سجلوا عندكم

“مذكرات الارقش” لميخائيل نعيمه و”الوجه الأرقش، مذكرات روح شاردة” لسهى حداد نعيمه… وما بين الأصل والصورة

Views: 1144

سليمان بختي

بعد ٧٥ سنة على صدور كتاب “مذكرات الارقش” لميخائيل نعيمه  والذي اعتبر الى جانب كتاب “النبي” لجبران و”خالد” لامين الريحاني  وكتاب “مرداد ” لنعيمه نفسه. عندما ارسل نعيمه حلقات من كتابه الى مجلة “الفنون” ولاقت نجاحا لافتا كتب صاحب المجلة  نسيب عريضه  بتاريخ ١٨ كانون الاول عام ١٩١٨ “الارقش وصل  وقد هبت على روحي  نسيمات لطيفة من اوراقه فانتعشت. وان  الارقش هو احسن ما صدر من روحك مع الاحترام اللائق لكتاب “الاباء والبنون”. “مذكرات الارقش” يا ميخائيل هي بحر واسع خضم فزدنا زادك الله من كل ما تشتهيه وأعلم ان الادباء أصبحوا اسرى الارقش”.  لم يدر بخلد نسيب عريضه ان حفيدة نعيمه وربيبته وابنة مي ستتصدى لكتاب “مذكرات الارقش” وتعيد ولادته على شكل مسرحية شعرية من فصل واحد بالانكليزية بعنوان “الوجه الأرقش، مذكرات روح شاردة”. وها نحن نعيش قسمة الكتاب بين الجد والحفيدة.

كل عمل فني أصيل يتجلى بالشكل واللغة ويتعدد بالمرايا. كل اصل هو بداية تاريخ جديد وكل صورة هي استمرار مختلف للاصل. الاصل يمد جسورا من المعنى، والصورة تغني المعنى بأشكال جديدة. وها هو الارقش يحيا من جديد ليروي لنا قضية الانسان وعلاقته بالعالم. فالارقش خلق ليعيش وخلق ليتعلم وخلق ليعرف الله. ولكن هل هو حقيقة ام خيال؟ في سيرة حياته “سبعون” يقول نعيمه :”خلقت  الارقش من خيالي ولم يلبث ان اصبح في حياتي اكثر من خيال”.

في مسرحيتها الشعرية كانت سهى نعيمه وفية للنص ومقتضيات الدراما فيه وفاءها لجدها وعالمه المتسع والمتشعب في الادب والفلسفة والمعنى الانساني، لا بل انها تناغمت مع أفكاره وتعبيراته ورؤيته. كما ان الحوار النفسي والفلسفي الذي خاضه نعيمه في كتابه بسطته  سهى، وادركته ونقلته بسهولة ويسر من الرؤية الى التعبير ومن الرواية الى المسرحية الشعرية. وحيث الشعر في الكتاب مصقول وانيق وفيه عناية كبيرة بالشكل وبالقافية وايقاعها الموسيقي. والسؤال ماذا أضافت سهى نعيمه للكتاب الاصل؟ برأيي انه الزمن الذي يبدي رأيه بكل معرفة، وانه الالم الذي بنشئ الفكر الجديد ويمنح للانسان ولادات جديدة. وانها الحياة التي تغني الفكر المتجدد وتظهر جوهر الانسان في انتصاره للحياة لا للموت. وانها خلاصة الثنائيات المتناقضة  التي تقوي الانسان ليعبر من الانساني الى الإلهي ومن الجسد الى الروح ومن المحدود الى المطلق.

تعبت سهى نعيمه في كتابها لأجل بيان مكتمل، لأجل كلمات وتراكيب تحمل في داخلها غنائية وانغاما وتحمل روح ثقافة اللغة الانكليزية. ولكنها اعادت إلينا صورة الارقش الذي يعمل بطاعة وصمت وفي داخله  عالم من التمرد والتساؤلات والافاق. ونجحت سهى نعيمه في رسم الشرط الانساني في كل تنوعاته. هل هي زيارة جديدة للتاريخ؟هل هي زيارة جديدة للارقش الكثير الحزن والكثير الفرح والكثير الالم؟ هل هي زيارة للضؤ الذي  سطع في داخل الروح والصراع الكبير للانسان مع نفسه والاخر والعالم؟  ام انها فرصة مختلفة لتظهير صورة جديدة في العودة الى عمل أدبي وفلسفي كبير لميخائيل نعيمه؟

يبقى بالنهاية ان الجوهر ثابت والاشكال تتغير وان الوجود صورة او لوحة ستظل تتشكل فيها الالوان وتعصف فيها التحولات باستمرار.

بعد ٧٥ سنة يعود الارقش ليكتشف معنا حقّ الانسان في التحرر، ويكتشف معنا سرا جديدا من اسرار البشرية.  وكلما فاضت روحه في رحم التأملات  الوجودية المتارجحة بين الحياة والموت كلما اكتشفنا انه كان انسانا جديدا وحقيقيا ومتأملا وصامتا الى الابد وثائرا عل كل شيء ورمزا مستعادا في اعمال كثيرة.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *