في زفاف الألوان
د. جان توما
كأنًك في عرس ألوان العمر، تجري أيامه كما الفصول مع الشجر. هكذا تنمو السنون كبراعم الثمر، بهيّة، تشتهيها النفس، لينة، فتتنحني ويأتيها الأسى قساوة فيصيبها اليباس وتتهاوى كما يهوي الشهاب من كبد السماء، لمعة نور ثمّ انطفاء .
كيف تنظّمُ فرشاة الرسم مواعيد لقاء الألوان؟ كيف ترصفهم بعطر ليل؟ وكيف يلتفت لون في اللوحة إلى رديفه في ثرثرة فوق قماش يطوف بماء وزيت كالطالع من جرن معموديّة فكرة جديدة ورؤية نضرة.
ما للألوان إن حكت تنشد قصائد من حرير، فإن تأملتَ الطبيعة النازلة عليها سمعت هديل الحمام، واستمتعتَ بخرير السواقي، وفرحتَ بحفيف أوراق الشجر، كأنّكَ تستعيد حواسك، بعد تيه في دروب القادوميات، وأسوار التوت، وعناقيد العنب المتدلّية، وغسل الوجه بماء النبع المتفجّر كالشوق في قلب الصخر.
هل يرى الرسام بأصابعه أو يترك للريشة أن تكون بوصلة كرج ألوانه؟ من يبصر الفنان وهو يمرر أطراف الريشة ، تسيح بين اللون واللون، كمن يلتقط الحبّ الذي يتدلّى من خصلة شعر؟. ألعلّ الرسّام إن أبصر بعينيه يرَ ذاته أو ما نزل في باله وخاطره من جمالات الدنيا؟.
كأنّ اللوحة هي التي تجري وترسم مشهديتها لحالها، وما على يديه إلّا التجاوب مع عينيه في دهشة يدركها من يتقن جمع الألوان كعقد ياسمين يطوّق جيد الشوق والحنين.
***
(*) اللوحة للفنان حبيب ياغي