سجلوا عندكم

منهجية الأسلوب والبناء لتوليد المعنى في رواية “الـمُــتَــمْــثَــلون”للكاتب إسماعيل بهاء الدين

Views: 313

 

دراسة بقلم: الدكتور محمد سمير رجب[1]

 

 رواية “الـمُــتَــمْــثَــلون” واحدة من تلك الروايات التي يمكن وصفها بأنها “عمل أدبي متجاوز للتصنيف” من حيث إنها استطاعت، وبمقدرة مدهشة، استخدام تقنيات روائية وقصصية   ومسرحية وسينمائية، كل ذلك في تضافر رائع يخدم فكرة الرواية الأساسية. ما يثير الدهشة أكثر هو أن الكاتب إسماعيل بهاء الدين استطاع بخفة شديدة وحرفية عالية، أن يطوع كل تلك التقنيات لإبراز موضوعه في شكل مغاير تمامًا للمعتاد، مختلف كليًا عن المألوف، فالتقنية عنده أداة يستخدمها وليست غاية تستخدمه،فالفارق كبير جدًا بين أن تقود فرسك لتصل إلى حيث تريد، وبين أن يقودك هو ليهيم بك حيث يريد.

يحمل الكاتب همًا سياسيًا اجتماعيًا ذابعد عالمي. هذا الهم يمكن اعتباره نواة كل إنتاجاته الفكرية والإبداعية، ما كتبه بنفسه وما ترجمه، وهوما  يظهربوضوح عند مراجعة  سيرته الذاتية. لكن هذا الهم السياسي الاجتماعي العالمي، حين يحاول أيّ كاتب تجسيده فنيًا يصبح تحديًا كبيرًا، تحيطه المزالق والإشكاليات، فكترجم أو منظِّر سياسي أو اجتماعي مقال، وكمبدع أدبي فني مقال آخر مختلف تمامًا. والفضيلة الكبرى في هذا العمل هي أن الكاتب يعرف المقام الذي هو بصدده، ويمتلك وعيًا بالاختلافات الجذرية بين كونه مفكرًا وكونه أديبًا، كما يحمل ذخيرة وفيرة وخبرة كبيرة أهّلته لدخول ساحة الإبداع بخطى مطمئنة.

سنجد بين ضفتي هذا العمل وجبات دسمة ساخنة، عبثية “صمويل بيكت” اللاعبثية، ومُبالغات “كوينتين تارانتينو” المعبِّرة الدالة، وحوارات “لويجي بيراندللو” المقلقة، وسخرية “بوكوفسكي” الفاضحة، وعنف وقسوة “ميشيل هانكه” المبررة. سنجد واقعية ترتدي ثوب الفانتازيا، وفانتازيا تحاول البحث لنفسها عن موضع قدم على أرض الواقع.

وبين كل هذه الأمور ستجد الكاتب يكتب ببراءة تامة وكأنه لا يقصد شيئًا مما تفهمه، وكأنه بريء من فكرته كالحمَل الوديع. يُضحكك على ما يؤلم، ويؤلمك بما يثير الضحك. يُدافع عنك ويورطك في نفس الوقت. فأنت الفريسة وأنت المفترِس.

ما قبل البداية

تبدأ الرواية من غلافها (لوحة الغلاف بريشة الفنانة اللبنانية لينا أيدينيان). غلاف سيريالي تتداخل فيه ألوان شتى بشكل عشوائي فوضوي. وسط هذه الفوضى تتشكل ملامح جسد بشري في وضع ينمّ عن الألم أو الندم أو قلة الحيلة أو الاستسلام أو الإنهاك والتعب، أو كل هذه الحالات معًا. لعله الإنسان الذي يدفع فواتير صراعات ومنافسات “عالم في حيص بيص”[2].

ثم يظهر اسم الرواية “الـمُــتَــمْــثَــلون” وهو اسم مفعول مبني للمجهول يدل على مَن وقع عليه فعل “التمثلة”،أي تحويل أشخاص معينين إلى تماثيل، رفضًا للاعتراف  بأنهم ميتون، أو للحفاظ على ذكراهم وتقديسها. أما الفاعل المجهول فهو الجماهير التي تتصور أنها صانعة هذاالقرار، غافلةً أو متغافلةً عن أنها واقعة تحت سيطرة آلات إعلامية وأبواق دعائية عملاقة، تديرها منظومة سرية، يقول الكاتب إنها “تُغيّر ولا تتغير”. الجماهير التي يتم تحويلها إلى كيانات ذوات بُعدٍ واحدٍ على حد تعبير “هربرت ماركيوز”، لتصبح أفواهًا استهلاكية وعقولًا مستهلَكة.

وتحت اسم الرواية يعلق الكاتب قائلًا “فانتازيا واقعية جدًا”، وهووصف دقيقٌ جدًا. فما سنراه داخل الرواية من مشاهد غير معقولة ولامنطقية، تلك المقادير الفانتازيّة الأشبه بعوالم السحر والميتافيزيقا، ليست شيئًا آخر غير الواقع بعد أن انتزع الكاتب منه طبقاته الخارجية، التي تستر عريه وتُماهي صورته مع شعارات التقدم والتحضر والتمدن. فاللامنطق الذي يحكم قواعد الرواية هو المنطق الذي يحكم العالم بعد أن يكتسي بالتبريرات والتنظيرات السياسية الديماجوجية، وبعد أن يتجمّل ويحاول رتق عيوبه وتشوّهاته.

ثم يتابع الكاتب التأكيد على ما قلنا فيزيد تعليقاته المقدِمة للعمل مضيفًا “عن أحداث حقيقية، وقع بعضها في الماضي، ويجري بعضها حاليًا، وسيقع بعضها في المستقبل”. وهو هنا يؤكد فكرة “جوستاف لوبون”،الذي شهد حمى انتشار الاشتراكية وتابعها بتخوّف شديد،حول سيكولوجية الجماهير وقدرتها الرهيبة على التناسي والانخداع بفعل عامل “الزمن”. وهذه حقيقة علمية يؤكدها “علم النفس الاجتماعي”، الذي يرى في الجماعات قطعانًا كبيرة يمكن تشكيلها طالما توافرت الأدوات اللازمة.

ثم يأتي الإهداء مفعمًا بروح “الباروديا”[3]، مهديًا الرواية إلى الحكام والرؤساء والأمراء الذين:

“يؤجلون الاستمتاع بما ينتظرهم في جنات النعيم…

من أجل أن يظلوا معنا…

إلى الأبد…

خوفًا  علينا أن نَضِيع،أونُضيِّع البلاد، بعدَهم”.

هذه الروح البارودية الزاعقة سيستخدمها الكاتب كثيرًا داخل العمل، بل لعلها واحدة من أكثر الأساليب استخدامًا لغاية معينة سنتعرف عليها فيما بعد.

الكاتب إسماعيل بهاء الدين سليمان

 

البداية

يعتمد الكاتب في روايته على شكل مختلف تمامًا من أشكال السرد، فهو يستعيض عن الراوي المتداوَل في الروايات بلغة العرض السينمائية، فنراه يقسم فصول روايته إلى:”البوبينة الأولى”، “البوبينة الثانية”، “البوبينة  الثالثة”. شخص ما يقبع في مكان ما يقوم بعرض تلك البوبينات الثلاث، ويتحول القارئ مع بداية البوبينة الأولى إلى شخص يشاهد فيلمًا تدور أحداثه أمام عينيه على الشاشة. وبذلك يخاتلنا الكاتب كقراء لتحفيز حواسنا البصرية وتجهيزها لاستقبال “ملايين الصور الملونة عبر نافذة العدسة” (ص12). هذا الاستدعاء البصري يحوّل تجربة القراءة، بل ويحيل الكتاب نفسه، إلى بلّورة سحرية، نرى من خلالها وقائع جرت وتجري وستجري في “دولة صغيرة عريقة، تقع على شاطئ البحر الأعظم، ويشقها النهر الأعظم”(ص15).

هذه الحيلة الذكية التي اعتمدها الكاتب في سرده جعلت السرد  يجمع بين طبيعتين مختلفتين: فهو أولًا أقرب ما يكون إلى تقنية “سينما العين”[4] التي يتم سرد الحدث فيها وتجسيده كما هو،دون تعليق عليه، ودون تدخُّل وبلا وجهة نظر تخص السارد. وهوثانيًا، وبصياغة عجيبة، يحمل أيضًا “وجهة النظر” لكنها متخفية وراء الكلمات، ملتحمة بالجُمل، نستشعرها في اللهجة التهكمية التي تسيطر على السرد واللغة. وهنا تأتي الأهمية الكبرى لتلك الصياغة الباروديّة. فالباروديّة على حد قول “لندا هتشيون” نقدية بشكل تفكيكي، وخلاقة بشكل بنائي، لأنها “تشرعن وتخرب ما تتهكم عليه معًا وفي آن واحد”.  فالسرد هنا، المحمَّل بنبرة التهكم والسخرية، يضع الأساس الذي تنبني عليه الأيديولوجيا التي تتبناها القوة السياسية التي تحكم هذه الدولة الصغيرة، لكنه لا يترك هذا الأساس بدون تقويضه ونقده ونقضه، كل هذا بمجرد أن تتم الجملة، ويتضح المعنى المراد الذي يحاول الكاتب توضيحه. إن الكاتب هنا يبني فكرته ويهدها في نفس الوقت، فكأنه باستمرار يمحو ما يكتبه، في فعل سردي أشبه ما يكون بالكتابة على رمال سرعان ما تمحوها موجة صغيرة.

في الصفحة (16) تخبرنا البوبينة بأن “قررت تلك الأجهزة الرسمية السيادية، في السر أولًا، ثم أعلنت على الملأ لاحقًا، تخصيص ما يقرب من نصف ميزانية الدولة لهذا الغرض الذي أطلق عليه اسم مشروع الوفاء الأعظم، بعد أن وصفه الداعون إليه، والمروِّجون له، بأنه مشروع قوميّ  نبيل”.هنا نلاحظ أن الكاتب أسّس فعلًا للمنطق أو اللامنطق الذي يتبناه الداعون إلى هذا المشروع، لكنه بشكل خفي وبطريقة غير مباشرة، كشف لامعقوليته وجرّده بمنتهى اليُسر من كل شيم النبل الممكنة. فلا يمكن لمشروع لا يعود بأيّ نفع على الجماعة التي تعيش في هذه الدولة أن يستهلك نصف ميزانية الدولة ويبقى نبيلًا، رغم ذلك. فالمنطق الذي يحكم السرد يدحض بلاوعي خفيّ واعٍ اللامنطق الذي يحرك المعلومة التي يخبرنا بها الكاتب.

تتصف البوبينة الأولى بمذاق سردي خاص بها، بعيدًا عن روح السخرية التي صيغت بها مشاهدها، فهي تتبع سردًا اجتراريًا يعرض لنا ما حدث في ماضي تلك الدولة، مستخدمة في ذلك “الجملة الحوارية”. وهنا لا نقصد بالجملة الحوارية الحوار أو الديالوغ الذي يدور بين شخصين أو أكثر، لكننا نقصد الجملة التي تحاول إخبار المتلقي بفكرة ما أو معلومة ما، مثل أن نقول عن بطل ما إنه “يحب كذا من المأكولات أو يكره كذا”. هذه الجملة هي الطابع الأساسي للبوبينة، لذلك نجد الإيقاع في هذه البوبينة ثابتًا طوال الوقت، محافظًا على سرعته التي تميل إلى   القفز والإيجازوالاختصار وتقريب الصورة العامة للماضي، عوضًا عن الغوص فيه وتأمُّله بشكل تفصيلي. هذه البوبينة الأولى أقرب ما يكون إلى الفيلم الوثائقي،لا إلى الفيلم الروائي. فالجملة الوصفية غائبة وكذلك الجملة السردية، لتصبح الجملة الحوارية أو الإخبارية المحرك الأساسي لهذا الفصل، صابغةً بذلك روح البوبينة الأولى بروح الأفلام الوثائقية، معتمدةً في المقام الأول على الإخبار لا على الوصف أو الحركة. وهي بذلك تعطي المتلقي إلمامةً عامة وفكرةً موجزة، دون إخلال، عن الأجواء التي ستدور فيها الأحداث التفصيلية التي سنراها في البوبينتين التاليتين.

 

يعتمد الكاتب أيضًاعلى مقدمات مشاهد السيناريو المكتوب، فهو يعرض المكان والزمان اللذين تدور فيهما الأحداث، لكنه لا يفعل ذلك دون تصريف،حيث يعمل طوال الوقت على إزاحة تقنياته من أشكالها الثابتة المتعارف عليها، ليعيد تشكيلها وتوظيفها وفق الغاية التي يسعى إلى تحقيقها. إنه يكسبها ديناميكية جديدة تجعلها قادرة على التمازج والانصهار في قالبه الروائي، الذي هو أشبه بسبيكة تضم أكثر من عنصر، لكنها ليست أيًا من تلك العناصر، وطبيعتها المتفردة ليست حاصل جمعٍ مباشرلطبائع تلك العناصر مفردة.

تنتهي البوبينة الأولى بموت “قائد ثورة الفؤوس والمعاول والهراوات” موتًا إكلينيكيًا، يعقبه اجتماع سري لأطراف الآلة السرية التي تحكم البلاد “في غيبة وعي حكامها الذين غيّبوا وعي محكوميها”. هذا الاجتماع يبلور بداية الأزمة التي سيُبنى عليها حاضر البوبينة الثانية. وهنا، تجدر الإشارة إلى أن الكاتب يتجاوز، بوعي سياسي كاشف، الثنائية السياسية المعتادة التي تقسِّم أية دولة إلى حكامٍ ومحكومين، معلنًا عن ثلاثية جديدة، حيث هناك أولًا مَن يديرون البلاد بالفعل أو “الآلة السرية” التي “تُغيّر ولا تتغير”، وهناك ثانيًا مَن يسكنون قصورالحكم، كواجهة ظاهرة، يتغير أصحابها، وتتبدل ألقابهم،من حين إلى آخر، وفي المرتبة الثالثة يأتي المحكومون.

مع بداية البوبينة الثانية نجد أن السرد قد اتخذ طابعًا مغايرًا تمامًا، حيث تميل عدسة السرد الزمنية إلى تكبير اللحظة، واستخدام الصيغة المضارعة في الحكي، وحيث تشترك الجُمل السردية مع الجُمل الوصفية والحوارية لتجسيم وتجسيد المشهد، فنجد مساحاتٍ أوسع وأرحب للوصف والحركة والإخبار. في هذه البوبينة، يتباطأ الإيقاع، ويسيطر الاستطراد واستقصاء الحدث،ويتحول الطابع التوثيقي الذي اتصفت به البوبينة الأولى، إلى حالة فنية خاصة، تمزج السرد الروائي بالعرض السينمائي.

لكن الملاحظ أن الكاتب، رغم ذلك التداخل بين أكثر من تقنية، يحافظ على تقطيع المشاهد وتداخلها، ليرسم أكثر من مسار يأخذ كلٌ منها القارئ إلى طريقٍ مختلف، كما أن أسلوب التقطيع السينمائي هنا يوهم القارئ بتسارع الحدث ويجعله في تشوُّق دائم لمتابعته.

وفارق كبير بين أن تكون الأحداث سريعة متتابعة، تسير في اتجاه واحد تقريبًا، كما في البوبينة الأولى، وبين أن يوهمك الكاتب بذلك عن طريق تقنية القطع أو التقطيع التي تجعل الحدث مقسمًا إلى مقاطع صغيرة، يسلك كلٌ منها  مسارًا مختلفًا، بل إن القطع هنا لا يكون على مستوى المقطع أو الحدث، لكنه قطع يتجاوز ذلك ليكون قطعًا على مستوى الجُمل السردية نفسها، فنجد الكاتب، في تصويره للمشاجرة التي تمت بين الطفلين وجندي قوات فض الشغب، يصيغ  جمله في بناء خاص غيرمألوف،على النحوالتالي (ص 58):

“صرخ الأكبر من فرط الألم…

أطبقت يده النجسة الأخرى على التفاحة بقوة…

ازداد البطل المغوار هياجًا…

أطبق أنيابه على بطن الأكبر…

استرد الأصغر وعيه…

في اللحظة نفسها…

أطلق الأكبر صرخته الأخيرة…

وقد تدلت أمعاؤه الخبيثة…”

وهو، بتحريك جُمله هكذا، وفصلها وتوتيرها، يحاول تمثيل حركة الكاميرا في مشاهد الحركة والإثارة. هذا التوتر والانتقال السريع يزيد حدة المشهد، ويضفي عليه شيئًا من السرعة ربما لا تكون من طبيعته أساسًا.

لا يغفل الكاتب عن أسلوبين مهمين جدًا في مقام كتابته هذه الرواية، وهما: المبالغة البلاغية والمفارقة. يتضح هذان الأسلوبان،بأوسع مفاهيمهما، في مشهد صراع الطفلين والجندي الغوريلا. فالتفصيلية التي نسج بها وصف الصراع وما يحتويه من مناظر قاسية تتمثل في نزع يد أحد الطفلين وخروج أحشاء الآخر، تذكرنا بمبالغات المخرج الأمريكي “كوينتين تارانتينو”،وقسوة المخرج النمساوي “ميشيل هانكه”. غير أن مبالغات تارانتينو مردُّها، كما يتضح في أفلامه، السياق الاجتماعي الذي يغذي في الإنسان الميول العدائية، لكنها عند هانكه تعبِّر عن تعطُّش فكري ووحشية متأصلة في طبيعة النفس البشرية، هذه الفكرة التي أصَّلها “وليم جولدنج” في روايته الشهيرة “آلهة الذباب”.

وفي رواية “الـمُــتَــمْــثَــلون” نرى أن الكاتب استطاع أن يجمع بين المعنيين،فهو، من خلال طريقة رسمه للمشاهد الوحشية، يخبرنا بطرف خفي أن السياق الاجتماعي والسياق السياسي يحرران غريزة الوحشية والدموية المستترة في طبيعة النفس البشرية، في انتظار الظرف المناسب الذي يبرر انطلاقها وجموحها. والشواهد التاريخية على هذا الأمر كثيرة لا يمكن حصرها ولا تعتمد على تحضُّر أو تمدُّن، فهي كما نراها في التاريخ القديم نراها أيضًا في التاريخ الحديث بصورة مماثلة، وكأن كل سبل التمدن التي أصَّل لها الفلاسفة والمفكرون لم تغن شيئًا.

هذه المبالغات التي يرسمها الكاتب، وإن بدا ظاهريًا أنها قد بلغت في شدتها وفجاجتها مبلغًا بعيدًا، تظل هينة بسيطة مقارنة بالواقع المعاش،فهو فقط يقوم بصقلها وإزالة مساحيق التجميل التي تطلى بها لتكون مقبولة دوليًا. إنه يصور هيكل الصراع بلا إضافات ليكشف عورات الواقع ويبيِّنه على حقيقته بشكل فني. هذه المبالغات أيضًا تحرك مشاعر المتلقي، وتجعله مشاركًا في الحدث منفعلًا به، لعله يستشعر المسئولية ويعي مقدار تورطه ومشاركته بشكل غير مباشر فيما يرى.

إن قسوة الواقع في هذه الرواية تأتي بطريقة ممنهجة متراكمة على فترات طويلة نسبيًا، كقطرات الماء المتتالية التي تظل تصطدم بحجر حتى تفلقه. وغاية الفنان أنه يكثف تلك العملية ويجمع شتاتها ويجعلها مركزة مرئية بشكل واضح ومفهوم وملموس، لندرك الحجم الحقيقي لتلك القسوة التي تحيط بنا من كل اتجاه دون وعي بها.

ثم تأتي المفارقة الشديدة بخروج السيارة”الرولز رويس” التي تجرها الأحصنة بحجة حماية البيئة من التلوث، فنجد رجلًا وامرأة يشاهدان الصراع الدائر بين الطفلين والجندي الغوريلا (ص 62):

“صدم منظر الصراع بين ذكر الغوريلا الجندي والمجرم الأصغر مشاعر السيدة الرقيقة، فدفنت وجهها بين كفيها وصرخت بلوعة:

  • ربي ماذا يحدث في هذا العالم؟!

أضاف الرجل المرافق، محتجًا على ما يجري:

  • هذا شيء غير معقول ولا مقبول!
  • إلى أين وصلنا وماذا أصبحنا؟
  • أين ذهبت رحمة السماء؟
  • هذا مشهد غير إنساني بالمرة!”

وقد يدفعك هذا الحوار للوهلة الأولى إلى استنتاج أن هذه المشاعر الجياشة تأتي استنكارًا للقسوة التي يتعامل بها الجندي الغوريلا مع طفلين صغيرين لا حول لهما ولا قوة،لكنك سرعان ما تتفاجأ بأن العكس هو الصحيح، فالرجل والمرأة يتعاطفان مع الجندي الذي يقتل ويقطع ويقسو على الطفلين.

هذه المفارقة تعمق الإحساس بحال الطفلين، وتفضح هذه العقول التي تم تعليبها وتعبئتها بأفكار كاذبة مزيفة،إنها تكشف عن مجتمع انتكست فيه فضيلة الأولوية، وتغير معنى الخير والشر، وتبدلت معاني الرحمة والتعاطف. إن الكاتب هنا يرسم صورة للانمساخ الذي تمر به المجتمعات التي تحيا تحت وطأة أنظمة ديكتاتورية، وهو ما يذكرنا برواية “1984” للكاتب”جورج أورويل”الديستوبية[5]التي تصور مجتمعًا تخرج فيه جماعات من البشر لا يعرفون الأصول الأولى للتفاعل الإنساني القويم، أناس تبدلت لديهم المفاهيم فأصبحوا أشبه بمسوخ.

وإمعانًا في صبغ المشهد بالعبثية، ينتشل الرجل، صاحبُ المرأة، الجنديَّ الغوريلا من بين يدي الطفل ليأخذ مناوبته ويصارع الطفل بدلًا منه، ثم تُظهر المرأة تعاطفها مع الجندي فتلمسه بحنان،فتشتعل نيران الرغبة في  جسديهما، ويتطور بهما الأمر فيشرعان في ممارسة الجنس على قارعة الطريق، وهو حدث يبدو غيرمنطقيّ، لكنك وفقًا للمنطق أو اللامنطق الذي يحكم الرواية تراه حدثًا طبيعيًا، فلا شيء بعد ما حدث يمكن أن يستثير دهشتك، فمرحبًا بك. لقد دخلتَ عالم الرواية واستطاعت أن تفرض عليك عبثيتها بشكل قوي. إنك الآن محكوم بقواعد اللعبة الروائية التي يلعبها الكاتب،ولا تعرف طريقًا للخروج منها.

هذه الورطة ستحاول المعاني المستقيمة بداخلك مجابهتها، ستصدم ضميرك، ستجعلك تحاول بكل ما أوتيت من قوة الإفلات منها، سينشأ صراع داخلي بينك وبين ما تقرأه، أو بالأحرى ما تراه، لتتخلص منه،لكن هذا لن يحدث قبل أن يعذبك الكاتب ويرهقك ويؤلمك ويدمي فؤادك، لتخرج من العمل شخصًا مختلفًا منفعلًا متأثرًا، محاولًا كشف هذا العوار في واقعك.

لذلك أرى أن البطولة في هذه الرواية ليست لأحد آخر سوى القارئ. إن الأثر النفسي الذي تتركه الرواية بداخلك يجعلك أنت بطلها بلا منازع،فشخصيات الرواية كاريكاتورية من الدرجة الأولى، مجرد مسوخ أو محض أشباح، وتجربة قراءتك أنت، أيها القارئ، هي البطولة ذاتها. أنت الشخص الوحيد الحقيقي الذي يمكن إنقاذه، أنت وحدك مَن يستطيع حل عقدة العمل،أنت فقط مَن يستطيع الدفاع عن طفلين دفعهما الجوع إلى تذوق تفاحتين معطوبتين تدحرجتا خارج صندوق قمامة صُنع من أبنوس خالص، وهذه هي جريمتهما التي لا يمكن غفرانها، من وجهة نظر “صاحب المعالي وزير المؤسسة العامة للتقارير الوردية”.

غير أننا لا نستطيع بحال من الأحوال، إغفال عنصر أساسي في هذه الرواية وهو “الفضاء السردي”. والفضاء السردي مفهوم أدبي يتعدى حاجز المكان، ليصبح مفهومًا شاملًا، يربط مكونات المشهد الروائي بعضها ببعض. يقول “جوزيف إكسير” عن الفضاء السردي”لا يمكن بأي حال أن يكون منعزلًا عن المكونات السردية الأخرى كالشخصيات والأحداث والزمان، وعدم النظر إليه في تفاعله مع هذه المكونات يجعل التأويل قاصرًا عن إدراك الأبعاد الدلالية”. إنه حالة الوجود ذاتها يأخذ من الشخصيات ويعطيها، يُشكِّل الحدث، ويصطبغ بلون الزمن الذي يدور الحدث فيه، فحين يوضح الكاتب الديكور الذي تحيا الشخصيات وسطه، والمكان الذي ينساب الحدث الروائي فيه،فإنه بذلك يضع بين أيدينا مفتاحًا مهمًا لفهم النص وفض إشكالاته.

في الصفحة(55) تتحدث الرواية عن أسرة تتكون من ستة أفراد،وحدث غريب بصدد أن يقع، لكننا لا نفهمه. هنا توضح الرواية معالم الفضاء السردي قائلة:

“تتحرك الأم بسرعة،تدور برأسها متفحصة معالم الحجرة، حتى تستوعب الوضع العاملجزئيات ما بقي من آثار أيام عزٍ ولَّت، من قطع الأثاث العتيق المتهالك، ثم تنطلق إليها،تمسك بها قطعة وراء الأخرى، تدفعها أمامها وتلصقها بالجدران المتقيِّحة، حتى تخفي ما تعانيه قطع الأثاث من تسوُّس ولين عظام،وما تعانيه الجدران من جراح صديدية، حفرتها مخالب الزمن”.

ثم تحدثنا عن الشقيق الأكبر وهو “يقفز من مكان لمكان بنشاط” محاولًا “الوصول إلى السقف وهو يطارد بمنفضته المتهالكة أكوام الغبار وبقايا عدد من بيوت العنكبوت المتراكمة”.

هذه البيوت العملاقة للعناكب نفسها نراها في أكثر الأماكن فخامة، في مكتب “صاحب المعالي وزير المؤسسة العامة للتقارير الوردية”، فالرواية تصف المكان على النحو التالي (ص 45):

“يتميز المكتب بنظافة ملحوظة، رغم وجود عدد من بيوت العنكبوت غير المكتملة، …..، التي تتدلى من السقف المرتفع، في تنافر واضح مع أثاث حجرة المكتب وديكوراتها الحديثة”.

هذا الوصف المستفيض ليس وصفًا مجانيًا، وهو لا يحدثنا عن المكان الذي يدور فيه الحدث بقدر ما يحدثنا عن الصيرورة التي تشكله، الحدث والشخصيات والزمان. إن الوصف هنا وصفٌ استباقيٌ يعرِّفنا على العالم الذي نحن بصدده،إنه مرآة تخبرنا عن كل شيء قبل أن نعرف شيئًا،ولا يمكننا الظن أن هذا الوصف لا يحمل دلالة ومعنى خفيين. يقول حسن نجمي: “لا يمكن للفضاء الروائي كتجلٍّ معيّنٍ للمتخيَّل أن يكون بلا معنى”.

هذا التناقض الصارخ بين ديكور مكتب معالي الوزير وأعشاش العنكبوت يسلط الضوء بشكل غير مباشر على حالة الوعي العامة التي تربط أجزاء الرواية، فرغم حداثة الأثاث، لاتزال العقول تقبع بداخلها أكوام الغبار، وترفض الأخذ بسنن العالم الجديد، وتظل تتخبط بين الظلمات. إنه يشير إلى هذا المعنى، يلمح إليه ولا يكشفه مباشرة. إن الوصف هنا يفضح لنا الشخصية قبل أن تتحدث كلمة واحدة، فليس من الفن أن يقول الأديب كل شيء، أو يكشف أوراقه كشفًا ساذجًا، فهويناور ويلف ويدور حول المعنى الذي يريد، وعلى المتلقي فك شفرات النص وإعادة تشكيلها في المشهد الروائي الضخم.

كما أن وصف حالة غرف المنزل الصغير لتلك الأسرة التي تتصرف بشكل مريب، مقدمة منطقية جدًا لما ستكشفه الرواية عنهم بنهاية الحدث، فإنْ عُرف السبب بحق يبطل العجب في النهاية. إنها عملية تجهيز وإعداد للمتلقي ليكون مستعدًا في النهاية للمفاجأة التي يفجِّرها الكاتب في وجهه. إن الوصف هنا يسلط الضوء على الماضي والحاضر والمستقبل في آن واحد وفي أقل عدد ممكن من الكلمات.

من الأساليب البلاغية التي يعتمد النص عليها بشكل أساسي أسلوب “التكرار”،فنجد الكاتب يكرر مقاطع بعينها دون تحريف أو تغيير للفظ واحد فيها بشكل متداول ولعدد غير محدود من المرات. فحين يتحدث عن “حضرة صاحب الجلالة الملكية السامية،باعث نهضة  الأمة ومخلِّصها” لا يجد عيبًا في ذكر لقبه كاملًا حتى في المقطع الواحد الذي قد تغطي ألفاظ اللقب ثلاثة أرباعه.

ولسنا هنا بصدد بحث فوائد هذا الأسلوب البلاغي كما ذكرها الأقدمون والمحدثون، لكننا نؤكد على أنه أسلوب تطرقت إليه الرواية الحديثة وجعلته أحد مكوناتها بشكل قاطع، فنجده عند “فوكنر”في روايته “الصخب والعنف” وعند”آلان روب غرييه” في روايته”الغيرة”.

وللتكرار في رواية “الـمُــتَــمْــثَــلون” غاية أصيلة يحاول الكاتب بلورتها،بل للدقة له غايتان لا غاية واحدة، ربما تكون إحداهما معاكسة للأخرى تمامًا. فهو يحمل دلالة ظاهرية ودلالة أخرى خفية.

فهذا التكراربالنسبة للقارئ محاكاة ساخرة وأداة تنكيت بلاغية، تدفعه إلى الإملال وتأخذ المشهد وشخصياته من المعايير الواقعية الجادة إلى معايير هزلية أقرب إلى روح المسخرة،وهذا كفيل بجعل نفس المتلقي تَعاف ما تراه وتشمئز منه، حين يتحول المشهد الإنساني الحيوي الذي ينطوي على تجدد ونشاط، إلى نمط آلي تنمحي فيه سمات التعقُّل والتفكُّر، نمط يجعل الإنسان أقرب ما يكون إلى المسوخ، فتمسك شخوص العمل بهذه الألقاب الطويلة المملة التي تمَّت صياغتها ويجريتعديل صياغاتها مرارًا وتكرارًا. هذا التمسك المتطرف يجعل الأمر عبثيًا بشكل لا يطاق.

لكن هذاالتكرار في قلب العمل، وفي ضمائر شخوص العمل، يحمل دلالة مخالفة عما يحمله للقارئ،فهم مؤمنون بهذا التكرار اللفظي، مقتنعون به، لا يرون فيه عبثًا، بل يرون فيه إيمانًا وطنيًا قويًا راسخًا يحملهم على تقديس هؤلاء الذين يديرون شئون بلادهم. إنه شيء أقرب للصلاة أوالتعبُّد، لذلك يأتي في نمط واحد متكرر، لا يجوز التفكير فيه، أو تجاهله، أو تجاوزه.

من ناحية أخرى، لهذا التكرار دلالة عضوية هامة تتجاوز الدلالة اللغوية. فالتكرار في ظل الأنظمة القمعية التي حكمت العالم هو أداة راسخة متينة تؤكد على الدوام نجاحها بشكل منقطع النظير. فعبر تكرار تيمات معيّنة وأنماط محددة، يتم طرحها من خلال الأجهزة القائمة على التعليم والإرشاد والإعلام، استطاعت هذه الأنظمة القمعية، في أكثر من مناسبة تاريخية، إنتاج هذا الإنسان الآلي المطيع، الذي لا يمكنه التمرد أو الثورة أو الخروج على الأعراف والتقاليد الاجتماعية والسياسية السائدة. في ألمانيا النازية، على سبيل المثال، كان كتاب “كفاحي” الذي كتبه “هتلر”، كتابًا مقررًا على الطلبة في المدارس، وكان يوزّع على الناس بالمجان في مناسبات مختلفة. هذه الحملات الدعائية الكبرى اعتمدت بشكل قاطع على تكرارات معينة، ربما لم تستسغها النفس في البداية، لكنها مع الوقت وبمرور الزمن، تتحول تلقائيًا إلى أفكار وجدانية مزروعة في الضمير الإنساني، وتصبح مسلّمات بديهية وفطرية لدرجة لا يمكن الطعن في نزاهتها.

التكرار هنا إذن جزء من روح النص،أسلوب كاشف للمعنى ومجسِّد له في الوقت نفسه. إنه أداة متينة يعرف الكاتب جيدًا إمكانات توظيفها.

تبدأ البوبينة الثالثة في المستقبل، على اعتبار “ما سيكون”. وبذلك يكون الكاتب قداستخدم ثلاثة أشكال من السرد، تحدث عنها الناقد الفرنسي “جيرار جانيت” وهي: السرد من الأمام، والسرد من المنتصف، والسرد من الخلف”. وهو ما يوجزه الكاتب من خلال ثلاث جُمل مدخلية هي “كان، وياما كان”، “كائن، وياما هوكائن”، “يكون، وياما سيكون”. تحمل هذه البوبينة روح النبوءة،ل كنها نبوءة تنبني على معطيات محددة. إن الأب الذي باع ابنته في البوبينة الثانية هو المقدمة الأساسية المسخية التي ستنتج فيما بعد بشرًا يأكلون لحوم بشر. وهنا تجدر الإشارة إلى أن تاريخ آكلي لحوم البشر “الكانيباليزم” كان مرتبطًا في أسوأ صوره في التاريخ بالممارسات السياسية الديكتاتورية الجامحة،فنجده في مصر المستنصرية، وفي أوكرانيا فيما عُرف بالهولودمور، وفي أعقاب الثورة الثقافية في الصين، وفي روسيا الشيوعية. إنها الانتكاسة الأكبر للنفس البشرية.

 

إن البوبينات الثلاث ممتلئة بأكل لحوم البشر من البداية، لكنه كان أكلًا مجازيًا ثم انتقل فيما بعد إلى حقيقة واقعة. إنه تطور خطير، لكنه منطقي جدًا إذا ما فهمنا جيدًا خفايا النفس البشرية، وما يمكن أن تؤول إليه.

الطابع الأساسي لهذه البوبينة يتألف بشكل شبه كلي من الحوار. والحوار أداة ذات حدين. (keithmcquirter.com) فالفارق بين الثرثرة والحوار المسرحي أوالسينمائي فارق ضئيل جدًا، النموذجي كما يصفه الناقد الأمريكي “إريك بنتلي” متحدثًا عن “هنريك إبسن”: “كثيرًا ما تقوم جملة من جمل “إبسن” بأربع أو خمس مهام في نفس الوقت، فهي تلقي الضوء على الشخصية التي تنطق بها، وعلى الشخصية التي يوجه إليها الكلام،  وعلى الشخصية التي يدور حولها الكلام، وهي تطور الحدث، وتنقل في ذات الوقت إلى المتفرج معنى غير المعنى الذي تفهمه الشخصيات”. كلام بنتلي عن إبسن، ينطبق تمامًا على حوارات البوبينة الثالثة من “الـمُــتَــمْــثَــلون”.

إن الحوار الذي يدور بين “الأرملة” و”الابنة” و”الابن” هو ذلك الحوار المقتضب المتردد المليء بالتوتر، إنه حوار متجاوز للمشهد الذي يحتويه، حيث لا يلقي الضوء على اللحظة الدرامية الراهنة فقط، بل يضيء أيضًا أماكن أخرى في الماضي، ويظهر طبائع الشخصيات، ويدفع الحدث الروائي دفعًا للأمام. كذلك يجسد الحوارشكل العلاقات بين أفراد تلك الأسرة، وما ينتابها من تفسخ ونفور وسوء فهم وشك،بل إنه يقدم أيضًا صورة للأب الغائب عن المشهد، هذا الأب الذي تتجسد ملامحه أمام أعيننا من خلال الجُمل القصيرة المبتورة التي تدور بين أفراد أسرته.

وفي حين ركزت البوبينتان الأولى والثانية على الرأس الذي يدير ويحرك أولئك الذين يديرون ويحركون المجتمع، نجد البوبينة الثالثة تركز أكثر على المجتمع نفسه،حيث تستعرض أحوال الجماهير في مواقف وأماكن مختلفة، وتستكشف البيوت والشوارع والميادين،وكأنها ترصد الناتج النهائي المتمثل في العقل الجمعي الذي تنتجه السلطات الحاكمة الديكتاتورية.

الملاحظ أيضًا في هذه البوبينة،التيي تجاوزطولها طول البوبينتين الأولى والثانية مجتمعتين، أنها محتشدة عن آخرها بالدلالات،فأمامنا على الدوام مشاهد وأحداث ذات أبعاد دلالية عميقة، ترسم صورة تفصيلية دقيقة  للمجتمعات المتخلِّفة التي ينتجها القمع والسيطرة على العقول وغياب الحرية السياسية. في هذه البوبينة نجد أكل لحوم البشر كما أسلفنا القول، نجد المتاجرة بالبشر جنسيًا وعضويًا، نجد الشاعر الذي حوّل مكتبته إلى مكان يبيع فيه المجلات والأسطوانات الإباحية والواقيات الذكرية. نجد عملية حرق الكتب التي تذكرنا برواية “راي برادبوري” “451 درجة فهرنهايت”، التي حولتها السينما العالمية إلى فيلم سينمائي أكثر من مرة، لعل أفضلها الفيلم الذي أخرجه الفرنسي فرانسوا تروفو عام 1966. نجد النسيان المزمن عند “أرملة المرحوم” و”الابنة” و”ضابط شرطة العون العاجل” الذي تستدعيانه للتحقيق في الكيفية التي ربما يكون قد قتل بها “المرحوم”. هذا النسيان المزمن الذي يذكرنا بذاكرة السمك يمكن ربطه بعملية إحراق”مشروع إحياء البيت الوطني للكتب والوثائق والمحفوظات”، فبلا ثقافة ودون وعي تاريخي وحضاري للهوية الشخصية، يتحول البشر إلى دواب بلا مخيلة ولا ذاكرة.

من المدهش في هذه البوبينة الطريقة التي عبّر بها الكاتب عن الزمن وصيرورته بشكل مقنع يتوافق مع السياق الانتكاسي الذي آلت إليه الأمور. فما بين مشهد وآخر قد تنقضي مدة زمنية طويلة لامنطقية، لا تلائم فهمنا ولا وعينا الواقعي للزمن، لكن داخل الرواية وبمعطياتها نجد تلك القفزات الزمنية مفهومة، فلا معنى للوقت أو الزمن لكائنات تتبخر ذاكرتها، ولا تحتفظ بحس زمني طبيعي. فنرى الحوار بين “أرملة المرحوم” و”الابنة” و”ضابط شرطة العون العاجل” يقطع شوطًا زمنيًا كبيرًا أقرب إلى روح الكاريكاتير، فيه مبالغة دالة تفضح الوضع وتمثل عملية التجريف العقلي التي أنتجت هذه الصور المقززة للإنسان، فنحن نكاد لانفهم هل فعلًا مر أسبوع و”ضابط شرطة العون العاجل” يحاول تحليل بياناته الساذجة التي جمعها حول الطريقة التي مات بها المرحوم، أم أن إحساسه الشخصي بالزمن إحساس معطوب! أيًا ما كان المعنى الذي أراده الكاتب فنحن أمام مجتمع يحياخارج الزمن،يعيشخارج التاريخ، طالما هو بلا وعي أو ثقافة.

ولعل الصورة التي شخص بها الكاتب “ضابط شرطةالعونالعاجل” تذكرنا برواية “تشارلز بوكوفسكي” “أدب رخيص”، فالضابط يبني على معلومات وبيانات تافهة استنتاجات خائبة، تفضح المسار الذي تتخذه فكرة العدالة في مجتمع منكوب كهذا. فالعدالة أقدس وأقدم حقوق الإنسان يتم انتهاكها بأفعال رديئة ساذجة، بمنتهى البساطة ودون وخزة ضمير واحدة كما في حالة “الشرطي المتمنطق بسيف طويل صدئ”.

اللافت للنظرأيضًا،أن هذه البوبينة،وقبلها البوبينة الثانية،لا تتضمن فعلًاواحدًا يمكن اعتباره، من وجهة نظرشخصياتها خرقًا للقانون، يستوي في ذلك ما ترتكبه أدوات السلطة الحاكمة، وما يرتكبه المواطنون والأغراب أفرادًاوجماعات. فكل ما عرضته أواستعرضته البوبينتان من أفعال شائنة، وسلوكيات مقززة، تبدأ بالسرقة ولا تنتهي باغتصاب الأطفال والطفولة،جاء متوافقًا تمامًا مع القوانين السائدة،التي صدر معظمها بناء على توصيات ملزمة من جهات دولية. غير أننا لا نعرف ما إذا كان القانون قد شرعن تلك الأفعال بعد أن صارت أمرًا واقعًا، أم أن تلك الأفعال قد سادت، بعد أن منحها القانون غطاءالشرعية.

إن هذه البوبينة أشبه بجرح قديم تُرك لزمن طويل وممتد دون تضميد ودونتعقيم، فتحوّل إلى مخزن ينزّ بالصديد والدم الفاسد. ولعل طول هذه البوبينة المبرر،مقارنة بالبوبينتين السابقتين كما أسلفنا، هو صيحة إنذار وتنبيه، أراد الكاتب أن يطلقها في وجه القراء، لاستبصار المستقبل ومحاولة تفادي السيناريوهات التي قد تؤدي إليه.ولعل هذا التشبيه للبوبينة بالصديد تشبيه موفق جدًا خصوصًا مع انتهائها بثورة غريبة جدًا، قامت بها ملايين الديدان التي خرجت من رأس جثة المرحوم، الرجل الوحيد الذي يبدو رغم موته طبيعيًا وعقلانيًا في أحكامه وقناعاته. فهو الذي “حطّم جهازالتلفزيون قبل الحادثة بسنوات طويلة،ورفض كل محاولات إدخال تليفزيون جديدإلى البيت” (ص260)، وهو الذي “باع الثلاجة من أجل بضعة  كتب تافهة مهربة”،ثم باع كتبه،أوربما يكون قد نجح في تهريبها،قبل أن تحرقها زوجته وابنته (ص294). هذا المرحوم الذي قتل دونما كل الناس، يكون هو وحده أساس تلك الثورة الدودية التي سوف تمسح كل آثار ذلك المجتمع العفن الخرب. وهنا نلحظ أن تلك الثورة الدودية قضت على الأحياء، ولم تقضِ على الحياة نفسها، كما ورد في المشاهدالأخيرة من البوبينة الثالثة (ص 365):

“ثم تتوقف الديدان المُتخمة…

لتهضم وجبةً ما فرطت في شيء…

إذ ضمت بينما ضمت…

الحي والجماد…

دون أن تلحق الأذى بشجرة واحدة”.

لكن، كيف يمكننا أن نرى هذا العمل في ظل تراث أدبي إنساني طويل؟هل هي رواية عبثية؟ فانتازيا؟ سيريالية؟ هل هي واقعية سحرية فعلًا؟ لماذا حشد الكاتب كل هذه التقنيات التي تتفنن في تمسيخ الواقع الروائي وتشويهه؟ه ل أتى هذا بقصد مُبيّت؟ أم جاء دون قصد؟ لماذا يحاول إثارة القرف لدى القارئ؟ لماذا، بطريقة شبه سادية وبحرص شديد، يقززنا ويحاول استثارة أمعائنا لتفرغ ما فيها؟هل هذا أدب؟ هل يدخل هذا الأسلوب ضمن رسالة الأدب الجمالية؟ لماذا التكرار داخل الرواية؟ ولماذا هذا الكمّ من المبالغات الشديدة؟ لماذا هذا الحس العالي من السخرية؟ لماذا كل هذه الكاريكاتورية؟ كل هذه أسئلة مشروعة جدًا في حضرة رواية “الـمُــتَــمْــثَــلون”. وهي مؤسسة على ردود فعل نفسية مؤكدة.

أتذكّر أول مرة وقعت في يدي هذه الرواية تمهيدًا لمناقشتها في ندوة ما. ذهبت إلى مكان الندوة لأجد أن بعض مَن كانوا سيناقشونها اعتذروا واعتذرن عن القدوم لأسباب مختلفة في الظاهر، لكنها متفقة في الخفاء. الرواية، من وجهة نظرالمعتذرين والمعتذرات، قاسية، إباحية، مقرفة، إنها سادية، لا يمكن أن تكون قد كتبت لهدف جمالي على الإطلاق.

هذه الأسباب، فيما أرى،أعذار ومبررات مبنية على الاستسهال،وعلى الاستسلام لنمط معين من الكتابة ألفناه في قراءاتنا إلى حدِّ الإدمان،القراءات الروائية الحالمة حتى في قسوتها،الروايات التي تربت على كتف القارئ وتشعره بأن كل شيء على ما يرام، وحتى إن كان كل شيء على غيرما يرام فإنه،أي القارئ، بريء رغم ذلك فلا حيلة له في عالم يأكل بعضه بعضًا. الروايات التي تصيغ أبشع المناظر بصيغ شعرية وجمالية تجعلنا نشعر بأننا لسنا بصدد مشهد قتل أو سحل، وإنما نحن أمام عزف لإحدى مقطوعات شوبان أو موتزارت.

ولعل هذا يذكرنا بمقدمة مسرحية “كرومويل” لـ”فيكتور هوجو” الذي يصف مسرحيته بأنها “ليس فيها ما يلفت انتباه الجمهور أو عطفه” كما أنه لا يضمن “الاستحسان الأدبي للذواقين”. فهو قد كتبها على منهاج يخالف الرؤى الرومانسية التي كانت تسود أوروبا، بل هو شق بها طريقًا مختلفًا للرومانتيكية يخصه وحده.

وهذا ليس طعنًا في هذه الكتابات الحالمة، فهي ضرورة للمتلقي بالفعل، لكنها ليست الشكل الأدبي الفني الجمالي الوحيد لرصد الواقع منذ القدم، فما بالنا بواقع “بعد ما بعد الحداثة”؟هذا الواقع الذي وصفه “أومبرتو إيكو” بأنه أشبه بحالة “غزو البلهاء” والذي يفسره “ميلان كونديرا” قائلًا: “إننا نرى في الأفق جيوشًا من الأجلاف الذين يرصدوننا”. بل إن “آلان دونو” يرى هذا النمط الجديد بمثابة تحوُّل لنظام متكامل يحكم العالم سمّاه “نظام التفاهة”،ويصف دونو هذه التفاهة قائلًا: “إنها تشجعنا بكل طريقة ممكنة على الإغفاء بدلًا من التفكير، والنظر إلى ما هو غير مقبول وكأنما هو شيء عادي، وإلى ما هو مقيت على أنه شيء ضروري”.

إن القيم الجمالية في عالم “بعد ما بعد الحداثة” أصبحت قيمًا مقلوبة، وتتطلب بالضرورة معالجات أدبية مقلوبة، لرصد القبح ومن ثمَّ التأكيد على قيم الجمال التي تم مسخها في الوعي الإنساني. فحين يتحكم البلهاء في مصائر الشعوب، وحين نصبح أدوات في أيد أجلاف، تصبح الجمالية والوصول إليها أمرًا عسيرًا يتطلب جهدًا غير يسير، عبر طرق تخترق جبالًا من القبح.

لذلك، وبناء على كل ما تقدم، فإن الكاتب اعتمد على ما يسمى في الأوساط النقدية منذ “غوتييه” و”هوجو” ” حتى “باختين” بـ “الغروتِسك”.

والغروتِسك اتجاه فني يعتمد على تبشيع الملامح، وتشنيع المشاهد، وتقبيح الشخصيات. وهي معالجة جمالية تقتل القبح بالقبح، وتقهر الجلافة والصلف بجلافة وصلف مضادين. وهي تقسو لتنهي القسوة، وتبيح بشدة لوأد الإباحية. إنها كشف للعورات وكسر للتابوهات، ربما لإعادة تأسيس جديدة بلا قسوة ولا بذاءة ولا إباحية. إنها فوضى عارمة لتقييد الفوضى.

ولست أدري أية مفارقة تلك التي جعلت أول تنظير للغروتِسك يجيءعلى يد “فيكتور هوجو” في مقدمة مسرحيته “ثورة كرومويل”. إنه تناوُلٌ مرتبط بالحالة السياسية والتاريخية التي كانت تفور في أوساط أوروبا، وهي تقترب جدًا من الحالة التي تحاول رواية “الـمُــتَــمْــثَــلون” تجسيدها في ظرف زمني مختلف قليلًا.

وكما الحال بالنسبة لرواية “الـمُــتَــمْــثَــلون”، كانت مسرحية “ثورة كرومويل” تعبيرًا عن نوازع نفس فيكتور هوجو وتجسيدًا لمخاوفه وآماله وإحباطاته.

يشرح هوجو الغروتِسك مقارنًا إياه بالجمال والعقلانية، فيقول: “الجمال ليس له إلا نموذج واحد، بينما تأخذ القباحة آلاف الأشكال، أما العقلانية فالغروتِسك يشكل نقيضها، من خلال ما هو من إرهاصاتالخيال وما هو مرعب ومنفر”. لكن الغروتسك بالنسبة لهوجو “أغنى الينابيع التي تستطيع أن تدلنا على الفن”. وبمقارنة الكلام السابق بالسياق الروائي عند إسماعيل بهاء الدين، نجده قد أحصى عددًا كبيرًا جدًا من أشكال القبح، لكنه في المقابل، وحين أراد تجسيد الجمال، لم يجدأحدًا يجسده غير “الفتى القمري وامرأته”. أما العقلانية فنجدها في ملامح شخصية المرحوم التي يجسدها أمام أعيننا كلام الأرملة والابنة والابن، أمّا اللاعقلانية فحدِّث ولا حرج، حيث تفوح من كل جزء آخر من أجزاء الرواية لدرجة تثير النفور والرعب.

إن هوجو يبدو كأنه يتحدث بشكل واضح،وبدقة شديدة، عن مشاهد “الـمُــتَــمْــثَــلون”. إن عالم الرواية غني باللامنطق وبالأمور المرعبة وبالقبح الشديد، لكنه رغم ذلك ينبوع للجمال، أو هو محاولة لإعادة اكتشاف الجمال أو إنقاذه، قبل أن يسود القبح ويطمس كل شيء. إن “الـمُــتَــمْــثَــلون” تحذير شديد اللهجة لإعادة تقييم ما بأيدينا، القيم التي نغفل عنها، برسم صورة مضادة كليًا لها.

وفي الهوامش التي أضافها المترجم علي نجيب إبراهيم لمقدمة هوجو نراه يعلق على الغروتِسك (المتنافر-المضحك) مضيفًا: “هي مقولة جمالية تتميز بتذوق ما هو مضحك بتنافره وابتعاد شكله عن الأشكال المألوفة، فإذا كان الجليل متناسق الجمال، ومقدودًا على مقاييس تبعث على الشعور بجدية الموضوع الذي يجسده، فإن المتنافر المضحك ينطوي على خليط من الغرابة والتشوه والبشاعة الباعثة على الضحك”. ولعل مشهد القسيس الذي يطارد “ظبية الرب” وحواره مع الشيخ الذي يبيعه صكوك الغفران، في رواية “الـمُــتَــمْــثَــلون”، واحد من أكثر المشاهد تأصيلًا لفكرة “المتنافر المضحك” هذه.

أما ثروت عكاشة فيصف الغروتِسك في معجمه بأنه: “فن زخرفي نحتًا وتصويرًا وعمارة يتميز بتصاوير أو منحوتات خيالية غريبة للإنسان أو الحيوانات أو لكائنات خرافية لا تمتّ إلى الواقع بصلة …… وهي وإن كانت مستساغة فنيًا، غير أن فيها غلوًا في التشويه أو مجاوزة الحد فيما هو طبيعي أو فيما يخالف الواقع مما يخرج بها إلى العبث المازح أو القبح المثير للسخرية والازدراء أو البشاعة المثيرة للهول والفزع، أو الكاريكاتير الذي يحرك في النفس الفكاهة والتندر لسخفه وغرابته”.

كل هذه التوصيفات التي أدرجها الباحثون تحت لفظة “غروتِسك” نجدها بتمامها داخل رواية “الـمُــتَــمْــثَــلون”، فهي تثير شتى الانفعالات النفسية من الفكاهة السوداء حتى الخوف والهلع مما نقرأ. فالطريقة التي يعتمدها الكاتب دومًا لوصف الهيئة الفيزيقية لشخوصه تعتمد على المزج بين طبيعتي الحيوان والإنسان، جسديًا وسلوكيًا، فنجد “الجندي الغوريلا”، و”الرجل الخرتيتي”، و”الناس القردة”،وقرب النهاية تزداد الصورة تعقيدًا أو تركيبًا،عندما تتحول مسيرة “الناس القردة” إلى “أفعى” تطارد “الفتى القمري وفتاته” (ص 342). إن هذا الدمج بين ما هو إنساني وما هو حيواني، يذكرنا بالمصدر البدائي الأول لفكرة الغروتِسك،أي الرسوم البدائية التي عُثرعليها  منقوشة على جدران بعض الكهوف والمباني الرومانيةا لقديمة.

أما التوصيفات الكاريكاتورية فكثيرة جدًا داخل العمل، فنجد مبالغات شديدة في توصيف الطول أو القصر، النحافة أو البدانة، بطريقة تفقد تلك الشخصيات واقعيتها وتصبغها بحس المسخرة والكاريكاتير.

لكننا لا ننسى أيضًا البشاعة والغرابة، خصوصًا كما جاءت في البوبينة الثالثة التي تعج بأحاسيس ومشاهد وتصويرات مرعبة ومنفرة بشكل استثنائي.

ثمة أمر هام لابد من الحديث عنه. لقد فرّق “باختين” بين “الضحك” و”الضحك الغروتِسكي”، حيث أوضح أن الأول يحرر الجموع والحشود من الخوف والرهبة، في حين أن “الضحك الغروتِسكي” يستفز المتلقي ولا يوصله إلىحالة الانعتاق أو التحرر،فهو يضع المتلقي أمام الصورة في مواجهة مصيرية تحثه على إعادة الوعي بواقعه، وهذا ماي فعله إسماعيل بهاء الدين بنا،من خلال روايته.

إن الغروتِسك هو عملية تأزيم للموقف، وليس وسيلة لطرح حلول تنفضُّ بعدها الجماهير مستريحة الضمير. فالكاتب يساعد القارئ على إدراك حقيقة حالة وجوده وعالمه، ليكون مسئولًا بطريقة ما عنها، باذلًا بذلك أقصى ما يستطيع.

ولعل المَخرج الذي أنهى به الكاتب روايته أصدق دليل على ذلك، فبالعودة إلى الشخص الوحيد الذي بدأ عملية بث البوبينات الثلاث من مكان مجهول، نجد أنه وصل لحالة نفسية مختلفة عن تلك التي بدأ بها، فهو كما يصفه الكاتب في آخرالرواية (ص 371):

“يجلس في ركن من أركان الحجرة…

ويدفن وجهه بين كفيه…

وهو يبكي بصوت مكتوم…

بينما يئن جهاز العرض…

الذي يبث شعاعًا ضوئيًا قويًا…

خاليًا من الصور…

ثابتة كانت أو متحركة…”

إنها الحالة النهائية التي يحاول الكاتب استثارتها في نفس المتلقي. إن الكتابة هنا ليست عملية تفريغ بل عملية ملء وتحميل،هي كوميديا سوداء تجعلنا نضحك حد البكاء.

هذه الرواية إذن رواية غروتِسكية في المقام الأول، لم يقصد الكاتب من ورائها عبثًا لذاته أو فانتازيا لذاتها، لكنه يحاول البحث عن المنطق وسط ركام من اللامنطق، ويحاول البحث عن الجمال تحت طبقات من القبح المزمن المستشري، وكأننا هنا بصدد شخصية “هرقل” في مسرحية “فريدريش دورنمات” الرائعة “البطل في الزريبة” والتي يحاول فيها هرقل رفع أطنان المخلفات والغائط التي طمرت القرية التي هو فيها،كي يكسب لقمة عيشه.

الصياغة

لقد أجاد الكاتب في توصيفاته وكناياته ومجازاته واستعاراته التيتعبر جميعها عن عالمه الروائي الاستثنائي، ما أكسب صياغته نضارة وتفردًا خاصين به، لا يشبه فيهما أحدًا. فهذه الرواية، بدون اللغة التي صيغت بها، كان من الممكن أن تهوي إلى القاع سريعًا،لأن هذا الكم الرهيب من الصور والشخصيات والتقنيات الفنية والأماكن والحالات التي صورها الكاتب، ما كانت لتنجح في أداء المقصود منها على الإطلاق، لو صيغت بغير اللغة التي عبّر بها الكاتب عن فكرته. وهذا العالم الساخر القبيح والتافه المسطح الساذج، بدون تلك اللغة الجادة التي تعبّر عنه، ما كان ليطيقه عقلُ متلقٍّ أبدًا. إن جدية الصياغة ومستوى اللغة الذي استخدمه الكاتب منحا العالم الذي تدور فيه أحداث الرواية خصوصية فريدة، فهذه الرواية لا تُحكى، وأيّ شخص تُحكى له وقائعها لن يستسيغها.ه ذه رواية يجب أن تُقرأ. والفارق بين حكيها وقراءتها هو اللغة التي شيّد بها الكاتب هذا البناء الروائي.

لقد استخدم الكاتب لغة الشعر وإيقاعاته في مواضع كثيرة،وفي مواضع أخرى، غير قليلة، لم يكتف باستخدام لغة الشعر وإيقاعاته،بل غلّف تلك اللغة وإيقاعاتها بروح الشعر، فيضفي صفة الحياة على ما نظن أنه يخلو من الحياة كما نعرفها، وهو ما يتجلى بوضوح عندما يتحدث عن الزمن وفٍعله بشكل عام، وحين يتحدث عن الطبيعة بحارًا وأنهارًا، وحين يتحدث عن الأفلاك ودورانها، وهنا نشير بالتحديد إلى حديثه عن الشمس التي “أصابها داء القلب، وقرحة المعدة” (ص 141)، وحديثه عن القمر الذي “أضناه طول السهر” (ص 142)، وحديثه عن الفتى القمري الذي يهبط إلى الأرض بواسطة حبل من فضة (ص 236)، والمرأة التي:

“تنتظر منذ قرون…

وحيدةً كالأصداف…

رقيقة كنسيم الأيام الخوالي…

عذبة كمياه أنهارالزمان الماضي…

جميلة كنهار ربيع لم يأت منذ قرون…” (ص218)

في هذه المواضع كانت اللغة تصفو وترِق لترسم حالة لغوية جمالية تذكرنا، وسط محيط القبح الذي نقرأه،بأن ثمة معيارًا للجمال ثابتًا ومحددًا، وكأنه بهذه الشاعرية يحاول أن يربت على كتف القارئ ليستأنف القراءة مرة أخرى.

وفي الختام، يجد القارئ نفسه أمام تساؤل مزدوج يعيده مرة أخرى إلى مدخل الرواية،وبالتحديدإلى حيث يقول الكاتب:

“تغطي جدرانَ الحجرة مجموعةُ أرفف…

صُفَّت عليها مجموعة من بوبينات الأفلام السينمائية…

بعض هذه البوبينات معبَّأ بالأفلام…” (ص 11)

ثم يخبرنا الكاتب أن هذا “الرجل الواحد الوحيد المُتعب”:

“يدورفي أرجاء المكان…

يتفحص ركن البوبينات الملأى بالأفلام…

ينتقي من بين البوبينات الملأى بالأفلام ثلاثًا…” (ص12)

السؤال المزدوج هو:

لماذا اختار “الرجل الواحد الوحيد المتعب” هذه البوبينات الثلاث بالذات،متجاهلًاغيرها؟

وما الذي تخبئه لنا تلك البوبينات التي تجاهلها؟

***

[1]محمد سمير رجب، كاتب وقاص، وعضو بمبادرة الحراك الثقافي في مصر. صدر له حتى الآن كتاب “والصبح إذا تنفس” مجموعة مقالات، “أقرباذين” مجموعة قصصية، “اللزج” رواية، “أريدها حياة” مجموعة قصصية. شارك في عدد كبير من الندوات لمناقشة روايات ومجموعات قصصية ومسرحيات.

[2]“عالمٌ في حَيْصَ بَيْص” هو العنوان الذي اختاره الكاتب إسماعيل بهاء الدين للنسخة العربية من كتاب A World in Disarray(تأليف ريتشارد هاس)، الذي عرّبه وأضاف إليه تعليقات مفصلة بالغة الأهمية (عن دار الكتاب العربي، بيروت، 2018).

[3] “الباروديّة” “Parody”، أو “المحاكاة التهكميّة”، ومن أبرز صور استخدامها تقديم موقف يبدو شديد الجدية، بغرض السخرية منه، أو استخدام عبارات شديدة الرصانة والوقار، بغرض التهكم عليها، أو على قائلها، أو على الاثنين معًا.

[4]“سينما العين” (Kino-eye)،نظرية سينمائيةا بتكرها المخرج السوفيتي دزيغا فيرتوف Dziga Vertov عام 1924. فقد كان فيرتوف يؤمن بأن العين الميكانيكية للكاميرا، التي لا تغفل ولا تفوتها فائتة، تستطيع أن تتجول وأن تستكشف، وأن تتفحص العناصرالمهمة لموقف ما، تمامًا كما تفعل العين البشرية،لكنها في الوقت نفسه، تستطيع إدراك الواقع المادي بشكل أكثرشمولية وأكثردقة من العين البشرية (نقلًا عن: إسماعيل بهاء الدين سليمان،موسوعة الشاشة الكبيرة، مكتبة لبنان 2012، صفحة 801).

[5]“ديستوبيا” (Dystopia)، أو أدب المدينة الفاسدة، هو الأدب الذي يعبّر عن مجتمع خيالي فاسد أو مخيف إلى أبعد الحدود، مجتمع غير مرغوب فيه، لأنه عالم تحكمه الفوضى، ويتحكم به الشر المطلق. من هنا نقول إن “ديستوبيا” هي نقيض “يوتوبيا” (Utopia)،التي يمكن أ ن نطلق عليها أدبا لمدينة الفاضلة أو المدينة الطوباوية،وهي بدورها مدينة وهمية لاوجود لها.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *