تطلّعات حضارية للمطران جورج خضر في لبنان المستقبل
المحامي معوض رياض الحجل
في طرابلس عاصمة الشمال ولدَ، ومنها انطلقَ إلى رحابِ اللاهوت والفلسفة. أمتهنَ الحوار البناء، فجعلهالاسلوب الوحيدة للعيش والتلاقي. (www.bricks4kidz.com) ميتروبوليت جبيل والبترون وما يليهما(جبل لبنان) للروم الأرثوذكس منذُ عام 1970 لغاية العام 2018. قرّبهُ وفهمهُ العميق للدين واللاهوت من فكرة الشعراء عن الله والوجود، ولذلك اتسمت كتاباتهُ بنبرةٍ شعرية خاصة خلطت بين الاستعارات السماوية وحداثة اللغة، فكان صديقاً لمُجايليه من شعراء الحداثة، أمثال أنسي الحاج وأدونيس ويوسف الخال.
كل عبارةٍ كتبها المُفكرون الكبار أمثال سيادة المطران جورج خضر السامي الاحترام، مصيرها الحتمي الخلود، إذ لا حدود لها لا في الزمان ولا في المكان.
يُجيب المطران خضر في محاضرة القاها في العام 1977 (أي اكثر من خمسة وأربعين عاماً) على أسئلة اللبنانيين التقليدية والمُتكررة عبر التاريخ الحديث حول حقيقة هويتهم، دورهم، عروبتهم، أنتمائهم وجذورهم. وقد نادى قبل غيرهِ من المفكرين بعشرات السنين بالعولمة وبالتطور والتقدم…
لو قرأ كل لبناني حريص على خير بلدهِ ما كتبهُ المطران خضر في تلك المرحلة العصيبة من تاريخ لبنان، لكنا تجنبنا حصول كل الدمار والخراب والموت الذي أزهقَ أرواح أحبائنا وأصدقائنا وأخوتنا.
وقد شَددَ المطران خضر على ضرورة فهم اللبنانيين أنهم جزء أساسي من المُحيط العربي ذي التاريخ الواحد والثقافة الواحدة واللغة الواحدة، كما نادى بالعودة إلى الروح الوطنية التي تجمعُ اللبنانيين وليس الطائفية التي تفرزُ الشعب وتُقسمهُ إلى جزرٍ طائفية.
أخرجَ المطران خضر المواطن العربي من محطيهِ وبلده وبيئتهِ وناداه بكل محبة أن يكونُ عالمياً مُنفتحا على كل الحضارات والشعوب والثقافات ومُطلع على كل ما يجري من تطورات سياسية اقتصادية أجتماعية انمائية.
للحظةٍ واحدة وبعد قراءة نص المُحاضرة نسينا أن المطران جورج الخضر هو فيلسوف ولاهوتي على رأس طائفة كريمة. إذ لم ينطلق في مُحاضرتهِ (1977) من خلفيةٍ طائفية أو مناطقية بل نقلنا بسحرِ كلماتهِ وأفكارهِ إلى المدى الاوسع، أي الوطنية، العروبة، العالمية، المشرقية، الحضارة…
ما قالهُ المطران خضر في تلك المرحلة يَنطبقُ من دونِ شك على زمننا الحاضر. كم نحن بحاجة للخُروج إلى المواطنة الصحيحة التي هي جسرُ الخلاص الوحيد للوصول إلى وطنٍ مُتطور ومُتقدم يبني مؤسساته الدستورية والادارية على أساس الكفاءة دون النظر إلى الطائفة أو المذهب أو المنطقة. المثل الأبرز على أعتماد المواطنية الصحيحة كمعيار للحكم هو بريطانيا العظمى التي شَهدت موخراً وبكلِ بساطةٍ وسلاسة وصول رئيس للوزراء للمرة الاولى في تاريخها من جذور هندية ومن طائفة غير مسيحية. المعيار الوحيد لتعيينهِ كان قدرتهُ على انقاذ الأقتصاد البريطاني والوصول بالبلاد إلى بر الامان.
قال حينها المطران جورج خضر في المُحاضرة التي القاها في رابطة الجامعيين(في الشمال) بعنوان ” تطلعات حضارية في لبنان المستقبل”: إذا تكلمَ اللبنانيون العربية، فهم ذوو حضارة واحدة، وثقافة واحدة في هذه الحضارة العالمية الواحدة.
وبدأ المطران خضر حديثهُ بمُحاولةِ رسم “الآفاق الحضارية التي نتمناها أن تكون، تلك الافاق التي لا بد وأن تستلهم من الجذور، أو من حضارة لهذا الشعب اللبناني نستطيعُ من خلالها أن نرجو مُستقبلاً ما لهذا البلد”.
رفض للتعديدية الثقافية
وبعدَ أن رَفضَ التعددية الثقافية التي يُنادي بها البعض، مرتكزاً على كونها تفترض تعددية لغوية، قررَ بأن اللغة العربية زخمٌ وجداني وليس من لغةٍ في العالم كالعربية مشحونة بمضمون روحاني – فكري بحيث تمتزجُ فيها الأداة والمضامين. فإذا تَكلمَ اللبنانيون العربية فهم ذوو حضارة واحدة وثقافة واحدة في هذه الحضارة العالمية الواحدة.
المشرق العربي ذو ثقافة واحدة
ثم أنتقلَ المطران خضر إلى الحديث عن الثقافة العربية، فأفادَ بأن المشرق العربي ذو ثقافةٍ واحدة ولكنها ذات جوانب مُختلفة هنا وهناك، حسب ماضي الشعوب العربية، والثقافة العربية ميراث وهي ميراث لكل ما سبقها في كل وطن من الاوطان.
الفينيقية مردودة علمياً
وقال المطران خضر: إن الفينيقية مردودة علمياً لأن الحضارة العربية في المشرق، أي حولنا وعندنا، أبتدأت مُنذُ ستة آلاف سنة، فليس صحيحاً على الاطلاق أن هناكَ أتصالاً غير مُنقطع بين الفترة الفينيقية والفترة اللبنانية، أي ما يُسمونهُ بلبنان فخر الدين، أما الرأي القائل بأن الحضارة تبتدىء من الفتح الأسلامي فمردود علمياً أيضاً.
الإنسان اللبناني الواحد
ثم قَررَ بأنهُ إذا أردنا أن يبقى لبنان موحداً ومُتفاعلاً لا بد من أن يكون الإنسان اللبناني الواحد اسلامياً ونصرانياً، لا على سبيل العقيدة ولكن في المنحى الحضاري، أي في ما ورثناه من جذور فكرية وفنية وأجتماعية.
العربي إنسان عالمي
ثم تَطرقَ المطران خضر إلى مفهوم العروبة، فقالَ بأن التساؤل الذي طرحَ في الثلاثينات حول عروبة هذه البلاد أو عدم عروبتها غير وارد وغير صحيح، إذ أنهُ لا يؤمن بالعروبة على أساس المدلول الرومنسي السابق، أي عروبة الإنسان الخليجي، بل يؤمن بها على أساس أن العربي أنسان عالمي يجب أن يكون مُلماً بكل ما يجري في العالم، وتأتي هذه الثقافة العالمية الواحدة على مشرقيةٍ واحدة.
أما بالنسبة إلى ما يجب أن نكون، فقالَ المطران خضر بأنهُ لا يمكن أن نعودُ القهقرى ويجب أن نكون عصريين وأن نكتسب الحياة التكنولوجية وإن كانت للتكنولوجيا تطبيقات مُختلفة هي فلسفة العلم الحديث. وقال بأنهُ لكي نُقبل على التكنولوجيا أقبالاً كاملاً لا بد أن نتجذر.
ثقافة عالمية
ثم تَطرقَ إلى موضوع العلمانية فقالَ بأن مُستلزمات الحياة التقنية ومُستلزمات الحضارة المشرقية الواسعة تفترضُ أننا غير مُكبلين بإصطدام بين النصوص الدينية والنصوص العلمية. وقال بأننا لا نستطيع أن نبني حضارة في لبنان دون صوفية يُسميها النقد الحديث الصوفية الملتزمة، وهي ذلك الزخم الروحي المُتجدد الذي يتجاوز كل ميراث، وهذا شيء أساسي في الحضارة.
أما تراثنا فيجب أن نُحبهُ في الأعماق ويجب أن تبقى نفسنا أصيلة بحيث لا تفقدُ هويتها، وعند ذلك نبني وطناً جديداً لهُآمالهُ في المُستقبل ولهُ قوتهُ.
وأنهى المطران خضر مُحاضرتهُ بالقول: إن كل تربية قومية ووطنية للبنان الواحد لا بد لها أن تكون مُستقاة من ثقافةٍ عالمية، فيها نفحات الإنسان العظيم ومسكوبة في قالبِ المشرق العربي ذي اللون اللبناني.