سجلوا عندكم

مقاربة نقديّة لمجموعة “حين تبدّل وجه النّهار”

Views: 76

د.  محمّد توفيق أبوعلي

حين تبدّل وجه النّهار

في المستهلّ، سأبدأ بسيميائيّة العنوان المأخوذ من قصّة من قصص المجموعة؛ فهو يشي بمفارقة لا لبس فيها: إقرارٌ بالخيبة والألم، وإعلان بالأمل والرّجاء. وتأكيدٌ أنّ النّهار مهما كان قاتم الوجه، فإنّه يبقى نهارًا يُلتمس منه الضّوء؛والتّبدّل آتٍ لا محالة، وهو نتاج الإرادة التي لا تلين عزيمتها.

وبالرّجوع إلى متن القصّة التي أُخذ منها العنوان، نجد أنّه يضجّ بهذه المفارقة؛ فالبطلة_ رغم الخيبة_ لم تصرخ ولم تبك أمام أحد، وقالت: لن أسمح للجراح أن تميتني؛ وهي أيضًا وضعت يديها على قلبها، وقالت: سأبني حياتي من جديد.

 

ولعلّ هذه القصّة تختصر_ على نحوٍ ما_ سمات المجموعة برمّتها؛ فهي تتّصف بلغة سليمة، وتجمع إلى السّرد المشوّق، الحبكة الجميلة التي تجعل القصّة بمنزلة رواية مكثّفة؛ ناهيك من مزج متقن  للواقعيّة الحادّة بالرّومانسيّة الحالمة، من حيث تتابع الأحداث وأسلوب التعبير الذي يرفل بالموازنة بين الوصف الحقيقي وشعريّة يستدعيها الطّقس الوجدانيّ.

 وفي هذه القصّة عينها، نرى المرأة العاشقة الرّقيقة والصُّلْبة التي تنهض من بعد الكبوة؛ لتنسج أفقها، بقولها: وها أنا أكتب قصّتي الأخيرة، بمداد من فرحٍ لم يعرفني بعد.

ونمضي قُدُمًا، لنرى في  قصّتي”الحبّ المقتول” و” بيت لم يعرف الدفء”  واقعيّة مأسويّة أفضى إليها الصّراع الطّبقيّ الحادّ، والخداع الذّاتيّ والجماعيّ، والخواء الرّوحيّ والاغتراب النّفسيّ، في سياق تعبيريّ يتّسم بوجدانيّة”مسنونة” آسرة.

 

وننتقل إلى قصّتي “الشّك القاتل” و”بوّابة الذّاكرة” حيث الخواء العاطفيّ والغَيْرة القاتلة، والأنا الذّكوريّة والتّقاليد القاسية، والذّاكرة المثقوبة بالوجع المقيم فيها؛ وحيث السّعي إلى الصّمود رغم هول المعاناة.

أمّا في قصّتي”حينما شهد الحبّ موته” و”نشيد الحبّ” فنرى في القصّة الأولى انتصار الحبّ فكرةً، رغم موته؛ فكانّما هذا الموت بذرة لديمومة ولادته التي تجسّدت في القصّة الثّانية.

وفي قصّتي “رحيل” و”لم أكن شرّيرة” حضور طاغ لهيمنة العادات والتّقاليد القاسية، مع رومانسيّة حالمة وواقعيّة صارمة.

ويمضي سياق القصّ، وفق  هذه النّمطيّة، بين خيبة تسعى إلى الإعاقة ونهضة تبدّد كلّ إعاقة، في” بعثرات حلم” و و”حشرجة” و”لست منهم” و”اعتراف أقسى من الصّمت”.

 

وفضلًا عن خصوصيّة السّرد المبنيّ على التّشويق، وعلى حسن توظيف الزّمن السّرديّ بين استباق واسترجاع، فثمّة مزيّة مهمّة، في أسلوبيّة أمل ناصر، في هذه القصص، ينبغي لنا الوقوف عندها بتُؤدة، أعني بها تلك القدرة على الجمع بين الإبلاغيّة والإبداعيّة.

وهنا تتبدّى شاعريّة أمل، من خلال توشية هذا السّرد، بنسق تعبيريّ هو أقرب للشّعر منه إلى القصّ؛ وإنّ إطلالة عجلى على بعض هذه النّماذج، تعطينا الخبر اليقين:

_ثمّ يرحل تاركًا وراءه قحط الانتظار.

_ تريد رجلًا يقف في مكانه، لا ظلًّا يقفز بين الغيم والعشب.

_بيت لم يعرف معنى الدّفء، بل كان بيتًا مزخرفًا بالضّجيج…وبالضّوء الخافت الذي لا يشبه ضوء البيوت المستقرّة.

_أسئلة تنبت في قلبه كالأشواك.

_جسده ممدّدٌ كجثّة نُسيت قبل موتها.

ومثل ذلك كثير.

وبعد هذا العرض المكثّف، أستطيع القول: كأنّما الحياة في تجلّياتها كافّة، هي بطلة هذه القصص؛ وكأنّ الكاتبة أمل وجيه  ناصر،قد حقّقت المفارقة بين السّلب والإيجاب، بأن جعلت كلمتها حاملةً لَقاح الإبداع، عبر ريح صاخبة، ونسيم عليل.

لها تهنئتي، وإلى المزيد من العطاء المبدع.

***

*ألقيت في حفل توقيع المجموعة القصصية الجديدة  “حين تبدّلُ وجه النهار” للشاعرة والإعلامية أمل ناصر على خشبة المسرح الوطني– الكوليزيه- الحمرا، الأربعاء ١٥تمّوز ٢٠٢٦ – السّاعة السّادسة مساءً.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *