشفُ ذاته إلَّا ضمن الجماعة ولا يعرف طاقاته ولا يستثمرها إلَّا مع الآخرين ولا يبلغُ قممًا في ذاتِه إلَّا في الانفتاح على الآخرين ولا يُحقّقُ فرادته إلَّا من خلال الحب والمحبَّة وطبعًا من بعد ألمٍ أو وجعٍ مُعيَّنَين يفتحان له دروب الاختيار والقدرة على نفض الذَّات واللقاء الحقيقي مع هذه النَّفس… فمَن جعل الآخرين مصدرَ قوَّتِه تزعزع ومَن استكنَّ للقوَّة الكامنة في داخِله استطاعَ الصُّمود…

المَشورة أمرٌ ضروريٌّ في الحياة… التعلُّم من خبرة الآخرين هو أيضًا استثمارٌ بالغ الأهميَّة… أن نسعى لبلوغِ الحكمة كنزٌ لا يفنى… لذا يجبُ العمل على اكتِسابها، أي الحكمة، لاستثمارِ طاقاتنا الإنسانيّة في شتَّى المجالات بطريقةٍ أفضل وفي المكان المناسب والسُّبل التي تَبني…

أن نحبَّ بعضنا البعض هو عطيَّة لا تُعوَّض… والهدف الأسمى، أن نسعى للسلام، أن نخدم، أن نُضحِّي، أن نتنازل لمنفعةٍ عامَّة أو خاصَّة مُلِحَّة للخير وليس تلبيةً لاستغلال ما، لأنَّنا لا نعرف أن نقول «لا»… كلُّ هذا وأكثر هو الغذاء الثابت لإنسانيَّتنا المؤلَّمة ولكن في قلبِ هذا التجرُّد والتخلِّي عن كلِّ ما يُعيق ارتقاء الرُّوح، نكتشفُ تلكَ الفرادة التي تربطنا بخالِقنا والتي نرتكنُ إليها في ساعاتٍ عسيرة، فلا تنتهي الحياة مع رحيل إنسان، حتَّى ولو كان الألم لا يُحتمل ويطعنُ بالصَّميم، بغضِّ النَّظرإذا ما كان هذا الفراق بسببِ موت أو نهاية علاقة أو بسبب التعرَّض لأيِّ نوعٍ من أنواعِ الغدر أو الخداع، أو الخيانة، أو فقط لأنَّ الآخر تخلَّى عن وعدٍ ما قطعه، ألزمه سابقًا بالارتباطِ بنا، فلعلَّه اختارَ أن يسلكَ دربًا مُغايرة، إلى ما هنالك من أسبابٍ لا تُعدّ ولا تُحصى…

لا يجبُ أن تنتهيَ «الحياة» هنا… بل وجبَ أن تُشكِّلَ هذه الظروف مُفترق طُرُقٍ وفرصة للتوقُّف والنَّظر أكثر في العُمق لفهم الأسباب، وموقف الآخر، إن أمكن، وبالتالي الذات على ضوءِ مُجريات أحداثِ حياتنا وعلاقاتنا، مهما كانت، شرط أن يتمتَّعَ هذا الإنسان بما يكفي من قوَّة ليُقرَّ بنقاط ضعفِه ونقصِهِ ودوره في هذا الموقف أو ذاك والذي أدَّى إلى الفشل في مكانٍ ما ووقتٍ ما…

كُلّنا ناقصٌ وكلُّنا يسبقهُ نقصُهُ إلى المُبادرة، فنجرحُ أحيانًا الآخرين بمواقفنا ولا نَنتَبه… إذًا، الكلُّ يتحمَّلُ من الكُلِّ ردود فعل ناتجة عن هذه النَّواقص الموجودة منذُ الأصل في تركيبتِنا… وبالرغم من ذلك، فإنَّ ذواتنا تستحقُّ منَّا النُّهوض والمثابرة ومُعاودة ترتيبِ وصفصفة كياننا الدَّاخليّ- وهنا لا أَقول نحتاجُ فقط أن نثقَ بذواتنا أو يجبُ فعل هذا الشَّيء أو ذاك، فكلُّ إنسانٍ يحتاج أن يجدَ بنفسِهِ هذا السَّبيل، لأنَّ أعماقَه تخاطبُه، المهمّ أن يعرفَ ويتعلَّم كيف يُصغي إليها- فتتوهَّج هذه «الفرادة» ويُصبحُ لها معنى حين تنعكسُ إيجابًا في مُجتمعنا، حيثُ زرعنا الخالق، لنكون نحنُ بملئِنا، على صورةِ محبِّتِهِ المُطلَقة والكاملة، ومجدِهِ الأزليّ…

 ٢٤ /٤ /٢٠٢١

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *