ضياع الضياع

Views: 1018

د. جان توما

 

ضاعتِ العناوينُ، تفرّقَ العاشقونَ، توارتِ الوجوهُ خلفَ المشربيات، وما عادَ صوتُ المنادي يصدحُ بجمالِ الخمارِ الأسودِ كي يتلألأ ضياءٌ في أروقةِ المدينة.

راحتِ الشرفةُ إلى الشرفةِ، والشارعُ إلى الشارعِ، ونامتِ المووايلُ على الأرصفةِ في الليالي الباردة، وما عادَ يطلعُ اللحنُ من الناي المجروحِ ، وتطايرتْ أوتارُ القيثارةِ بعدما أضاعَ الإيقاعُ خطواتِهِ في تلكِ الأحياءِ العتيقة.

داختِ الناس بعدما كان الفرحُ يلهو هنا، يُكَرِّجُ دواليبَ الهوا، يصنعُ غزلَ البنات، ويرصفُ حبّاتِ التفاحِ أو “المعلَّل بيعلك” في صينيةٍ يضعُها طفلٌ على رأسه، ويدورُ في الحاراتِ، ويقفزُ فرحًا كلّما ازدادَ رزقُهُ. يلهو الهواء بالغسيل المنشور على حبل مهترىء، فيما يتطاير رذاذ الماء من “مرشة “ماء، فيها ألف ثقب، تصبُّ ما بقي فيها على تنكاتِ الزهرِ على الشرفةِ المنسيّةِ في الزمنِ الجميل.

لم يصدّق الناس خبرية “راجح”. لكنه فعلها وجاء، كما لم يصدّق الناس أنّ قطار ” المحطة” سيأتي، لكنه فعلها وجاء، كما لم يؤمن الناس أنّ ” لولو” ستعود، لكنها فعلتها، بعد خمس عشرة سنة من السجن، وجاءت. أعيدوا لنا ما كان، وسننتظر “راجح” الخبرية الحلوة، ونقف مع حقائبنا بانتظار قطار الأمل” الجايي”، وسنخرج من وراء القضبان، كالعصافير الطريّة الأجنحة غير المتكسّرة، مجدّدين كالنسر شبابنا.

***

(*) اللوحة:  هناء عبد الخالق

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *