إستبدَّتْ به لوثةُ المطالعة، وإذْ لم يجِدْ كتابًا يقرأه، راح يُبدىءُ البصرَ ثُمّ يُعيدُه في بطاقة هُويّته!

Views: 186

د. مصطفى الحلوة

كتبتْ صفا قدّور، مُدرّسة البيولوجيا، على صفحتها(الفايسبوك:11/1/2023) مقالًا، يُؤشّرُ على بُعدٍ ثقافي لديها، كما على نَهَم بالمطالعة، نقتطفُ منه ما يلي:”طُلبَ منّي، في إحدى المجموعات الأدبية، الإجابة عن مجموعة أسئلة، فكانت مشاركتي الآتية(عبر سؤال وجواب): هل تقرأين بشكل يومي؟ نَعَم، أحرص على ذلك، وإن لم أستطع أن أقرأ في كتاب، فنحن بمجرّد تصفُّحنا وسائل التواصل الاجتماعي، نقرأ يوميًّا ما لا يقلّ عن عشرين صفحة. المهمّ أن ننتقي بعناية الصفحات والأشخاص الذين نتابعهم. كيف دخلتِ عالم القراءة؟ دخلتُه منذ أن تعلّمتُ الأبجدية، وفضولي كان يدفعني لقراءة غلاف قطعة الشوكولا، وعلبة المعلّبات. صِدقًا، حتى الآن لا يفوتُني سطرٌ تقع عيناي عليه إلّا وأقرأه، فهذه أيضًا مطالعة!(..)كم عدد الكتب التي قرأتِها؟ ليس المهمّ كم قرأت، المهمّ ماذا قرأت، فربّما كتاب يُغنيك عن مجلّدات(..) كتاب تنصحيننا بقراءته؟ أنصحُكم وأنصحُ نفسي بقراءة أنفسنا، فنحن كتابٌ مفتوح، وفيه انطوت جميع أسرار الوجود! كتابٌ لا تنصحيننا بقراءته؟ لا يوجدُ كتاب سيٌّ بالمطلق، وإذا لم نرَ الظلام كيف لنا أن نُقدّر قيمة الضوء، وهكذا بالنسبة للكتب(..)قولي كلمة عن القراءة؟ القراءة حياة!” وتختم صفا قدّور، موصّفةً ما كَتَبَتْ على أنّه”مجرّد خربشات من صفا، التي تحلمُ يومًا أن تُقرأ من أحدهم!”

إستجابةً، وقبل التعقيب، فإنّنا-على قدر ما نعلم-نحاولُ أن نقرأكِ، العزيزة صفا، ونِعمَ ما كتبتِ، إذْ وفّرتِ لنا منصّةً لمقاربة معضلة المطالعة، وهي معضلة لطالما جهد المربّون والتربويون، في تسليكها إلى عقول الناشئة. فالمطالعة مدخلٌ لا بديلَ منه لنقل الطالب من حالة المتعلّم إلى حالة المتعلّم/المثقّف..وشتّان شتّان بين متعلّم مثقّف، يُطلُّ على دنيا واسعة، لا ضفاف لها، وبين متعلّم “صِرف”، لا يغادر بوتقة البرامج والمقرّرات  الدراسية محدودة الأُفُق! (Zolpidem)

قديمًا، كان المتعلّم المثقّف، في العصر العباسي، هو المتميّز بموسوعيته، فوُسِمَ بأنّه “المُلِمُّ من كلّ عِلم بطَرَف”(أي بجزء). صحيحٌ أنّنا غدونا في زمن التخصّص، بحيث لا يمكن الإحاطة بكل ما يُنتجه الفكر البشري من إنجازات ومعارف، بيدَ أنّ ثمّة حدًّا أدنى، ينبغي امتلاكه، لا يتوفّر لنا إلّا عبر المطالعة الواعية والنوعيّة والمُجدية، بمعزل عن الألوان المعرفية، التي يتمّ الاكباب عليها.

على أنّ ما يجب التوقُّف عنده، في هذا المقال، التعويض عن المطالعة “الكلاسيكية” بصفحات التواصل الاجتماعي، شريطةَ انتقاء ما هو جادّ ومفيد. إنّنا، إذْ نشارك الكاتبة الرأي، لنا بعض تحفُّظ، ذلك أنّ كتابة “الفسابكة”، على أهميتها، لا ترتقي إلى فعل الكُتُب الجادّة، التي تُكرّس دور العقل النقدي، في مقاربة أية إشكالية.

ولقد كان لأسلافنا، من كبار الكُتّاب أن يُدركوا أهمية المطالعة، بل أهمية الكتاب، فراحوا إلى تمجيده وتثمينه، وفي مُقدّمهم أبو عثمان الجاحظ، عبر كتاب الحيوان، حيث نقرأ:”الكتابُ نِعمَ الذُخرُ والعُدّة، ونعمَ الجليسُ والقعدة، ونعمَ الأنيسُ ساعةَ الوحدة، ونعمَ المعرفةُ ببلاد الغربة. والكتابُ وعاءٌ مُليء علمًا، وظرفٌ حُشيَ ظرْفًا(..) إن شئتَ ضحكتَ من نوادره، وإن شئتَ بكيتَ من مواعظه. ومَن لك بشيء يجمعُ الأوّل والآخر، والناقص والوافر،  والشاهد والغائب، والرفيع والوضيع، والغثّ والسمين، والشكل وخلافه(..) والكتاب هو الذي إذا نظرتَ فيه أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وبسطَ لسانك، وجوّدَ بيانك، وفخّمَ ألفاظك، وعمّرَ صدرك”. ولنا أن نُضيف من المتنبي:”وخيرُ جليسٍ في الأنامِ كتابُ!”

في هذا المقام، إذا كان الشيءُ بالشيء يُذكر، فقد أخبرني صديقي الراحل الشاعر كامل درويش، وقد زاملتُه تدريسًا في مدرسة راهبات العائلة المقدّسة في طرابلس(راهبات عبرين)، قبل انتقالي إلى الجامعة اللبنانية، أنّ أقاربَ له في سوريا إستضافوه، فبات ليلتَه عندهم. وقد كان نهِمًا بالمطالعة، لا يستطيع أن يخلد إلى النوم، قبل قراءة بضع صفحات. طفق يفتّش عبثًا عن كتاب في غرفته، بل عن صحيفة أو قُصاصة ورق، كُتبت عليها بعض كلمات، فلم يظفر بشيء! فما كان منه إلّا أن استلّ بطاقة هويته من جيب بنطاله، وراح يقرأها، ويُعيد قراءتها مرّاتٍ ومرّات، حتى استكانت نفسه  وأخذ منه النعاس كلّ مأخذ، فخلد إلى نوم عميق!

علّ أجيالَنا تُصابُ بلوثة المطالعة، وهي لوثةٌ حميدة، فيها نفعٌ وإمتاع، لا يُحسُّ بلذاذتها إلّا المبتلون بها- ونحن ولله الحمد في عِداد المبتلين- ونِعمَ الابتلاء!

***

*(من بيادر الفسابكة/قراءة نقديّة في قضيّة)

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *