جزءٌ منْ بَيتي/ قصة قصيرة

Views: 255

ديانا جورج حنّون

أَحزنَني ما طلبَتْهُ منّي أُمّي، وما دأبَتْ على فعلِهِ منذُ ثلاثِ سنواتٍ لتُعيلَنا، شقيقتي وأَنا، لأَنَّ راتبَ والدي التّقاعديَّ لا يكفي لشراءِ أَدويتِها الغاليةِ، وحاجيّاتِ البيتِ الضّروريةِ: “خُذي بيعي هذا العقدَ، يا ابنتي”.

أُمّي باعَتْ آخرَ قطعةٍ منْ حليِّها، والمالُ بدأَ يتناقصُ. فتعاظمَ الخوفُ منَ الغدِ. 

ذاتَ مساءٍ صيفيٍّ، ونحنُ على شرفةِ البيتِ الجبليِّ، قلْتُ لأُمّي، وفكرةٌ تجولُ في خاطري:

– ماما، بعْتِ حليَّكِ قطعةً قطعةً، وراتبُ والدي التّقاعديُّ قليلٌ. ومساكبُ النّعناعِ والبقدونسِ، والبقلةِ والفجلِ، لا تسدّ حاجَتَنا إلى المالِ.

ما رأيُكِ لو نُجهّزُ الغرفةَ التي كانَ والدي يشغلُها في أَيّامِ جني العنبِ، والسّهرِ على صنعِ العرقِ في “الكركةِ”، ونؤجّرُها بمبلغٍ يُؤمّنُ مصاريفَنا الكثيرةَ ؟

 

صمتَتْ أُمّي، وتصلّبَتْ ملامحُ وجهِها، ولمْ تفهْ ببنتِ شفةٍ. وانتظرْتُ ردَّها الذي طالَ، ثمّ استدارَتْ نحوي وقالَتْ :

– أَنا.. أَنا.. أُؤجّرُ بيتي ؟

هلْ فهمْتُكِ جيّداً؟

بنبرةٍ مطمئنةٍ، قلْتُ :

– ماما، إِنّها غرفةٌ صغيرةٌ، جزءٌ منَ البيتِ. وهذا حلٌّ ممتازٌ، يُمكّنُنا منْ تجاوزِ هذهِ المرحلةِ الصّعبةِ برأسٍ مرفوعٍ.

 أَرجوكِ، وافقي على الفكرةِ لنبدأَ، شقيقتي وأَنا، تنفيذَها على الفورِ.

بعد صمتٍ كأنّهُ دهرٌ، قالَتْ : 

– موافقةٌ… لكنْ بشرطٍ واحدٍ.

– ما هو؟

– نؤجّرُ الغرفةَ لأَشخاصٍ محترمينَ ومهذّبينَ، لفترةٍ قصيرةٍ ومُحدّدةٍ، ونقبضُ الأُجرةَ مُسبقاً.

– طبعاً، لكِ ذلكَ.

– على بركةِ اللهِ.

– ماما، أَسعدَتْني موافقتُكِ على فكرتي التي ستعودُ بالخيرِ علينا جميعاً.

رتّبْتُ وشقيقتي الغرفةَ في الطّابقِ الأَرضيِّ منْ بيتِنا على امتدادِ يومينِ. وبخطِّ يدي كتبْتُ على ورقةٍ، “غرفةٌ للإيجارِ”، وعلّقْتُها على الشّرفةِ المطلّةِ على الشّارعِ العامِّ.

وانتظرْنا… ما أَتى أَحدٌ مُستفسراً، ولا دقَّ بابَنا مُستأجرٌ.

كدْتُ أَندمُ على فكرتي، حتّى طرقَ بابَ البيتِ، ذاتَ مساءٍ، رجلٌ حسنُ الهندامِ، وقالَ: أَنا المهندسُ “رفيق”، تعطّلَتْ سيّارتي قُبالةَ بيتِكم، ولا يمكنُ إِصلاحُها قبلَ الغدِ. قرأتُ الورقةَ المعلّقةَ على الشّرفةِ. هل يمكنُني أَنْ أَستأجرَ الغرفةَ لهذهِ الّليلةِ؟

 

عمَّتِ الفرحةُ قلبي، وأَطلعْتُ أُمّي على طلبِهِ. فكانَ له ما أَرادَ، بعدَ أَنْ رأتْهُ، وتحدّثَتْ إليهِ، وأَطلعَتْهُ، وهي مطمئنّةٌ على شروطِ الإقامةِ التي وافقَ عليها. وقبضَتْ أُجرةَ الغرفةِ مُسبقاً.

إستلمَ المستأجرُ المفتاحَ، وأَمضى فيها ليلتَهُ، وغادرَها صباحاً، وهو مُمتنٌّ لحسنِ الضّيافةِ والخدمةِ.

بعدَ أسبوعينِ عادَ المهندسُ “رفيق”، برفقةِ زوجتِهِ وابنِهِ الصّغيرِ، وطلبَ أَنْ نؤجّرَهُ الغرفةَ شهراً كاملاً، لأنّه أُعجِبَ بالمكانِ والمناخِ، وبحسنِ الضّيافةِ. وافقَتْ أُمّي على طلبِهِ، ورحّبَتْ بهِ وبعائلتِهِ، ودعَتْ لهم بطيبِ الإِقامةِ عندَنا. شكرَها، ودفعَ الأُجرةَ مُسبقاً، واستلَمَ منها مفتاحَ الغرفةِ.

ما أَكرمَكَ، يا إلهي، على رعايتِكَ الدّائمةِ لنا، لمْ تتركْنا في ضيقِنا، والآن قدْ يسّرْتَ حالَنا.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *