سجلوا عندكم

الطريق الثالث: تجاوز لحشرة الفكر في العقل

Views: 123

 الدكتور مصطفى علّوش

أيها الحضور الكريم، أريد أن استهل كلامي بشكر الأستاذ الدكتور الأمير وليد الأيوبي على دعوته لي للمشاركة في ما أحب وأعتز به، وهو حوار الأفكار المفتوح على الاحتمالات على طريقة مارتن هيدغر الظاهراتية…

ليس من السهل في هذه الأيام المغامرة بطرح كتاب في ظل ضيق مساحات القراءة الكتابية وتوجهها الى المعلومة السهلة التي توفرها ما يسمى بوسائل التواصل الاجتماعي، التي أسميها وسائل التفاصل الاجتماعي، لكونها تضع حواجز بين البشر هي الشاشات الرقمية، فتجعل كل شيء يمر عبر تلك الشاشات التي تتحكم بالفهم العام…

لذلك، فإن طرح هذا الكتاب سيبقى مفخرة في سجل الكاتب الذي نزف فكره على الورق، كفعل تجاوز لحشرة الفكر في العقل، لينتقل مباشرة الى جدلية جديدة في العقل، الذي لا ينفك يسعى نحو الاكتمال من خلال التجاوز

أما بعد، وبعد الاعتذار عن الاستطراد الفلسفي، يطرح هذا الكتاب سؤالا يبدو للوهلة الأولى مرتبطا بالأزمة اللبنانية، لكنه في جوهره يتجاوز لبنان الى سؤال الدولة الحديثة نفسها: كيف يمكن للدولة أن تبقى قائمة شكليا، بمؤسساتها ودستورها وحدودها، بينما تكون قد فقدت وظيفتها الأساسية؟ كيف يمكن لكيان سياسي أن يستمر في الظهور كدولة، فيما هو عاجز عن إنتاج القرار، أو حماية المصلحة العامة، أو تنظيم المجال المشترك؟هنا تكمن قوة هذا العمل: إنه لا يتعامل مع الانهيار اللبناني بوصفه حادثة سياسية طارئة، بل بوصفه عارضا لعطب بنيوي عميق، فالكتاب لا يسأل لماذا انهار لبنان فحسب؟ بل يسأل: ما الذي يجعل الدولة تفشل دون أن تختفي؟ وما الذي يجعل المؤسسات تتحول من أدوات تنظيم الى هياكل خاوية؟

 

منذ الصفحات الأولى، يرفض الكاتب اختزال الأزمة السهل والشعبوي في فساد الحكومات أو سوء الإدارة أو تعثر السياسات. فالأزمة، في نظره، أعمق من ذلك بكثير: إنها أزمة في بنية العلاقة بين الدولة والمجتمع، والقوة والشرعية، والسلطة والعدل، وهذا ما يجعل الكتاب نصا يتجاوز التشخيص السياسي الى مساءلة معنى السياسة نفسها.

في هذا السياق، يمكن أن نستحضر ما طرحه “دارون أسيموغلو وجايمس روبنسون” في كتاب “كيف تفشل الأمم؟” الصادر سنة 2012 حين ميّز بين المؤسسات الشاملة والجامعة والمؤسسات الاستخراجية. ففشل الدول لا يرتبط في رأيهما فقط بندرة الموارد أو سوء الحظ التاريخي، بل بطبيعة المؤسسات التي تنظّم السلطة والثروة. فحين تحتكر قلّة القرار، وتتحول الدولة الى أداة لاستخراج المنافع بدل توزيعها بعدالة، تبدأ الدولة في فقدان معناها حتى لو بقيت قائمة.

الحالة اللبنانية، كما يعرضها الكتاب، تكاد تكون تجسيدا حيا لهذا المنطق. فالدولة اللبنانية لم تختف، لكنها فقدت قدرتها على احتكار القرار، وإنتاج المصلحة العامة، وضبط القوة داخل المجتمع. لقد تحولت الدولة الى ساحة، ومن إطار ناظم الى مساحة تتنازعها الطوائف، والشبكات الزبائنية، والمصالح الإقليمية، والاقتصاد الريعي.

لكن ما يميّز كتاب الدكتور وليد الأيوبي هو أنه لا يكتفي بتحليل المؤسسات، بل يعود الى سؤال أعمق: ما هي السياسة أصلا؟

في القسم النظري، يعود الكاتب الى التراث الفلسفي الكلاسيكي والحديث، ومن أرسطو الى توماس هوبز وجان جاك روسو، ليؤسس لفكرة مركزية وهي أن السياسة ليست مجرد إدارة تقنية للمصالح، بل هي ظاهرة إنسانية بنيوية، إنها المجال الذي تنظم فيه القوة، وتضبط فيه المصالح، ويبنى فيه المشترك.

