تعتعني الفقد يا أمي
باريس-نزهة عزيزي
ينهش الحزن غربتي هذه الليلة يا أمي، كلما دخل الخريف يتعرى الفقدان بداخلي ومعاطفي الباريسية الفاخرة لا تدفئ رعش الروح يا أمي.
اسأل مرآتي الكاذبة بأي مكياج أخفي وجعي اليوم؟
على صفحات النات أبحث عبثا عن تذكرة طائرة لأزورك. تقول وسائل الإعلام أن الرحلات الجوية عادت بعد الجائحة اللعينة لكورونا، فهل تعودين من العالم الآخر للحظة فقط؟ فأنا مشتاقة للحظة فقط معك لم أعد أطلب الكثير من الوقت، لقد تسرّب كحبات الرمل من بين أصابعي، لم أعد أشعر بمروره، توقف إحساسي به منذ رحيلك.
لقد إستيقظت ذات صباح بعد سن الأربعين على لون خصلات الشيب في شعري وتذكّرت سواد شعرك الحالك الذي لم يشب رغم قهر الفصول والسنين ورغم الحروب والمعارك الكبيرة التي لم يهيئك اليتم لخوضها. خضتها يا أمي بشجاعة محارب خلف “الحايك” وانت تشدين بقوة على يدي في طريقنا للمدرسة وتصرين على ذهابي إليها رغم اللوزتين ورغم حرارتي المرتفعة لم تكوني تقايضين أبدا بالغياب عن الدروس، أنت التي لم تقرأي حرفًا في حياتك من أين كنت تأتين بتلك القوة أيتها الزاهدة؟
لست بشجاعتك في شيء يا أمي، كانت أسلحتك بسيطة أمام جحافل الحرمان، كيف وثبتي بقلب زاهد في الحياة إلى هذه الدرجة؟!
كنت قديسة يا أمي ولم ننتبه في ركضنا خلف الحياة أن القديسين لا يعيشون مع شياطين الإنس.
كيف أنسى وقفتك خلف قذرك وانت تطبخين لنا الحب بكل التوابل. في المطاعم الفرنسية الفاخرة لا يطبخون مرق البزلاء كما تفعلين، لقد فطموا إشتهائي له للأبد. وعبثًا أحاول طهيه كما كنت تفعلين.
كم من الأسرار أخذت معك حيث ترقدين؟، أكتب لك وحدك هذه الليلة لأنك تؤرقينني، فأنا لم أخبرك بكل شيء، هل تعلمين أننا إلتحفنا اليتم بعدك؟، لقد لفظنا الوطن يا أمي، لفظنا كل شيء بعدك، لقد سيجه السراق والمرتزقة مازالو يصادرون أحلامنا ويطاردون جثثنا في عرض البحر، لقد باعو الوطن وقبضو الثمن.
سأقف يا أمي كما علمتيني أن أقف كنخلة باسقة في طابورات القنصليات، طابورات البؤس والشقاء أستجدي تأشيرة لازورك، لأجلك سأفعل كل شيء حتى قضاء ليلة على كراسي مطار سانت اجزوبري الموحشة في انتظار الطائرات المتأخرة كأحلامي.
لقد نفدت كل مدخرات الصبر من ثقوب فرحي ولم تعلميني كيف نرقع الأفراح.
أجر حقائب خيبتي على إسفلت المنفى، لم أعد أعرف أين هو المنفى الحقيقي يا أمي، كما قال الشاعرعبد العظيم فنجان كل الأرض منفى. مازلت أجمِّل بالكحل عيني لكي أشبهك قليلا وأتذكر عينيك الواسعتين اللتين كنت أغار من دعجهما.
اتذكر واتذكر فالذاكرة لا ترحمني من قصفها، كيف يهطل علي كل هذا الحزن وصمامات القلب التي تسرب الوجع مسدودة، قلب لم تعلق به إلا الفواجع، بعد رحيلك كل شيء أصبح باهظًا يا أمي إلا الموت ومقبرة “لالا عائشة” حيث ترقدين. فلا تبخلي علي بدعواتك وحطي يدك قليلا على جبين الجرح المفتوح واقرأي تعاويذك، ربما يغمرني الدفء في الشتاء.
***
(*) نزهة عزيزي شاعرة وإعلامية جزائرية، مقيمة في فرنسا