تظاهرة موسيقية ميلادية تشعُّ في عَتْمَة ليلنا الطويل، وتكرّسُ حضورَ العيش الوطني الواحد في عكّار!
د. مصطفى الحلوة
(رئيس “مركز عكّار للدراسات والتنمية المستدامة”)
“المجد لله في العُلى، وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرّة”..كلماتٌ خالدات، ترنّمت بها الملائكة، عند ميلاد السيد المسيح (له المجد)، مُجسِّدةً رسالةَ البشرية، التي تربّت على أصدائها، بكلّ لغات العالم، منذ نيّف وألفَي عام!
“المجد لله في العُلى، وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرّة”..آياتٌ ترجّعَ صداها في القرآن الكريم، بعد ما يزيد على ستة قرون، إذْ تتوجّه الملائكة إلى العذراء مريم، التي اصطفاها الله على نساء العالمين، مُبشّرةً إيّاها بكلمة من الله: “إذْ قالت الملائكة، يا مريم، إنّ الله يُبشّركِ بكلمة منه، اسمه عيسى ابن مريم، وجيهًا في الدنيا والآخرة ومن المقرّبين”(آل عمران/45)
..إنّ مع السيّد المسيح وما بعده لم يكونا كما قبله! فهو الفرح العميم، الآتي من السماء. هو المحبة والرحمة والعطاء، هو الرجاء لكل المُتعَبين- وقد ناداهم: تعالَوا إليَّ – كما الموجوعين والمقهورين. وهو السلامُ الداخلي والتاَخي بين البشر..ميلاده هو عيد البهجة، وفعل الخير وضحكة الأطفال. هو عيد السلام على الأرض كلّها والمسرّة للناس أجمعين!
بوحيٍ من هذه المعاني والقيم، تُقرأ ولادة الفادي المخلّص، الذي لم يختَرْ الدُوْرَ والقصور، بل اكتفى بمغارة باردة، ليزيدَ العالم دفئًا، عبر تشبُّهه بأفقر الفقراء!
…بهذه الكلمات، استهلَّ د.مصطفى الحلوة كلمته، في الأمسية الموسيقية المشرقية الميلادية، التي نظّمها “مركز عكار” أمس(22/ 12/ 2022)، بالتعاون مع “منتدى شاعر الكورة الخضراء عبد الله شحادة الثقافي”، و”المدرسة الوطنية الارثوذكسية-الشيخطابا”، و”بيت الموسيقى” في جمعية النجدة الشعبية اللبنانية. وقد أحيا هذه الليلة الرائعة أساتذة ومجموعة من طلاب “بيت الموسيقى”، بإشراف الموسيقي المُبدع والأستاذ الجامعي في علم الموسيقى د.هيّاف ياسين.
ولقد كان لمسرح “المدرسة الوطنية الأرثوذكسية -الشيخطابا” ، الذي احتضن هذا الحدث الميلادي، أن يغصّ بالحضور ، الذين أتوا من مختلف بلدات عكار وقُراها، إضافة إلى جمهور طرابلسي وشمالي، تقدّمته فاعليات جامعية وتربوية وثقافية واجتماعية، بما أضفى بُعدًا وطنيًّا على المشهد، لطالما تعوّدته عكار، وهي نموذج صارخ، في العيش الوطني الواحد! وقد كان في عِداد الحضور النائب السابق المهندس نضال طعمة، مدير “المدرسة الوطنية الأرثوذكسية -الشيخطابا”، ورئيس “اتحاد بلديات الجومة” المحامي روني الحاج، وعضو المجلس العلوي في عكار الأستاذ أحمد هضّام، ورئيس “رابطة الجامعيين في الشمال” الأستاذ غسان الحسامي، إلى قامات إجتماعية أخرى.
إشارة إلى أنّ هذه التظاهرة الميلادية تأتي بعد حوالى ثمانية أشهر من أمسية رمضانية موسيقية، نظّمها “مركز عكار” في 28 رمضان المبارك(29 نيسان 2022)، في جامعة البلمند(بينو-عكار). وإذْ جاءت تلك الأمسية الرمضانية تحت شعار:”الانتصار لثقافة الحياة وإعلاءً لأصالة الموسيقى المشرقية العربية”، فقد كان للأمسية الميلادية أن تندرج تحت الشعار عينه، ومن منطلق إقتناع “مركز عكار” بأنّ الفن الراقي عنصر أساسي في عملية التنمية المستدامة. علمًا أنّ العرّاب، بل المايسترو الأعظم لهاتين التظاهرتين، هو المبدع د.هيّاف ياسين، الذي جلس بين الحضور، تاركًا لأحد معاونيه أن يقود أساتذة كبارًا ومجموعة من طلبةِ موسيقى صغار، هم صغارٌ عمرًا ولكنهم كبارٌ شأنًا!
أجل! جلس د.هيّاف بيننا، واضعًا يده على قلبه، وهو يُصيخ السمع إلى طلبته “الصغار/الكبار”، ويتابع حركاتهم بعيني صقر، ويُتمتم بشفتيه ما يجهرون به صوتًا وعزفَ موسيقى! وكأننا به على خشبة المسرح وليس خارجها! كيف يكون خارجها، وقد كان وصلٌ بل “حالة وصال” بينه وبينهم، كما بين عاشقين، توحّدا روحًا!
أبدعت الفرقة، كبارًا وصغارًا، فاطمأنّ د.هيّاف، وجاز طَلَبتُه الاختبار، الذي دفعهم إليه!
وإذْ تملّينا من أعضاء المجموعة، فماذا نقول عن كل واحد منهم؟ ماذا نقول عن العوّادَين (العازفين على آلة العود)، وقد أسفرا عن أستاذين واعدَين على هذه الآلة!؟ وماذا نقول عن العازف المبدع على السنطور؟ وبأي كلام نوصّف العازفة الملهمة على آلة القانون، كما محتضنة الكمنجا التي تتصاعد منها نبضات قلبها؟! (www.speedclean.com) وأيّ عبارة تفي المطربة المرنّمة، التي عَبَرت بنا إلى الأجواء الميلادية، على أجنحة صوت ملائكي أخّاذ؟! ماذا عن ضابِطَي الايقاع، الضَاربَين على الدربكة والدف؟! وماذا عن قائد الفرقة، ذي الصوت الشجي، والذي أبلى بلاءً حسنًا في معركة “الاختبار”، فعَبَرَ بالمجموعة إلى شاطىء التميُّز؟!
بإزاء ما عشنا مع إبداعات الطلبة، لا يسعنا إلّا أن “نعترف” ونشهد شهادة لا رجعة منها بأن “بيت الموسيقى”في النجدة الشعبية اللبنانية هو بقعة ضوء مُشعّة في فضاء عكار، بل على المستويين ، اللبناني والعربي، وعلى دروب العالمية! فلقد كان دأبُ هذا “البيت”، بل دأبُ القيّم عليه د.هيّاف ياسين، ليس العمل على إحياء الموسيقى العربية المشرقية فحسب، بل التربية عليها أيضًا. راح يُربيّ المئات من الطلبة عليها ويتعهّدهم، كمايُربّى على المواطنيّة وعلى الديمقراطية. وهذه التربية على الموسيقى لا تقلّ أهمية عن سائر أنواع التربية، ذلك أنّ الموسيقى هي صوتُ الله في الطبيعة، مما يجعلها لغة كونية، بكل ما تختزن من جمالات ودلالات، ولتنضوي إلى قيم الحق والخير والجمال!
وحتى تتكامل مشهديّات أمسيتنا الميلادية فصولًا، فقد كانت كلمة تمهيدية رائعة لمقدّمة الحفل الأديبة أمل صانع (عضو الهيئة الادارية لمركز عكار)، كما كلمة شاعرية، من وحي المناسبة، لرئيسة “منتدى شاعر الكورة الخضراء الثقافي” المهندسة الأديبة الشاعرة ميراي شحادة حدّاد، فازدادت أجواء الليلة الميلادية ألقًا على ألق!