بهذا المعنى، الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل هي الصيغة التاريخية التي حاولت البشرية من خلالها تحويل العنف الخام الى شرعية، والصراع المفتوح الى قواعد، والخوف الى أفق استقرار. هنا يكمن استحضار تعريف ماكس فيبير للدولة بوصفها الجهة التي تحتكر الاستخدام المشروع للعنف.

لكن الكتاب يذهب أبعد من هذا التعريف، لأنه يذكرنا بأن احتكار القوة لا يكفي وحده، فالدولة لا تستمد شرعيتها من القوة فقط، بل من قدرتها على تحويل هذه القوة الى عدل، أو كما يصفها “جان رولز” حالة الإنصاف. وهنا نصل الى قلب أطروحة الكتاب وهي أن السياسة فن التوازن!

 

 

والتوازن والمقصود في الكتاب هو بين القوة والعدل، والحرية والنظام، والفرد والجماعة، والممكن والمثالي. وحين يختل التوازن، لا تنهار الدولة بالضرورة، لكنها تبدأ بالتشوه. وهذا ما حدث في لبنان، حيث انفصلت القوة عن الشرعية، فظهرت مراكز نفوذ فوق الدولة، وانفصلت الشرعية عن الفعالية، فضعفت المؤسسات، فكانت النتيجة ليس غياب الدولة، بل تحولها الى بنية مختطفة.

هنا يبرز مفهوم “الجمهورية المختطفة” بوصفه أحد أهم مفاتيح الكتاب. فالاختطاف لا يعني سقوط الدولة، بل يعني انفصالها عن وظيفتها. فالدولة ما زالت موجودة، لكن قرارها موزّع، وسيادتها منقوصة، واقتصادها مرتهن، ومجالها العام متآكل، وهذا يجعل الأزمة اللبنانية، في قراءة الكاتب، ليست أزمة حكم، بل أزمة شكل سياسي فقد قدرته على الاستمرار.

ومن هنا تأتي أهمية إعادة تعريف الثورة في هذا الكتاب. فالكاتب يرفض الفهم الشائع للثورة بوصفها مجرد انفجار شعبي أو لحظة غضب جماعي. فالثورة في هذا التصور، ليست حدثا صاخبا بقدر ما هي عملية طويلة لإعادة بناء المجال السياسي.

الثورة الحقيقية، كما يقترح الكاتب، تبدأ كتحول في الوعي قبل أن تصبح تحولا في السلطة.إنها تبدأ كقدرة على تنظيم الغضب، وتحويل الرفض الى مشروع، والانتقال من الاعتراض الى التأسيس.ولهذا يميز الكاتب بين الثورة الصاخبة التي تعبر عن الانفعال، والثورة الهادئة التي تعبر عن النضج التاريخي والقدرة على البناء.

هذا التمييز بالغ الأهمية في الحالة اللبنانية، لأن أحد أسباب تعثر محاولات التغيير هو بقاء الاحتجاج في مستوى الانفعال، من دون القدرة على إنتاج قوة سياسية بديلة، أو بلورة مشروع جامع يتجاوز الانقسامات.

من هنا يطرح الكاتب ما يسميه “الطريق الثالث”، في مواجهة الثنائية القاتلة التي حكمت الحياة السياسية العربية واللبنانية طويلا: الفوضى أو الاستبداد.

إن الطريق الثالث، كما يقدمه الكاتب، يقوم على ثلاثة أعمدة مترابطة: السيادة الوطنية والدولة المدنية والديمقراطية المجتمعية. والسيادة هنا لا تعني فقط تحرير القرار من الخارج، بل إعادة توحيد مركز القرار داخل الدولة نفسها. والدولة المدنية لا تعني فقط فصل الدين عن السياسة، بل الانتقال من الولاءات الجزئية الى مفهوم المواطنة. أما الديمقراطية المجتمعية، فتعني تجاوز الديمقراطية الشكلية الى إشراك المجتمع فعليا في إنتاج القرار، لا الاكتفاء بدوره كجمهور إنتخابي موسميا.

ومع أن هذا التصور يفتح أفقا مهما، إلا أن القراءة النقدية تقتضي القول إن الكتاب رغم قوته في التشخيص ورسم الأفق، يبقى أقل تفصيلا في ما يتعلق بآليات الانتقال. فهو يحدد الاتجاه، لكنه لا يفصّل بما يكفي أدوات الفعل، وشروط بناء الكتلة التاريخية القادرة على حمل هذا التحول. وفي هذا النطاق أعتقد أن الدكتور الأمير سيسعى في كتاباته اللاحقة لبلورة هذه الأفكار.

ومع ذلك، تبقى قيمة هذا الكتاب الأساسية في أنه يعيد النقاش من مستوى الشعارات الى مستوى البنية، ومن منطق البحث الى منطق التكوين، فهو يذكرنا بأن أزمة لبنان ليست فقط أزمة سلطة بل أزمة معنى سياسي مشترك.

وهنا أود أن أختم من زاوية أوسع، تنسجم مع المقاربة الفلسفية التي أؤمن بها، وهي أن مشكلة لبنان، في العمق، ليست فقط مشكلة مؤسسات فاشلة، بل مشكلة مجتمع فقد القدرة على تحويل قلقه الجمعي الى مشروع مشترك، فحين تفشل الدولة، لا يختفي الصراع، بل يعود الى أشكاله البدائية: عصبيات، طوائف، شبكات حماية، خوف متبادل.

الدولة في معناها العميق، ليست مجرد سلطة فوق المجتمع، بل هي الصيغة التي تجعل العيش المشترك ممكنا، إنها الأداة التي تحول القوة الى شرعية، والاختلاف الى تنافس منظّم، والقلق الى أفق، وحين تنهار هذه الوظيفة، لا ينهار النظام فقط بل ينهار المعنى.

لذلك، فإن بناء الدولة في لبنان لا يمكن أن يبدأ فقط من إصلاح تقني أو تسوية ظرفية، بل من مشروع تأسيسي جديد يقوم ركائز خمس:

أولا: استعادة السيادة الحصرية للدولة على القرار الأمني والعسكري، لأن أي دولة بلا احتكار فعلي للقوة هي دولة معلّقة.

ثانيا: الانتقال التدريجي من الطائفية السياسية الى دولة المواطنة، عبر قانون انتخابي عادل، ولا-مركزية إدارية رشيدة، ومؤسسات مستقلة.

ثالثا: إعادة بناء العقد الاجتماعي على قاعدة العدالة، عبر حماية الطبقة الوسطى، وإصلاح الاقتصاد الريعي، وتحفيز الإنتاج.

رابعا: بناء ثقافة عامة جديدة تعيد الاعتبار لفكرة المصلحة العامة، وتحرر المجال العام من العصبيات المغلقة.

خامسا: إنتاج نخبة سياسية جديدة، لا تكتفي بإدارة التوازنات، بل تمتلك شجاعة إعادة التأسيس من دون الخوف من المواجهة حتى مع تجديد ذاتها وديمومتها في السلطة، وهنا يكمن التوازن المستحيل بين الديمقراطية والمصداقية.

إن أخطر ما يصيب المجتمعات، ليس الانهيار نفسه، بل الاعتياد عليه، وليس الخراب، بل تحويله الى قدر. وهذا ما يجعل هذا الكتاب مهما: إنه يرفض التكيّف مع التشوّه، ويراهن على إمكان إعادة المعنى.

وفي لبنان، لا يكون الخلاص في انتظار معجزة، ولا في الحنين الى ماض مضى، بل في عمل طويل، هادئ، وعميق، يعيد السياسة الى معناها الأصيل: فن تنظيم القوم في خدمة العدل، لا إدارة الإنقسام في زمن الانهيار!

***

+ قراءة الطبيب والبروفيسور والنائب السابق الدكتور مصطفى علّوش في كتاب الأستاذ الدكتور وليد الأيوبي بعنوان: “من الثورة الصاخبة الى الثورة الهادئة: جذرالعطل العميق في الجمهورية المختطفة-الطريق الثالث والنموذج السياسي البديل-مقاربة بوليتولوجية”.

+ الدكتور وليد الأيوبي هو أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية & مؤسس وأمين عام حركة “ثورة بلا حدود”.

+ صدر الكتاب في العام الجاري 2026 عن منشورات منتدى شاعر الكورة الخضراء عبد الله شحاده الثقافي.

+ ألقيت هذه الكلمة في إطار الندوة التي نظّمتها حركة “ثورة بلا حدود” في الرابطة الثقافية-طرابلس بتاريخ 28 نيسان 2026 ضمن فعاليات معرض الكتاب السنوي الثاني والخمسين.

 

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *