“وقف الله”

Views: 171

خليل الخوري 

«لو ثار قومي على حكامهم الطغاة، وماتوا جميعاً متمردين، لقلتُ إن الموت في سبيل الحرية لأشرفُ من الحياة في ظلّ الاستسلام (…) ولكن لم يمت أهلي متمردين… ماتوا جوعاً في الأرض التي تدرّ لبناً وعسلاً».

هذا الكلام كتبه جبران خليل جبران، في بوسطن، أيام المجاعة التي ضربت أهالي جبل لبنان، في العشر الثاني من القرن العشرين الماضي، يوم عوقبَ شعبٌ بكامله فدفّعوه أغلى الأثمان وأعظمها، وقضى نحو 40 في المئة منه من دون أن يرتكب أيَّ ذنب. مات مئات آلاف اللبنانيين، فقضوا «فرق عملة» في الصراع بين الحلفاء و»المحور».

وقبل جبران بنحو خمسة عشر قرناً قال الإمام علي بن أبي طالب مقولته الشهيرة: «عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه». مع أن أمير المؤمنين كان يقضي يوماً ويومين بلا طعام، ولكنه لم يرتضِ للناس ظلماً يقع بهم، حتى لو ارتضاه لنفسه.

وفي الكلامَين حثٌّ للناس لينتفضوا كي لا يتحكم بهم الظالمون المتاجرون بالكرامات، آكلو أدنى الحقوق وأهمها: لقمة الكرامة.

ونحن اليوم، في لبنان، تتحكم بلقمة الناس عندنا مجموعة هجينة من المسؤولين (في السلطة – أيُّ سلطة؟ – وخارجها) ومعهم قوافل الزعران، والعصابات، والمافيات وشذّاذ الآفاق، والمجرمين، واللصوص، والمرتَهَنين للخارج، وبائعي كلّ شيء في سوق نخاسة القِيَم والأوطان…

ولقد بات هؤلاء يتصرفون وكأن الانهيار التام الشامل في كل شيء هو قدَرٌ محتوم، كي لا يبقى للناس قائمة تقوم…

وأما هؤلاء الناس فيصح فيهم أن البلادة والخنوع قد بلغا بهم حد الغياب عن الوعي الوطني، والأنكى أنهم غائبون حتى عن الوعي الذاتي الشخصي، لدرجة أنه يُخيَّلُ إليك أنهم يستمرئون العذاب، ويستطيبون القهر والاذلال ويكادون أن يقبلوا الأقفية، وليس الأيادي والأرجل وحسب. ويتطلّعون إلى الفراغ في السلطة التنفيذية وذاك الآتي في رئاسة الجمهورية وكأنهما المن والسلوى يهبطان عليهم بقفة من السماء…

وأمّا البُدَعُ الدستورية التي يطلعون بها على اللبنانيين، كل يوم، فهي آخر مسمار في مقوّمات وطنٍ كان زينة الأوطان…

وأما المتفرجون على محنة لبنان، قريبين وبعيدين وأبعدين، فسيذوقون مرّتين ما ذاقه اللبنانيون، إذ إننا (بالرغم من كل شيء) ما زلنا نؤمن بأن لبنان هو «وقف الله».

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *